قضايا المعوقين

خاص: نساء سورية

  لفترات طويلة تم إقصاء المعوقين وتهميشهم، وعزلهم عن العملية التعليمية و عن المجتمع في آن معاً، وتم اعتبارهم أقل شأناً من الناس الأسوياء، وتجوز عليهم الشفقة والعطف...
كما أن الإعلام السوري ركز دائماً في موضوع ذوي الاحتياجات الخاصة على اتجاه واحد- تماماً كما في كل المجالات الأخرى..!- فمن خلال برنامج (مجلة الأمل) التلفزيوني الوحيد الذي تبنى قضايا المعوقين والذي غالباً ما ترافقه موسيقا تصويرية مأساوية، تم تصوير المعوق في إحدى الصورتين:
1- بطلاً يصارع إعاقته ويحقق انتصاره عليها وبذلك يصبح جديراً بالحياة جنباً إلى جنب مع الأسوياء.
2- والصورة الثانية والأكثر فظاعة هي صورة الإنسان المعذب والمعنف والذي يستحق شفقة الجميع.
لكن ماذا عن الحالة الإنسانية الطبيعية للمعوق...!!
ماذا عن العمل.. عن الحب.. عن الزواج.. عن الصداقة.. عن المشاعر الدفينة.. عن الرغبة.... والرقص والغناء والمرح....
ماذا عن التنزه غير المشروط في الحدائق.. أو في شوارع العشاق... والشرود خلف الخط الأزرق البعيد...
ماذا عن الحرية...!!
وفي هذا العالم العربي المختل.. والمعقد، وحيث البشر نسخ متوالية ومنتظمة من الجيوش المبرمجة باتجاه واحد، يتم في الكواليس البحث عن الاختلاف وبتره..!!
لكن للمجتمع المحلي وجهة نظر أخرى وتجربة جديرة بالاحترام والإضاءة، فكان لنا وقفتنا الأولى مع تجربة معهد الإليانس التابع لوكالة غوث الطفل الفلسطيني (الأنوروا).
لقد كان معهد الاليانس أول من عمل على فكرة تأهيل المجتمع المحلي، والذي يعتبر من أحدث النظريات في تأهيل المعوقين.. فقد بدأ العمل في معهد الاليانس من فكرة تنمية المواهب والمهارات الفردية، وتأهيل المجتمع المحيط... من خلال النشاطات المتنوعة والحفلات، ودورات الكمبيوتر واللغة ودورات محو أمية ودورات الإشارة للصم ودورات في لغة بريل للمكفوفين... وذلك بهدف دمج المعوقين في المجتمع والوصول بهم إلى مستوى أقرانهم من الأشخاص الأصحاء، والتالي سهولة تأمين فرص عمل لهم، ومساعدتهم أيضا للحصول على فرص عمل في المعهد أو في مدارس مؤسسات الأنوروا.
تأسس معهد الاليانس بالتعاون بين السفارة الألمانية ووكالة غوث الطفل الفلسطيني(الأنوروا) عام 1995في يوم المعوق العالمي 3/12 وذلك بنتيجة حملة من المجتمع المحلي، لتأهيل ورعاية المعوقين في منطقة الاليانس..
ومن خلال المعهد ونادي الأمل الرياضي للمعوقين التابع للاتحاد الرياضي، خضنا في التجارب اليومية الاجتماعية لبعض المعوقين والمتطوعين، وأطلعونا بشغف على حياتهم الخاصة، وأعطونا من تجاربهم الكثير:

ربى سباهي 29 عام، شلل أطفال، معهد تجاري-قسم إدارة:
مدارس نظامية، وحياة جامعية حافلة بأصدقاء يتنافسون لدفع عربة ربى الفتاة الاجتماعية المتألقة، المتوازنة مع ذاتها والتي لم يهمها أن يرى الناس إعاقتها، أو أن يقرأ الجميع كلمة إعاقة في بطاقتها..
بالرغم من أن ربى قد قامت بكل ما تطلبه الشروط الحديثة للوظيفة إلى أنها لم تحصل على فرصة كالآلاف المؤلفة العاطلين عن العمل.
لقد حصلت ربى على شهادة المعهد التجاري ثم اتجهت كمئات المتفائلين إلى تحصيل الشهادات في اللغة والكمبيوتر، وهاهي تبحث عن عمل منذ سنين طويلة، بعد أن سجلت في مكتب التشغيل راحت تطرق كل قطاعات العمل العامة والخاصة، العمل الذي شكل بالنسبة لها هاجس يوميي بتحقيق ذاتها، وتأمين مستقبلها، والشعور بالأمان الحق المشروع للجميع... ولم توفر جهداً في مهمتها الصعبة، سواء من خلال المعارف أومن خلال جرائد الإعلان (الدليل والوسيلة)، لكن إعاقتها جعلت الجميع يعتذرون بلباقة وينسحبون...
وبالرغم من أن معظم المؤسسات الحكومية لم تحقق النسبة المطلوبة في توظيف المعوقين (4%) لكن لأسباب لا يعلمها إلا العالقون في دهاليز الوزارة، يتم (التخلص..!) أو إبعاد معظم المعوقين القادمين للمطالبة بحقهم في بالتوظيف وتأمين مستقبلهم المحفوف بالمخاطر.
لقد رفضت في صغري المشي على العكازين واستسلمت للكرسي لكني لن أستسلم هذه المرة لعطالة القوانين، وعطالة العقول وسأبحث عن العمل في كل يوم.. وفي كل مكان...
أنا هنا منذ حوالي شهرين، لتقوية مهارتي الكمبيوترية، ولخلق نشاط اجتماعي مع الجميع، لكني أعاني من الاختلاف بالتفكير قد يكون ناتجاً عن أنني تعلمت منذ الصغر في المدارس الحكومية واندمجت في المجتمع منذ الصغر، وأعتقد أن المعوقين بحاجة إلى إعادة تأهيل، على الأقل لتقبل بعضهم البعض..!!

وسيم نصر الله 35عام – شلل بالطرفين السفليين نتيجة حادث أثناء الخدمة العسكرية
يعمل وسيم على إعالة نفسه وتحقيق استقلال مادي في حدوده الدنيا -على الأقل- لكن ذلك يبدو صعباً للغاية.
فراتبه التقاعدي الذي لا يتجاوز الـ(3700) ليرة لا يكفي الآن لأجار بيت، لذلك عمل جاهداً في عدة مهن بدأها بمهنة النحاس في الحمدية، ثم عمل في البيت في مهنة التطريز وهو عمل موسمي صعب وشاق بوجود إعاقته.
لم يتمكن وسيم من الزواج من الفتاة التي أحبها مؤخراً لأسباب مادية ولأسباب أخرى تتعلق بإعاقته وإعاقة الفتاة التي أحبها، وهي لا تعدو أن تكون إعاقة خفيفة في إحدى قدميها. فالأب لسبب ما يرفض تزويج ابنته المعوقة!
أما "المهنة" التي احتفظ وسيم بها لذاته فهي كتابة الشعر، وقد كان مقدماً على إصدار ديوانه الأول لو وجد من يدعمه ويتبناه، لكن من يأبه للشعر في هذا الزمن...
لذلك يتمنى أن يتحدث الناس والجمعيات عن الجانب الثقافي للمعاق الذي برأيه هو جانب مغفل تماماً ولا أحد يعمد إلى تشجيعه ودعمه.
يقول وسيم لم أطلع على قوانين المعوقين لأنني أعرف مسبقاً أنها لم توضع من أجلنا نحن المعوقين.. وأنها على كل الأحوال لن تطبق إلا لصالح أصحاب الواسطات، ومن سيشتري السيارة أصلاً... ولماذا السيارة والمعاق لن يتمكن من بيعها أو استثمارها.. خاصة أن الغالبية العظمى من المعوقين يرزحون تحت خط الفقر الحقيقي..؟!
أما مهنة وسيم الأخيرة فهي التفاؤل، فبرغم كل السواد الذي يلف حياته إلا أنه يعمل دائماً على تحويله إلى ألق وألوان مشرقة وحب للحياة.

ديمة داهوك 20عاماً بكالوريا أدبي- شلل نصفي نتيجة حادث سيارة.
كان يمكن لحالتها أن تكون الآن أفضل بكثير، لكن المجتمع المحيط راح يقنع أهلها أنه لا جدوى من العلاج، وأن الإعاقة قدرها من الله، ولا اعتراض على إرادة الله، وأن الشفاء أمر مستحيل، حتى اقتنع أهلها وأوقفوا علاجها من حالة الشلل النصفي التي أصابتها، ديمة التي قطعت مشوار طويلاً في البحث عن العمل، وجدت كثيرين من هؤلاء المبرمَجين الذي كانوا في كل مرة يقولون لها أن الأصحاء لا يجدون عملاً لتجديه أنت..!
وتقول ديما أن الجمعيات الأهلية والخيرة لا تملك الإمكانيات اللازمة لدعم المعوقين وتأمين أجهزتهم وأدواتهم، وغالباً يما يقوم بهذا العمل متبرع ثري..! فقد حصلت في سنواتها ال20 على كرسيين وكلاهما تبرع من أشخاص أثرياء.
ديما التي تفضل الارتباط بمعاق يتفهم إعاقتها وترفض أن يكون زوجها (السليم) كبش فداء لإعاقتها، وجدت نفسها منذ حوالي سنة أمام حب فاشل من شخص سليم، لأن أهله لم يقبلوا بفكرة الزواج من معاقة، تلك الفكرة التي تبدو في مجتمعنا غريبة وغير متوازنة.
تقول ديمة المرأة المعوقة تعاني معانتين في مجتمعاتنا، مرة لأنها امرأة مظلومة من قبل الرجل والقانون معاً ومرة لأنها معوقة تم تجاهلها وإقصاؤها بعناية..! فقوانين المعوقين مثلاً لا يستفيد منها معظم المعوقين.
فقد سبق وقدمت ديما في مفاضلة للمعوقين، لكنها وبرغم القوانين التعليمات التنفيذية لم يتم قبولها..!

ب. ر28عام شلل أطفال- قصر 4سم، تلف أعصاب.
بدأ الشلل رباعياً عندها: دخلت المدارس الحكومية رغماً عن الإدارة والمعلمين الذي رفضوا في البداية استقبالي وقام الأهل بعلاجي، في البداية ركبوا لي أجهزة، ثم حذاء طبي.
لقد بدأت ب. ر مرحلة الابتدائية بامتياز خاص فقد كانت زعيمة الحارة باللعب، ومتفوقة في دراستها، لقد كادت تلغي كلمة إعاقة من مفهوم جسدها لولا أن الطفلة الصغيرة راحت تتحول خلف الجدران إلى أنثى متكاملة، وها قد بدأت مراهقة حافلة بالقمع، وتحولت زعيمة الحارة إلى عاشقة صغيرة، وبدأت القيود الخفية بالنمو في غفلة منها، فما كان مقبولاً وطبيعياً أصبح الآن ممنوعاً بشدة، تقول ب. ر :"اختلفت معاملة الجميع لي، وبدأت حرب المجتمع المحيط الذي عمل بدوره على إحباط همة الأهل في متابعة علاجي، الذي ساهم كادر المدرسة فيه بقوة وتم عزلي من حصص الرياضة وحصص الفتوة، وترددت كثيراً عبارات (يا حرام فتاة معاقة..!) ومن ثم انتقلت عدوى الإحباط إلى روحي واستقرت طويلاً، فتراجعت في التحصيل الدراسي، وبدأ ألم الحب يتعاظم والشعور بالضياع، كان ذلك نتيجة الانتقال إلى المدرسة المختلطة، حيث بدأ الفتيان والفتيات يعيشون قصص الحب، ومن ثم رفض الفتيان لها بسبب إعاقتها، وهذا ما زاد الإحباط وأدى بي إلى الرسوب، تقول ب. ر شعرت أنني لا أستطيع مواجهة مجتمع بكامله ورفضت متابعة التعليم، وصار همي الأولى محصوراً بإخفاء إعاقتي، وكنت أعاني بشكل خاص من صعود الدرج أمام الفتيان. وكيف سينظرون إلى وأنا أقوم بتلك الحركات الغريبة، لكني سرعان ما استيقظت، نلت شهادة البكالوريا ودرست معهد تجاري، وأردت أن أعيد البكالوريا، لكن أهلي رفضوا الفكرة، وأنا كنت غير قانعة بذلك، ولم أ‘د أهتم بفكرة التفوق، وصرت مستهترة.
إعاقة ب. ر كانت قابلة للحل من خلال عملية تطويل للمفصل، لكن حديث الأطباء كان يدور فقط عن المال، وحتى عندما كان أبي يؤمن المال، كان يقولون له (مافي داعي تعمل العملية).
تخرجت ب. ر ثم بدأت رحلة جديدة في البحث عن العمل، ومع أن إعاقتها خفيفة نوعاً ما إلا أنها وبرغم مؤهلاتها، رفضت من جميع دوائر الدولة بسبب الإعاقة. ثم عملت في عمل خاص مع متعهد في مشروع الفرات، واستلمت مستودعاً وأدارته ونجحت بذلك بشكل ملفت، لكنها سرعان ما أصيبت أثناء العمل إصابة خطيرة، لكن صاحب العمل أدرا ظهره كالعادة، ولم يعوض لها أدنى تعويض عن العمليتين التين أجريتهما بعد الإصابة.
ثم بعد كثير من المحاولات، حصلت ب. ر علة وظيفة في المصرف الزراعي في الكسوة.
وعملت على الخروج من الجو المغلق الذي كانت تعيشه وهاهي تأتي بشكل مستمر إلى معهد الإليانس وتخرق القيم الريفية المتعارف عليها، ضرب وإهانة إخوتها لها، واستغلال الشباب الذين أرادوا أن يوقعوا بها من باب أن عليها تجاوز إعاقتها.
لكن ب، ر بعد أن أحبت شاب متزوج ومن غير طائفتها، و يكبرها كثيراً في السن، أرادت أن تتخلص من الحب لأن "الحب ضعف"، ولأنه يحتاج إلى صدق لا يوجد في مجتمعنا، فالكل يلجأ إلى استغلاله كغطاء، لكنها ترفض بشدة فكرة أن المعاقة يجب أن تتزوج من معاق.

منتصر اليوسف24عام خلع ولادة.
يعيش منتصر في إحدى قرى ريف دمشق البعيدة (كفر العواميد) لكن ذلك لا يثنيه عن القدوم مع زملائه إلى معهد الإليانس، لتقوية مهاراته في الكمبيوتر واللغة الإنكليزية، كما لم يثنيه لمدة ست سنوات سابقة على المداومة اليومية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الصحة للحصول على عمل، وقد علق أصدقاؤه مازحن، في المرة القادمة سيحضر لك معتصم كرتونة كبيرة تحوي مئات الطلبات التي ظل يقدمها بإصرار إلى وزارة العمل، والذين أصابهم ملل شديد منه فاضطروا إلى توظيفه في مستوصف القرية.
يعمل منتصر بعد أن تخلى عن عمله السابق في ملاحقة المسؤولين والوزراء، وتقديم الطلبات، كمستخدم ومراسل في المستوصف، ويقوم بوظيفته على أكمل وجه، وبلا أدنى تقاعس، يبدأ عمله في الثامنة صباحاً وينتهي بالثالثة ظهراً، دون أن يحاول استغلال إعاقتها بالتهرب من الدوام أو ما شابه.
حكاية منتصر مع القوانين والوظيفة حكاية طويلة وفي من الكوميديا الساخرة الكثير، فقد عمد منتصر على مدى ست سنوات متواصلة على تقديم طلبات لوزارة العمل بشكل مستمر، حتى صار يقدم طلب كل أسبوع ومن ثم يقوم بمتابعته باليد، وكثيراً ما تم إبعاده من مكاتب المسؤولين، لكن إيمانه وإصراره بالحصول على حقه المشروع بالعمل وتأمين حياته، كان أقوى من ترفع أصحاب الكراسي، وكثيراً ما كانوا يخترعون له مبررات، مرة أن النسبة في معظم الوزارات محققة، ومرة لا يوجد شاغر، ومرة..!!
كما تقدم منتصر بطلبات كثيرة للحصول على موافقة من أجل (كشك) لكن الإجابات كانت دائماً تأتي: (ما في كشك روح دوّر على بسطة بالطريق..!)
منتصر المطلع جيداً على قوانين المعوقين، وجد أن جميع القوانين لم تطبق باستثناء بطاقة المعوق.
عندما تقدم منتصر من أجل الحصول على طلب شراء سيارة معوق أخبروه أنه غير قادر على قيادة السيارة مع أنهم لم يجروا له أي فحص، هو الذي قام بفحص خاص، وأثبت جدارته، كما أنه لم يعفى من الطوابع في كثير من الدوائر الحكومية، ويقول إن موظفوا وزارة الشؤون بحاجة إلى تأهيل للتعامل مع المعوق فغالباً ما يعاملونه بنوع من القرف والشفقة، والفوقية.. كانت هذه النتيجة بعد تجربة دامت ست سنوات ربما تغير خلالها أكثر من وزارة...!!

سراء تولد 1974عازبة جميلة..إعاقتها بسيطة في إحدى ساقيها.
بل تكاد لا تميز إعاقتها , وإذا ميزتها فمشيتها كأنها الطائر الصغير حين يخطو على العشب الأخضر!!!
تقول سراء:
درست الفنون النسوية ثم انقطعت بسبب مرض أمي وحملت بعض المسؤولية لكوني الكبيرة بين أخوتي.. ولكن بعد تحسن صحة أمي أخذ الكل يدللني ويمنعني من العمل في البيت.. حتى العمل خارج البيت كان ممنوعا بسبب خوف الأهل علي!! أما الآن فلي مطلق الحرية في البحث عن عمل ولكن أين هذا العمل؟ إن معظم المعوقين يعانون كثيرا من مشكلة تأمين عمل مناسب لهم فمشكلة المواصلات ومشكلة إتقان بعض الأعمال المطلوبة في سوق العمل , فضلا عن نظرة المجتمع التي تعتبر أن المعوق لا يستطيع القيام بالعمل والالتزام به.
ومن هنا قررت تعلم الكمبيوتر لعلمي أن معظم الأعمال هذه الأيام تحتاج إلى كومبيوتر.
وحين سألنا سراء هل مرت بتجربة عاطفية؟ وهل أثر كونها معوقة على هذه التجربة قالت: نعم لقد مررت في بداية شبابي بتجربة عاطفية كادت تتوج بالزواج.. ولكنها انتهت مع الأسف بسبب بعض الخلافات العادية, ولم يكن للإعاقة أي سبب في فشل هذه التجربة بل إن أهله لم يعارضوا زواجنا بسبب كوني معوقة!!
أتمنى – تضيف سراء- أن أجد عملا لي مناسبا..والأهم أن لا يكون بعيدا جدا عن بيتي بسبب مشكلة المواصلات.

رنا.. تولد 1982 الدراسة حتى نهاية المرحلة الثانوية.
رنا لم تكن حتى قبل بضع سنوات تعاني من أية إعاقة أو مشكلة سوى حساسيتها المرهفة جدا والتي جعلتها ومع الأسف تضعف أمام مشاكل الحياة ومشاكل عائلتها مما دفعها لمحاولة الانتحار بأخذ جرعة من السم.. لم تقتلها بل قتلت فيها حيويتها ونشاطها, حيث تمثل ذلك بإصابتها بضعف عام في جسدها وضعف القدرة على المشي واستخدام اليدين.. فضلا عن فقدانها القدرة على النطق!
واجهنا صعوبة كبيرة في فهم ما تقول لولا مساعدة صديقتها سراء وقيامها بقراءة حركة شفاهها بصعوبة بالغة...إضافة إلى صعوبة فهم ما تكتب بيدها الواهنة لضعف السيطرة عليها.. وهي مع ذلك تحب كتابة الخواطر وخاصة باللغة الإنكليزية:
"Do you remember the first meeting between us and when you say to me …our love was endless …
Why do you lay on me all time?……"
بصراحة لم نستطع تهجئة باقي الخاطرة بسبب سوء الخط!!! و نتمنى من رنا أن تتعلم الكتابة على الكومبيوتر حتى تستطيع أن تعبر بكتاباتها عن مكنونات نفسها التي تفيض رقة وعذوبة.

متطوعة قسرية
لورين... تولد 1982 فتاة في مقتبل العمر. حرمت التعليم بسبب ظروفها العائلية وانفصال والديها, وعندما كانت في الثانية عشر من عمرها أصيب عمها الشاب بحادث أفقده القدرة على السير وعلى القيام بخدمة نفسه... فنذرت نفسها لخدمته وعاشت معه على راتبه التقاعدي الضئيل وما تيسر لها من بعض الأعمال اليدوية.
تعرفت على مجموعة من المعوقين في الأماكن التي تزورها برفقة عمها كمركز الاليانس لتأهيل المعوقين التابع لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين..حيث تقوم هي وعمها بعمل دورات محو أمية و تعلم الكمبيوتر منذ سنة تقريبا... كما يذهبون جميعا للعب الرياضة في نادي الأمل للمعوقين في ملعب العباسيين..
تقول لورين: لقد أصبح هؤلاء المعوقون أصدقائي وأصدقاء عمي معا.. ليس لي أصدقاء خاصون.. وليست لي حياة خاصة, وأنا لا أذهب لأي مكان إلا مع عمي وبرفقة هؤلاء المعوقين ومرافقيهم والمتطوعين الباقين... لقد أصبحوا أهلي..أحس بالملل إذا لم أرهم.. وأنا أقوم بمساعدتهم كما أساعد عمي. لقد تأقلمت مع أوضاعهم وأصبحت جزءا من حياتهم, تعرفت على مشاكلهم وهمومهم و آمالهم.. البعض لا يجد من يهتم به حتى أهله!! والبعض يضيق من كثرة اهتمام أهله والمحيطين به!!!
البعض يتمنى أي وظيفة يعمل بها لسد الرمق , والبعض يتمنى الوظيفة لتأكيد الذات وأنه عنصر فعال في المجتمع.. والبعض يريدها للتسلية والخروج من روتين الحياة المملة.
ألا تفكرين بالزواج يا لورين؟ تجيب: في حال تزوجت فان عمي سوف يضطر أن يسكن مع أحد إخوته, مع ما يعني ذلك من الشعور بالاضطهاد وتغيير ما تعود عليه معي من نمط الحياة الحرة... عندما أطلب للزواج تدمع عيناه دون بكاء... أنا أرفض الزواج.... ربما بسبب عمي!!!.

متطوعة قسرية
مواهب... تولد 1969فتاة جميلة غير متزوجة لم تكمل تعليمها... أيضا بسبب الظروف العائلية فهي الكبيرة بين أخوتها مع ما يعنيه ذلك من تحمل المسؤولية باكرا... قد يبدو هذا مألوفا في مجتمعنا, ولكن الجديد أنها وجدت نفسها منذ عشرين عاما – وهي في بداية شبابها – مسؤولة أيضا عن أختها الصغيرة التي أصيبت بشلل نصفي بسبب حادث سير وهي في الثانية من عمرها..لقد تحملت هذه المسؤولية بجد وشجاعة لدرجة أنها تركت المنزل الأبوي في "البلد" لتقيم بمفردها مع أختها المعوقة في دمشق لأجل استكمل علاجها بعد ان تنصل الأب من مسؤولياته تجاه ابنته! تعمل بأشغال الإبرة مع بعض المساعدة من الأشقاء وأهل الخير. ترافق أختها الى مختلف الأماكن والأنشطة التي يرتادها المعوقون كنادي الأمل الرياضي ومركز الاليانس لتعلم الكومبيوتر مع باقي الأصدقاء المعوقين..
تقول مواهب: أساعد بقية المعوقين كما أساعد أختي تماما وبقدر ما أستطيع.. أعيش حياتهم كما أعيش حياة أختي بكل ما فيها من ألم و أمل... لا أريد الزواج مطلقا! لقد محوت هذه الفكرة تماما من ذهني ومن حياتي.. لا أستطيع تخيل وجود رجل يتفهم تضحيتي ومسؤوليتي المستمرة تجاه أختي.... وإن تفهمها فعلا فما ذنبه؟!

متطوعة بإرادتها
رندا... تولد 1972 عازبة جميلة تتقد نشاطا وحيوية... تعمل في مشغل للخياطة. لم يكن في أسرتها أو المحيطين بها أحد من المعوقين..لكنها تعرفت على عالم الإعاقة من خلال زميلتيها ألطاف وناديا حيث قامت معهما بزيارات إلى نادي الأمل الرياضي للمعوقين...وعندما لاحظ مسؤول النادي اهتمامها الكبير بالمعوقين طلب منها المجيء معهم بشكل دائم إلى النادي..وهكذا كان وهكذا بدأت رحلتها التطوعية معهم. حتى أنها كانت تترك عملها لتسافر معهم من خلال البطولات الرياضية إلى مختلف المحافظات السورية. بل إنها أصبحت تمارس الرياضة معهم. إضافة إلى قيامها بزيارة مختلف مراكز المعوقين من دار الكرامة , ومدرسة الأمل للمعوقين , ومدارس الصم والمكفوفين والجمعيات المهتمة بقضايا الإعاقة. وهي منتسبة كمتطوعة في جمعية أمل الغد للأطفال المعاقين عقليا... حيث تقوم بزيارات لأسر هؤلاء الأطفال وإجراء الدراسات الاجتماعية اللازمة.
تقول رندا: بصراحة..التعامل مع المعوقين صعب من حيث التواصل! فالبعض لم يتأقلم مع إعاقته , وأجد صعوبة في محاولة دمجه بالمجتمع المحيط , فأنجح أحيانا..وأنجح أحيانا ولكن بعد جهد كبير! والبعض الآخر يعتبر أنه تخطى إعاقته لدرجة أنه أصبح سوبر مان!!! وبالتالي فهو ليس بحاجة إليك في شيء... ولكن في النهاية نصبح أسرة واحدة.
هل تفكرين بالزواج؟ تجيب رندا: نعم ولكن؟؟!! يجب أن يتفهم عملي معهم..أنا لن أتخلى عن رسالتي هذه مهما كان الثمن.. بل إنني مستعدة للانتساب لجمعية أخرى تعنى بشؤون المعوقين خاصة الفتيات والأطفال.. فلدي الكثير لأعطيه.
سألتها: إذا تقدم إليك شخص معوق للزواج, بصراحة ماذا يكون موقفك؟؟ أجابت: بصراحة لقد تقدم لي فعلا شخص معاق للزواج ورفضت!! ولكن رفضي الزواج به لم يكن بسبب الإعاقة , بل بكل بساطة لأنني لم أشعر تجاهه بمشاعر الحب.. ولو شعرت لما ترددت.
وهنا أود أن أقول إن من حق المعوق طلب من يشاء للزواج.. كما من حق الطرف الآخر الرفض أو القبول من باب حرية الاختيار والشعور بالحب. ولا يجب على المعاق أن يتحسس من هذا الموضوع أو من الرفض لكونه معوقا. فالحب حين يأتي لا يقف في طريقه لا إعاقة ولا اختلاف البيئة أو المستوى ولا حتى الدين أو المذهب!!!.

من المؤسف –تقول رندا- إن بعض الشباب المعوقين يحاولون التلاعب بمشاعر الفتيات المعوقات , واستغلال وضعهن الصحي لإقامة بعض العلاقات العاطفية غير السليمة معهن.. وقد حدث وأن تصديت أنا شخصيا لبعض هذه التصرفات.
لقد حان الوقت، ليقتحم المعوقون المجتمع بقوة ويفتحون الأبواب المغلقة، ويشرعون الستائر الكسلى للريح، كما حان الوقت الذي على المجتمع أن يتحرر فيه من قيود الشكل واللون والجنس...
حان الوقت تماماً ليقف الجميع مطالبين بحقوقهم، ملمين بمسؤولياتهم وواجباتهم..، مترعين بألق الحرية وألق الحياة... ذلك الشعور الذي لا يضاهيه شعور على الإطلاق..

28/1/2006
  

0
0
0
s2smodern