|
معاداة العلاج النفسي على الطريقة العربية |
|
|
|
د. محمد أحمد النابلسي
|
|
2006-04-17 |
|
صفحة 1 من 2
يمتاز المجتمع العربي بنظراته الخاصة ومفاهيمه المميزة للعلاج النفسي. ولا يمكن لأي شخص (أو مدرسة أو مجموعة) أن يتنكر لخصائص مجتمع ما حتى ولو كانت هذه الخصائص وليدة تفسير خاطئ وغير منطقي للحقائق. ولكن المجتمعات الراغبة في التطور لابد أن تتخلص من شوائب الإشاعات وأن تقضي على غابات الجهل الكثيفة التي تحول دون التعامل مع الواقع بالموضوعية اللازمة. هذا إذا كانت هذه المجتمعات راغبة فعلاً في التطور. فإذا رفضته أو خافت منه فإنها تلجأ إلى الحيل لإيجاد تبريرات " منطقية " للواقع تمهيداً لقبوله دون أي تغيير. والواقع الذي نود مناقشته هو واقع عجز الفرد (العربي) عن الإفادة من العلاجات النفسية المتوافرة، ويتضح لنا حجم الخسارة الناجمة عن هذا العجز، من خلال مراجعتنا لتعريف أهداف الطب النفسي المعاصر(1). فهو " يهدف إلى مساعدة الشخص على بلوغ المستوى الذي يؤهله لأن يعيش المستوى الأفضل لسعادته ولأن يكون في المستوى الأفضل الذي يتيح للمجتمع الإفادة من قدراته ومساهماته ". فمن خلال هذا التعريف تتضح أمامنا الخسائر التي تلحق بالمجتمع عندما يتخلف أفراده عن العلاج. فالمضطرب نفسياً هو في الواقع إنسان مشلول من الناحية الاجتماعية. إنه من ناحية يعيش حياته بعيداً عن السعادة ومن ناحية أخرى يفقد فعاليته الاجتماعية وحتى الأسرية. ولعلنا ندرك، بصورة أكثر جلاء، حجم هذه الخسائر إذا ما عرفنا أن 10% من السكان يحتاجون إلى زيارة العيادة النفسية، وذلك وفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن المشكلة أكبر حجماً في الدول النامية منها في الدول المتقدمة ولكن ما هي الأسباب المؤدية إلى هذه الخسائر؟.. تتداخل الأجوبة المبررة لهذه الأوضاع وتلامس مواضيع غاية في الدقة والحساسية حتى يتفجر من خلالها نقاش يختلف فيه المحاورون عما إذا كانت هذه النقاط أسباباً أم نتائج ! وفيما يلي سنحاول استعراض هذه الأسباب: أ- الشائعات الكاذبة: تطول قائمة هذه الشائعات بحيث يصعب مجرد تعدادها، حتى إن بعضها بات متداولا وكأنها حقائق ثابتة لا تقبل الجدل. وفيما يلي عينة منها: - يمكن شفاء حالات الجنون دون دواء. - الأدوية النفسية تسبب الجنون. - يمكن للعلاج النفسي (دوائي أو غير دوائي) أن يلحق الضرر بالمريض. - الأدوية النفسية سموم يجب الابتعاد عنها. - كل زوار العيادة النفسية هم من المجانين. - تستطيع العلاجات التقليدية أن تحل الأزمات والأمراض النفسية كافة. - المرض النفسي ينجم عن السحر أو الكتابة أو هو من أعمال الشياطين. ونكتفي بهذا القدر لننتقل إلى السبب التالي.. ب- القساوة النفسية: لطالما أشدنا، ولا نزال، بترابط الأسرة العربية وبالأدوار النفسية والاجتماعية الخاصة التي يلعبها النظام الأسري العربي. ولكن هذا النظام، مثله مثل سائر الأنظمة، لا يخلو من ثغرات يمكنها أن تتحول إلى مآزق ومشاكل جدية في حال تجاهلها وعدم الحيطة لها. ولنأخذ مثلاً موقف العائلة العربية في حال إصابة أحد أفرادها بالمرض النفسي، ولنقارن بين هذا الموقف وموقفها في حال إصابة أحد أفرادها بالمرض الجسدي. (أنظر جدول المقارنة بين المرضين الجسدي والنفسي): المرض النفسي 1- يتردد الأهل كثيرا قبل اللجوء إلى الطبيب. 2- يحاولون التهرب من تنفيذ التعليمات. 3- يفضلون مراجعة أكثر من طبيب 4- يحيطون التشخيص بالشك. 5- يحاولون إخفاء نبأ المرض حتى عن المقربين. 6- عدائية غير ظاهرة أمام المعالج 7- محاولة إنهاء العلاج بأقصى سرعة ممكنة (حتى قبل أوانه). 8- الميل إلى اعتباره موضوع سيىء (لدرجة محاولة التخلص منه معنوياً) 9- الشعور بالجروح النرجسية. 10- توجيه انتقادات مكثفة إلى المريض. 11- مشاعر خوف. 12- مشاعر قابيلية تجاه المريض. 13- يحاولون إخفاء أو إغفال بعض العوارض. المرض الجسدي 1- يستدعى الطبيب بشكل فوري. 2- تنفذ تعليمات الطبيب بدقة. 3- يثقون بالطبيب. 4- يقبلون التشخيص. 5- يكون المرض مناسبة اجتماعية للزيارات 6- الامتنان للمعالج. 7- الرغبة في متابعة العلاج لغاية الشفاء التام. 8- الميل إلى التماهي بالمريض (لدرجة ظهور علائم انهيارية). 9- التعاطف مع مظاهر المرض. 10- معايشة مع مظاهر المرض 11- مشاعر عطف 12- مشاعر هابيلية تجاه المريض. 13- يسردون أعراض المرض بدقة ج- انخفاض مستوى الوعي الصحي: لسنا في مجال تعداد الآثار السلبية لواقع انخفاض هذا المستوى إذ يكفينا أن نذكر بمحاولات التهرب من حملات التلقيح. وفي هذا المجال يهمنا انخفاض مستوى الثقافة النفسية بحيث نلاحظ زيادة في نسبة ولادات الأطفال المشوهين، إضافة إلى المواقف السلبية الأخرى المؤدية إلى رفض العلاج النفسي عامة والطبي النفسي خصوصاً. د- المرض النفسي والخيال الشعبي: إستناداً إلى العوامل المذكورة أعلاه يحاط المريض النفسي العربي (ومعه المرض) بهالة من الغموض، فتنسج حوله الحكايات ومنها ما هو في غاية الطرافة بحيث يمكنها أن تتحول إلى نكات ناجحة لولا اللهجة فائقة الجدية التي تروى بها هذه الحكايات. ويتجسد هذا التصور في أدبنا القصصي (خاصة عند نجيب محفوظ) بشخصية الشحاذ – المجنون الذي يلازم مقهى الحي في الغالب. هـ العجز الطبي: في هذا المجال، علينا أن نقرر حقيقة واقعة ومفادها أن العجز الطبي يلعب الدور الأهم في نشوء هذه الإشكالات، فلو راجعنا قائمة الأمراض التي يدعي المشعوذون معالجتها، والتي تنسج حولها الحكايات، لرأينا أن هذه القائمة تضم إلى جانب الأمراض النفسية جميع الأمراض التي لا يزال الطب عاجزاً أمامها. هذا في حين تغيب عن هذه القائمة كامل الأمراض التي يملك الطب علاجاتها الشافية. ومما تقدم يجب ألا نفهم هذا العجز على أنه عجز مطلق، إنما مجرد ثغرات يدخل منها المشعوذون إلى ميدان الشفاء. فعلى صعيد الطب النفسي تحديداً، فإنه بات اليوم قادراً على التحكم بمختلف المظاهر المرضية كما بات قادراً على شفاء القسم الأكبر من الأمراض النفسية المعروفة. و- الخطأ الطبي: تتميز مناقشة هذا الموضوع بحساسية كبيرة. لذلك نكتفي بالتذكير بتلك الفوارق في تشخيص الفصام واختلاف نسبه باختلاف المدارس. فالمريض نفسه يمكن أن يكون فصامياً لدى أحد الأطباء وغير فصامي لدى غيره. أضف إلى ذلك مساهمة بعض الأطباء في تدعيم " رهاب العيادة النفسية " لدى مرضاهم، فنرى بعض أطباء الاختصاصات الأخرى يصفون المهدئات لمرضاهم ويحذرون من تلقيها من الاختصاصي !. * الثقافة العربية النفسية: (أ) الطب النفسي والرواية: عندما نتكلم عن الرواية فإننا نتكلم عن السينما ضمناً، ذلك أن غرابة مشاعر المريض النفسي وصعوبة فهمها من قبل الجمهور تشكل عوامل تجعل من الصعب اختصارها في قصة قصيرة (خلا بعض الحالات). وعليه فإننا نلاحظ وجود علاقة أكيدة بين الطب النفسي والرواية لم تعد خافية بل إنها باتت مقسمة بوضوح إلى عدة فروع هي: 1- الرواية التي تعرض لحالة ولحالات مرضية نفسية (الأبله، الذهان(2)) الخيط الرفيع، ومن فضلك أعطني هذا الدواء، إلخ..). 2- الرواية التي تعرض طريقة العلاج النفسي وتنتقدها (البرتقالة المعدنية، مجانين، ليتك كنت هناك الخ …). 3- الرواية التي تعرض موقف المريض النفسي من العلاج (سيبيل، برسونا، السراب، …..الخ). 4- الرواية التي تعرض مواقف الطبيب النفسي وانفعالاته (هارولد ومود وبيت الألعاب الناس العاديون، الخ..). 5- الرواية التي تعرض لتجارب وأمراض نفسية خاصة (طيران فوق عش الكوكو، السراب، الناس العاديون الخ..). 6- الروايات التحليلية التي تعرض عقدة نفسية أو أكثر وانعكاساتها على حياة حامل العقدة وسلوكه (الناس العاديون، المناوئون، الخ…). (ب) دور الرواية في الثقافة النفسية: يملك الأسلوب الروائي (خاصة عندما يتحول إلى فيلم سينمائي) الجذب والتأثير. لذلك فالرواية النفسية هي في رأينا الوسيلة المثلى لنشر الثقافة النفسية، وتعديل المواقف الخاطئة من العلاج النفسي، ووضع الحدود لممارسات الشعوذة. ولذلك أيضاً شروط: 1- أن يملك الروائي ثقافة نفسية واسعة ويستند إلى وقائع ثابتة. 2- أن يطلب عقلنة الرواية من قبل اختصاصيين. 3- أن يكون على علاقة مباشرة مع شخصية المريض (كأن يعايش المرض ويرى تأثيره ومظاهره على المرضى أو أن يكون هو نفسه مريضاً كما كانت حال دوستويفسكي). 4- أن يستبعد جميع الشائعات والحكايات التي لا تستند إلى حقائق عملية. 5- أن يتجنب الإسقاطات غير المأمونة مما قد يجعل من روايته مصدرا آخر للشائعات. 6- عدم إصدار الأحكام المطلقة. 7- عدم وضع النهايات الجازمة، وخاصة التخلي عن محاولات إقناع القارئ بالنهاية. فللقارئ حقه في تخيل مبررات هذه النهاية، خاصة وأنه لا يمكن لأي مؤلف أن يدعي إحاطته بمختلف الأسباب المؤدية إلى النهاية. ويكفينا في هذا المجال اعتراف فرويد(3) بعجزه عن الإحاطة بجميع مدلولات " أحلام مريضته دورا ". ولدى مراجعتنا لأكثرية الروايات النفسية العالمية نجد أن غالبيتها العظمى لم تلتزم بهذه الشروط باستثناء روايات دوستويفسكي. (ج) الأموات الأحياء: في هذه الفقرة نتكلم عن التحفة الأدبية " لحظات اليقظة " التي ألفها طبيب الأعصاب أوليفر ساكس، الذي بدأ تجربته، المدونة في هذه القصة، في العام 1966، حين دخل إلى أحد عنابر مستشفى " مونت كارمل " السري. ويصف ساكس ما شاهده في هذا العنبر قائلاً: " وجدت هناك عدداً من وجوه البشر الأموات. كأنهم تماثيل من لحم ودم.. كانت لهم نظرات زائغة وابتسامات بلا معنى … لقد كانوا أناساً من حجر … وقد انفطر قلبي لهذه المناظر المأسوية ولم أستطع نسيانها إلا بعد فترة طويلة.. وهؤلاء المرضى (الأحياء الأموات) الذين يصفهم ساكس في لحظات اليقظة كانوا مصابين بأغرب أمراض القرن العشرين على الإطلاق، وهو المرض الذي يصيب حامله بالنوم الأبدي إذ ينام المريض لسنين طويلة فلا هو بالحي ولا هو بالميت. ولقد ظهر هذا المرض فجأة في العام 1920 ولم يلبث أن اختفى فجأة (كما ظهر) بعد عشر سنوات حاصداً خمسة ملايين مريض.ومن حينه تم عزل مئات الألوف من هؤلاء المرضى في مستشفيات سرية. وفي العام 1967 (أي بعد ما يراوح بين 37 و 47 سنة على نوم هؤلاء) ظهر عقار جديد مضاد للشلل الرعاشي (باركنسون) فكان بارقة أمل لهؤلاء المرضى إذ يظن الأطباء أن لمرضي النوم الأبدي وباركنسون منشأ مشتركاً. ويصف لنا المؤلف تردده قبل تجربة هذا الدواء على مرضاه النيام، ثم يصف تغلبه على التردد وقراره باستخدام الدواء. فماذا كانت النتيجة؟ تحركت التماثيل واستبدلت النظرات الزجاجية الجامدة بنظرات حية معبرة. لقد دبت الحياة في هؤلاء المرضى وانطلقت ضحكاتهم بعد حوالي نصف قرن على خمودها. ولكن المأساة لم تلبث أن تفجرت إذ تحولت البهجة إلى صدمة ومن ثم إلى كآبة. والكتاب يصف هذا التحول بلهجة تجمع بين المعايشة الإنسانية والملاحظة الطبية الدقيقة. ومن القصص التي يعرضها الكتاب " قصة روز " وهي ملهمة الكاتب المسرحي الإنجليزي الشهير هارولد بنتر في مسرحية شيء مثل ألاسكا. لقد أصيبت روز بالمرض وهي في الواحدة والعشرين، وعندما استيقظت من نومها (الذي لم تحس بطوله) نظرت في المرآة لتجد نفسها فجأة عجوزا في الثانية والستين. لقد غاب الوجه المتألق المتفجر بالحياة وظهرت مكانه أخاديد وتجاعيد وعيون ذابلة من كثرة النوم. وعندها صرخت روز: " من الذي سرق عمري؟ " ثم تهاوت في أعماق الكآبة. إن قصص هذا الكتاب تضع مؤلفها في منصب ريادة الرواية النفسية – العلمية. خاصة وأن أعماله لم تقتصر على هذا الكتاب حيث كتب في مواضع عديدة أهمها: الصداع النصفي، والمرضى غير القابلين للشفاء، ومرض كورساكوف.
|