قضايا المعوقين

بدأت الأم تشعر بآلام المخاض.. ها قد حانت اللحظة المنتظرة.. لحظة الولادة.. وخروج طفل (طفلة) من أحشائها.. وفي المشفى وضعت مولودتها.. طلبت رؤية الوليدة.. تنتظر..
وتنتظر لكن الممرضة تأخرت بإحضارها وكأن مصيبة حلّت بالوالدة والوليدة.. بدأ قلب الأم بالخفقان.. انتابها القلق والخوف.. لعبت الوساوس في رأسها.. وتساءلت ماذا حلّ بابنتي؟.. ‏
تأتي الممرضة محاولة منها التخفيف عن الأم قائلة: «لا تحزني.. بكرة إن شاء الله بيعوضك أحسن».. ‏
تقول الأم: التخفيف وقع عليّ كالصاروخ الموجّه.. لاسيما حينما رأت الحزن على الوجوه.. ونظرات الشفقة في العيون..
تروي الأم نسرين كحالة (معلمة) بكل وضوح وهدوء وجرأة مشوارها مع ابنتها «تسنيم» التي ولدت وتحمل معها إصابة متلازمة داون سيندروم (وهو المصطلح الذي يفضل استخدامه حالياً بدلاً من لفظ «منغولي») أو كما تقول الأم: والأفضل استعمال مصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة. ‏
وتحكي لنا الأم قصة مشوار 14 سنة مع ابنتها التي أصبحت بطلة في السباحة، وشاركت في الدورة الإقليمية الخامسة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي أقيمت العام الماضي في دبي وعادت وهي تحمل برونزيتين وكرمت هي وأصدقاؤها من قبل السيدة الأولى أسماء الأخرس. ‏
الأم ليست اختصاصية وليست طبيبة وإنما معلمة لغة انكليزية تعاملت مع حالة ابنتها بهاتين المهارتين.. لنستمع إليها وهي تحكي تجربتها.. ‏

الولادة: ‏
تصرّح الأم بأنها شعرت بانزعاج وضيق شديدين حينما علمت بحال ابنتها الوليدة، لكنها استطاعت تجاوز الأمر بشكل تدريجي وإنما سريع حتى أصبح شغفها وحبّها لابنتها لا يُوصف، وعرفت أن من واجبها الاعتناء بها وتقديم كل الرعاية والمعونة من مختلف النواحي. ‏
تقول السيدة نسرين: هذه الإصابة تظهر منذ اليوم الأول للولادة، لذلك بدأت بالعمل على تحسين وضعها منذ الشهور الأولى وبدأت بالعناية بالعيون لتصحيح النظر وفي سنواتها الأولى اهتممت بتقويم أسنانها لتحسين الشكل وفي الوقت نفسه لمساعدتها في النطق واللفظ السليم ثم استعملت الأحذية الطبية التي تساعدها على المشي بشكل صحيح. ‏
وتتابع الأم: ولأن هؤلاء لديهم قابلية للسمنة الزائدة، كان من الضروري الانتباه لنوع غذائها ولما تتناوله من أطعمة وبشكل خاص السكريات والنشويات، كل هذا جنباً الى جنب مع تعليمها مهارات القراءة والكتابة والحساب، والرعاية الذاتية والفنية والرياضية وتنمية الميول والمهارات وساعدني في ذلك وضعي لها في مدرسة الرجاء. ‏

المشوار الرياضي ‏
ولكن هل كان مشوار تسنيم الرياضي محفوفاً بالورود والأزهار أم بالعقبات؟ ‏
تجيب الأم قائلة: لفت نظري عشق وولع تسنيم بالسباحة منذ صغرها.. وكلّما أردت تنمية هذه الموهبة وإدخالها الى أحد المسابح الخاصة كنت أسمع دوماً الرد القاسي نفسه (هيك مناظر وأشكال ما بندخلهم المسبح).. لكنني لم أيأس، استعنت بمدرّسين خصوصيين رغم استمرار معاناتي الى أن تم تأسيس مركز (رياضة بلا حدود) التابع للاتحاد الرياضي العام والمهتم بذوي الاحتياجات الخاصة وألحقت تسنيم بهذا المركز الذي رعى موهبتها وعمل على تنميتها وصقلها. ‏

عتاب ولوم ‏
تعتب الأم على الأطباء وعلى أفراد المجتمع.. فالأطباء لم ينصحونا بعمل شيء إيجابي لتحسين وضع الطفلة.. طبيب الولادة قال: «المنغولية بيبقوا متخلفين عقلياً وما بيعيشوا فترة طويلة» كذلك الحال عند طبيب الأطفال الذي كان من واجبه القيام بفحوصات وطلب إجراء تحاليل مخبرية للأذن الوسطى وللغدة الدرقية واللوكيميا، ولم يكن الحال أفضل عند طبيب الغدد الذي كان من واجبه أن يعطيها هرمون التروكسين الذي يساعد في النمو. ‏

ممارسات خاطئة ‏
وتضيف الأم قائلة: من خلال مشواري مع تسنيم لاحظت أن هناك العديد من الممارسات الخاطئة التي يقوم بها بعض الأهالي تجاه أطفالهم ذوي الاحتياجات الخاصة، منها الخجل وحجبهم عن العالم الخارجي، والتعامل معهم بعنف واستخدام الضرب (ما بيفهم إلا بهالطريقة) وأحياناً معاملتهم كالخدم.. أما أفراد المجتمع فإنهم يعتبرونهم حمقى (مجاديب) غير قابلين للتحسن ويجب عدم الاختلاط معهم لأنهم من وجهة نظرهم شرسون وعدوانيون، إضافة الى النظرات السلبية التي تؤثّر في نفوس الآباء والأطفال على حدّ سواء بشكل كبير. ‏

رسالة وهدف ‏
تقول السيدة نسرين: هذه التصرفات الخاطئة تعود بنتائج سلبية على أي طفل طبيعي فكيف إذا مورست على هؤلاء الأطفال، من الطبيعي جداً أن يصبحوا عدوانيين وشرسين إذا تعرضوا للضرب أو الحبس ويكون لديهم بلاهة مطبقة وتصرفات غير مقبولة اجتماعياً لذلك فأنا أدعو من خلال منبر تشرين كل من يملك القدرة على إنشاء مراكز تدريبية تهتم بهؤلاء الأطفال وتعلمهم مهنة أو مهارة معينة، فهم بحاجة لمن يفتح لهم باب العمل حتى يستطيعوا تأمين الاكتفاء الذاتي وألا يكونوا عالة على أحد والأهم مشاركتهم في حياتنا ومعاملتهم معاملة الانسان السوي وأن لهم الحق في اللعب والفرح وأن يكون لديهم أصدقاء. ‏

تعريف الـ «داون سيندروم» ‏
الاسم الشائع «المنغولي» وهو خلل صبغي ناتج عن انقسام الصبغي 21 إلى ثلاثة أقسام بدلاً من قسمين، الشخص الطبيعي لديه 46 صبغياً بينما هم لديهم 47 صبغياً وهذا الخلل مجهول السبب حتى الآن ولكنه ليس وراثياً.. ‏
ـ المصاب بالداون سيندروم يصاب بتغيرات في الشكل: الأذن ـ الأنف القصير ـ الرقبة العريضة ـ اللسان الكبير ـ بطء النمو عقلياً وجسدياً ـ بطء النمو عقلياً وجسدياًًًً ـ ارتخاء في عضلات الجسم ـ بعض المشكلات الصحية: التهاب الأذن الوسطى ـ قصر نظر ـ فتحة في القل ـ لديهم قابلية للسمنة. ‏

ذوو احتياجات خاصة ‏
يرفض الدكتور الاختصاصي الدكتور محمد نور محمد من مركز آمال هذا المصطلح ذوي احتياجات خاصة أو معوق ويفضل استخدام طفل مميز له حاجات تميزه عن غيره من الأطفال. ‏
وحول هذه الإصابة يقول: هذه المتلازمة تعد اضطراباً جينياً، تظهر منذ لحظة الولادة وهناك أجهزة تستطيع اكتشاف الإصابة وهو لا يزال في بطن الأم، وعلى كل انسان «طبيب أو شخص عادي أو من الآباء» الاهتمام بهؤلاء المميزين وأن نشعرهم بأنهم قادرون أن يكونوا مفيدين للمجتمع وبالتالي المجتمع بحاجة لهم. ‏

لنا كلمة: ‏
لكل طفل حقوقه بغض النظر عن كونه مختلفاً أو لديه احتياجات خاصة فهو طفلنا جميعاً نحن المجتمع السوري نعنى ببناء هذا الوطن.. لدينا الدافع والقدرة لنشعرهم بالثقة بأنفسهم وامكاناتهم وقدراتهم وأن نرى فيهم الجانب الإنساني لنساعدهم في المشاركة في العملية الانسانية والمجتمعية. ‏

فاتنة الشامي ، (افتحوا باب الأمل.. باب العمل لنا الحق في اللعب.. في الفرح.. في الحياة.. حكاية أم بدأت مع متلازمة داون سيندروم.. «تسنيم» تفوز بالبرونزية في بطولة السباحة)، عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جريدة تشرين (3/12/2007)

0
0
0
s2smodern