قضايا المعوقين

في اليوم العالمي للمعوّق، والذي يصادف في الثالث من كانون أول من كل عام لا بد لنا من وقفة مطولة مع هذه الشريحة من المجتمع، والتي باتت تفرض وجودها ومتطلباتها علينا بقوة، وهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات باعتبار هذه الشريحة جزء هام وأساسي من المجتمع، يجب أن لا يُنظر إليها على أنها عبء ثقيل، ولا أنها عار يجب إخفاؤه، بل علينا التعامل معهم على أنهم مشابهون لنا في كثير من الأمور، فقط هم لهم احتياجات خاصة تختلف نوعاً ما عن احتياجاتنا الأساسية في الحياة...

لا أحد منا اختار المجيء إلى هذه الحياة.. وبالتالي لسنا مسؤولين عن الشكل الذي حملناه، سوياً كان أم معوقاً، أو حتى مشوهاً. هذه حقيقة علينا إدراكها وقبولها، والتعامل معها بجدية وتفهم، وحتى تفاؤل، لا سيما إن كان لدى الأسرة طفل معوق، وذلك حتى نتمكن ونمكنه من التأقلم مع ذاته ومحيطه الأسري والاجتماعي.

من هنا نجد أن مسؤولية هذا الوضع القائم بالنسبة للفرد المعوق تقع على جهات متعددة كالأهل والمدرسة والحكومة متمثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وأيضاً جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني الأهلية...

أولاً- دور الأهل:
طبعاً، في البداية لا يع المعوق حالته، لكن المشكلة تكون عند الأهل الذين كثيراً ما نجدهم أُناساً ما زالوا يخجلون من وجود حالة كهذه في الأسرة، ويعملون على إخفائها عن المجتمع لأنها- وبنظرهم- وصمة عار. بينما نجد أناساً آخرين يتعاملون مع الحالة ذاتها بموضوعية وتفهم ووعي، حيث يعتبرون المعوق فرداً هاماً في الأسرة، ويغدقون عليه الحب والرعاية والاهتمام بمتابعة كل ما هو جديد في دنيا العلم والطب لمحاولة دفعه للأمام ما أمكن.

وعندما يعي المعوق ذاته، ويدرك اختلافه عن غيره من أقرانه ومحيطه، تنشأ لديه أسئلة كثيرة عن سبب وجوده بهذا الشكل.؟ ولماذا هو دون غيره.؟ هل هو مهم، أو مفيد.؟ وفوق كل ذلك.. هل هو محبوب..؟

يمكن حل جميع هذه التساؤلات، من خلال إشعاره بأهميته، وأهمية وجوده بالنسبة للأسرة والمجتمع، وأنه ليس مسؤولاً عما هو فيه، إضافة إلى الاعتراف بمشابهته لنا من حيث أننا نحمل بعض التشوهات أو الإعاقات الخفيفة، بينما هو له احتياجات خاصة أكثر تختلف عما نحتاج إليه نحن، كما علينا أن نشعره بأننا محتاجون إليه قدر حاجته لنا، وبأنه محبوب ومفيد لنا. كل ذلك من خلال منحه الحنان والأمان، وإحاطته بالحب الحقيقي والصادق، والذي يتحسسه هو بشفافية عالية، خصوصاً من قبل الأم- فبطريقة ملامستها له أو احتضانه يشعر مقدار حبها- كما علينا أن نتعامل معه باحترام لمشاعره وإنسانيته، وحتى لإعاقته، لأنه ربما تختفي خلف هذه الإعاقة شخصية قوية طموحة. فكم من الحالات التي عرفناها أو حتى رأيناها في البرنامج التلفزيوني" مجلة الأمل" وهي ترتقي بموهبتها وطموحها دون الوقوف عند الإعاقة. لذا يجب علينا البحث عن تلك الشخصية وكوامنها من خلال تعامل إنساني صادق بعيداً عن الشفقة والعطف، لأنه لا شيء يؤلم المعوق أكثر من إحساسه بالشفقة من قبل الآخرين.

ثانياً- دور الحكومة- وزارة الشؤون الاجتماعية: تتضح قيمة القانون الذي أصدره الرئيس بشار الأسد برقم/34/ تاريخ 18/7/ 2004/ والذي ينظم شؤون المعوقين ورعايتهم، حيث حدد فيه مجموعة من الخدمات التي ستقدم لهم في المجالات الصحية والتربوية والتعليمية والرياضية والتأهيلية والإعلامية والعملية، وتوفير البيئة الملائمة المؤهلة لهم، والإعفاءات على بعض احتياجاتهم، وإحداث المعاهد التي تتولى تقديم الخدمات المختلفة، وإجراء تصنيف وطني للإعاقة، ليكون أساساً لمنح بطاقة المعوق. كما تمّ تشكيل المجلس المركزي للمعوقين منذ أكثر من عام وبرئاسة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعضوية ممثلين عن وزارات مختلفة ذات صلة باحتياجات المعوقين، مهمته رسم السياسة الخاصة به، واقتراح التشريعات والتعديلات، إضافة إلى دراسة التقارير المقدمة من المجالس الفرعية في المحافظات، وكذلك التعاون مع المنظمات الإقليمية والعربية والدولية...

إلاّ أن وزيرة الشؤون في حديث لها مع صحيفة تشرين العدد/10031/ تاريخ 20/11/2007 باعتبارها رئيسة للمجلس قالت أنها غير راضية عن عمله، والأسباب تكمن في أن المطلوب من المجلس أن يعمل في الاستراتيجيات بشكل أكبر، لكنه بقي يعمل بالجزئيات والتفاصيل، وذلك ربما لعدم التفرغ، أو عدم تحديد المشرع لما يجب أن يقوم به المجلس، إضافة لعدم وجود تعليمات تنفيذية تحدد له آلية عمله بشكل كامل، إضافة إلى أن المجالس الفرعية للمعوقين في المحافظات لم تأخذ على محمل الجد أهمية عملها، كما انه لم يكن هناك آلية أو مواصفات لاختيار الأعضاء الممثلين في المجالس سواء من الجمعيات الأهلية أو المعوقين أنفسهم.

 بهذا التصريح البيّن للسيدة الوزيرة وبعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على صدور القانون/34/ وعام تقريباً على إحداث المجلس المركزي للمعوقين يتضح لنا أن ما تمّ فعله لا ينم عن اهتمام حقيقي وجدي بهذه الشريحة من المجتمع، فلا شيء تحقق تقريباً سوى القليل جداً وعلى كافة الصعد. إذ ما زالت العراقيل تُوضع في طريق تأمين مستلزمات هذه الشريحة الهامة والحساسة، حتى أن المرتب الذي خُصص لحالة الشلل الدماغي والذي يُقدر بـ/ 3000 ل.س/ شهرياً لم يتم منحه لهم سوى شهرين فقط.. والأعذار أكثر من أن تُحصى..!!!؟؟ لا سيما لجهة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والتي هي الجهة الأساسية المخولة بتطبيق بنود ومواد القانون، لكنها للأسف من اكثر الجهات إعاقة لتطبيقه دون مبررات واضحة ومقنعة، ربما يكون المبرر الذي جاء على لسان الوزيرة في اللقاء ذاته، أن الراتب الذي حدده القانون للشلل الدماغي أظهر حالات كثيرة كانت مخفية، حيث لجأ الكثيرون لتغيير تشخيص الحالة رغبة في الحصول على الراتب، وهذا الوضع جعل الوزارة تؤجل تقديم المنحة، بل وإعادة دراستها في ضوء المعطيات المختلفة التي صادفتها، أي القيام بإعادة تصنيف حالة المعوّق... أعتقد أن هذا المبرر غير مجدي لأن الإبطاء في إعادة التصنيف ومنح المستحقين إعانتهم يزيد من وطأة الظروف الاقتصادية بالغة الصعوبة عليهم، وتكاليف العلاج الباهظة،لا سيما إذا علمنا أنه توجد في بعض الأسر أكثر من حالة شلل دماغي..!!!!! وفوق هذا هل ستقوم الوزارة -بعد ان تحدد أصحاب من يحق لهم الراتب- بدفع مستحقات الأشهر التي توقف عنهم الراتب؟؟.

أيضاً فالوزارة وأثناء منحها التراخيص في هذا المجال كثيراً ما يفعل الروتين فعله في تأخير إنجاز الكثير من المعاملات التي تساهم في استيعاب عدد غير قليل من المعوقين، إضافة إلى التنصل من مسألة دعم هذه الجمعيات لتتمكن من توفير مستلزمات المنتسبين إليها، فلا شيء يذكر من دعم الوزارة، ليبقى العبء بكامله على عاتق الجمعيات والمدارس الخاصة دون دعم حكومي ضروري للتشاركية التي يطلبها القانون، فأية تشاركية هذه..؟؟؟؟

من هنا ولقيمة هذا القانون وأهميته، نُصر على تطبيقه كاملاً وبأقصى سرعة ممكنة حتى يتيح الفرصة لهذه الفئة من خلال برنامج دمج المعوقين بالمجتمع، وذلك حتى يشعروا بأنهم كغيرهم، مهمون في الحياة الاجتماعية، بدخولهم المدارس والنوادي وبعض مجالات العمل.

ثالثاً- دور مؤسسات المجتمع الأهلي والقطاع الخاص: الذي أخذ قسماً من المهام على عاتقه، عندما تمّ منح التراخيص التي تؤهل هذا القطاع للعمل على تنمية مهارات وقدرات شرائح المعوقين، لا سيما الأطفال منهم، وذلك بافتتاح المراكز والمدارس الخاصة بهم، لكن ما يلفت الانتباه أن قسماً هاماً من هذه المدارس والمراكز لم تلقَ الدعم الكافي من وزارة الشؤون الاجتماعية، وأيضاً من الجمعيات الخيرية وبعض رؤوس الأموال التي اتخذت من هذه المراكز مطية لجذب أصوات الناخبين لمرشحي مجلس الشعب ضمن وعود وآمال خلبية لم يتحقق منها شيئاً على أرض الواقع فور صدور نتائج الانتخابات للدور التشريعي الحالي. كما أن البعض الآخر من هذه المدارس والمراكز قائم على أساس الربح المادي بالدرجة الأولى، ومن ثم الاهتمام بالأطفال الموجودين لديهم دون التركيز على كوادر مؤهلة ومدربة تماماً تستطيع القيام بمهامها ومسؤولياته التربوية والنفسية تجاه الأطفال، لذا يجب تأهيل الكوادر المختصة ولا سيما في مجال التعليم والتأهيل المهني، من أجل اتباع الأساليب النفسية والاجتماعية الصحيحة والسليمة في التعامل مع هذه الشريحة الحساسة.

ويمكننا في هذا السياق من النظر لمسألة الدمج في المدارس على أنها حتى الآن لم تعطِ نتائج ملموسة وهامة يمكن الإشارة إليها لعدة أسباب نلخصها في عدم تأهيل المدرسين الذين توجد لديهم مثل هذه الحالات، وأيضاً عدم تأهيل الطلاب الأصحاء للتعامل مع أطفال معوقين إلاّ من خلال الشفقة والعطف ليس إلاّ.. إضافة لعدم وجود مناهج تتناسب وطبيعة الإعاقة الموجودة في المدرسة.

لكن ومن جانب آخر لا بد من الإشادة والإشارة للجهود الجبارة المبذولة من قبل بعض المدارس والمعاهد والجمعيات الخاصة بالمعوقين، تلك الجهود التي لا تخفى على أحد في جميع الفعاليات والنشاطات التي تتم من أجل هؤلاء المعوقين، وهذا ما لمسناه في المسير الذي تم يوم الإثنين الماضي على ثلاث محاور وصل المحور الأول لمجلس الشعب، والتقى رئيس المجلس، والمحور الثاني الذي وصل الجامع الأموي والتقى مفتي الجمهورية، والمحور الثالث الذي وصل كنيسة الكيرلس والتقى المطران جوزيف العبسي، وفي كل هذه اللقاءات تم الاستماع إلى مطالب المعوقين والاحتفال معهم بيوم المعوق العالمي، وتقديم الهدايا لهم.

وفي اليوم الثاني وتأكيداً لحقهم في فرص عمل متكافئة أُقيم يوم عمل ميداني شعاره (ظروف عمل أفضل) لأكثر مــن/300/ شخص معوق رسالتهم (قادرون ولدينا الإمكانات للمشاركة والعمل مهما تكن الظروف) في مركز الشام للتسوق بدمشق، كانت بمثابة رسالة وجهت لكافة قطاعات المجتمع الخاص والأهلي والعام لتأكيد أهمية فكرة الدمج وفرص العمل المتكافئة في المجتمع...

ختاماً نأمل ألاّ يبقَ العمل مع قضية المعوقين تعاملاً إعلامياً وإعلانياً أكثر منه تعاملاً جدياً وواقعياً يجب أن يتم ليخدم هذه الشريحة الهامة من المجتمع، وباعتقادي يجب النظر إلى قضية المعوق على أنها قضية وطنية ومهمة أساسية لننهض بالمجتمع لأرقى المستويات، وحتى يتمكن هؤلاء من الاندماج جدياً وجيداً في المجتمع، وبالتالي لنعمل معهم على تطور الحياة ومفاهيمها بالنسبة لنا ولهم، وليكونوا أفراداً صالحين ومفيدين لأنفسهم أولاً، ومن ثم للحياة ، بدلاً من أن نبقيهم أسرى إعاقتهم، وعالة على الأسرة والمجتمع، ولنكن عوناً لهم في تخطي أسر محنتهم باتجاه الأفضل والأسمى.

إيمان ونوس، (في اليوم العالمي للمعوّق.. لأن الأمل هو الحياة)

مجلة الثرى، (12/2007)

0
0
0
s2smodern