|
واقع الطب النفسي في العالم العربي |
|
|
|
د. محمد أحمد النابلسي
|
|
2006-04-17 |
|
صفحة 3 من 3 2- فريق العلاج النفسي: منذ البداية يواجهنا هذا الموضوع بجملة تناقضات ومواقف متطرفة وتهم متبادلة بحيث تتعثر هذه البداية. لكن المخاض العسير لتطوير الاختصاص في عالمنا العربي لابد له من الخوض في هذا الموضوع ومن اتخاذ المواقف الكفيلة بحسم هذا النقاش. لذا سنعمد في ما يلى إلى التطرق للنقاط التالية: أ- موقف الأطباء النفسيين: ويتلخص هذا الموقف بالتأكيد على قيادة الطبيب لأوركسترا الخدمات النفسية، وذلك استناداً إلى جملة معطيات أهمها: 1) إن دراسة الطب هي دراسة مضبوطة أكاديمياً ومسؤولة قانونياً ومنظمة نقابياً. وهي تستمر على مدى اثنتي عشرة سنة بمواظبة دراسية يومية. كما أنها تستمر ببرامج تعليم مستمر للتعرف إلى مستجدات الاختصاص (18). 2) إن العلاج الطبنفسي هو العلاج النفسي الوحيد القابل لاختبار فعاليته من خلال دراسات تجريبية - مضبوطة علمياً وإحصائياً. كما أن هذا العلاج الوحيد القادر على مواجهة الطوارئ الطبنفسية(19) التي يهدد بعضها حياة المريض والآخرين بما لا يتيح المجال لأي تدخل غير طبي مهما كان نوعه وقس عليه في العديد من الأمراض كالذهانات على أنواعها والنشبة الانتحارية، وحالات الهياج ومحاولات إيذاء الآخرين..الخ. 3) إن تطور البحوث الطبية أسقط العديد من الطروحات النظرية وهو في طريقه إلى إسقاط المزيد منها. مثال ذلك أن تطور أبحاث الجينات قد كشف عن وجود خلل صبغي مسؤول عن الفصام (20)( ومجموعة اختلالات أخرى مسؤولة عن أمراض نفسية أخرى) مما أسقط جميع السببيات النظرية التي أصر النفسيون على طرحها طيلة عقود. كما أسقطت تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي النظرية السلوكية التي أصرت على مدى عشرات السنين على معاملة الدماغ على أنه صندوق أسود. بناء عليه فإن الزمن والتطور يعملان لمصلحة النظرة الطبية بما من شأنه أن يحسم الصراع في وقت قريب. 4) إن انعدام تنظيم مهنة " اختصاصي نفسي -عيادي" يدفع الطبيب إلى تجنب التعامل معه طالما ظل الاختصاص عاجزاً عن تشريع ممارسته ووضع الأطر والقوانين لهذه الممارسة. 5) عجز كليات علم النفس العربية عن تخريج طلاب قادرين على إثبات فعاليتهم. 6) مواقف معاداة الطب النفسي والعلاج الدوائي. حيث يعتبر الأطباء أن هذه المواقف هي من نوع العدائية البحتة، إذ أن منتقدي العلاج الدوائي يجهلون حتى التركيب الكيميائي لهذه الأدوية من هنا عدم جدوى مناقشتهم والاكتفاء بإثبات الفعالية العيادية العلمية لهذه العلاجات مع المتابعة النقدية المستمرة للآثار الجانبية لهذه الأدوية(21). ب) موقف الاختصاصيين النفسيين: ويتلخص هذا الموقف بالمطالبة بتوفير الفرص لهم لإثبات فعاليتهم بعيداً عن الخلاف العقائدي بينهم وبين الأطباء. وهم يطرحون للنقاش بمجموعة من النقاط أهمها: 1) احتلال الأطباء للواجهة العيادية مما يتيح لهم تدعيم موقفهم المتعالي تجاه الاختصاصيين النفسيين. هذا الاحتلال لا ينبع في رأيهم من فعالية العلاج الطبنفسي بقدر ما ينبع من انتماء هذا العلاج إلى الحقل الطبي الذي يتعامل مع الطبيب كعضو في الجسم الطبي، بينما يتعامل مع الاختصاصي النفسي من منطلق كونه دخيلا على ميدان الإشفاء المحصور بالأطباء. 2) إن المرض النفسي هو أولاً وأخيراً أزمة وجود. هذه الأزمة لا تمكن مجابهتها بمجرد العمل على إعادة التوازن الكيميائي للدماغ. فالمنهجية العلاجية الفاعلة يجب أن تدرك الأهمية القصوى للصدفة ولاختلال تنظيم الجهاز النفسي بسبب الحدث أو الأحداث المؤدية إلى الاضطراب النفسي. وبمعنى آخر فإن علاج الاضطراب النفسي يجب أن يملك نظرة دينامية غالباً ما يفتقدها الأطباء النفسيون. 3) إن نقص تأهيل خريجي أقسام علم النفس يعود إلى عدم تعاون الأطباء النفسيين مع الكليات التي تدرس هذا الاختصاص. بعد هذا الاستعراض الموجز لنقاط الخلاف أعود لأذكر بأزمة الثقة العميقة بين الطرفين والتي أشرت إليها في مطلع هذا الفصل. إن اقتراحي حل هذا الصراع يجد ما يدعمه من خلال كوني منتمياً إلى الفرعين معاً. فبالإضافة إلى دكتوراه الطب النفسي، فإني حاصل على درجة الأستاذية في العلاج النفسي حيث أشرفت على إعداد بعض الزملاء لنيل شهادة الاختصاص العليا في العلاج النفسي (22) لذا أرجو أن يتمتع طرحي بقبول الطرفين وأن يجد طريقه إلى التطبيق العملي. وهذا الطرح هو التالي: 1) يتكون الفريق العلاجي من الطبيب النفسي ومن المعالج النفسي المؤهل، بحيث يشرف كل منهما على التقنيين من أعضاء الفريق ( اختصاصي نفسي، مرشد اجتماعي، اختصاصيو التقنيات العلاجية المحددة ). 2) المعالج النفسي المؤهل: حيث نجد أسلوبين مطروحين للحصول على هذا اللقب: أ) الأسلوب الأميركي: حيث يتم التدريس في كليات الطب ويحضر الطالب لنيل شهادة جدارة ثم شهادة دكتوراة في العلاج النفسي. وهذا الأسلوب بدأ تطبيقه في المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض. ب) الأسلوب الأوربي: حيث يتابع حامل شهادة الدكتوراه في علم النفس العيادي دورة تأهيلية لمدة ثلاث سنوات ينال بعدها شهادة الاختصاص في العلاج النفسي. وهذا النظام متبع في مصر. 3) التقنيون النفسيون: إن الممارسة الحرة لمهنة العلاج النفسي تقتصر على الأطباء وعلى المعالجين النفسيين المؤهلين تأهيلاً معترفاً به في البلد الذي يمارسون فيه. أما ممارسة التقنيين فلا تتم إلا تحت إشراف طبي. 4) العلاقة بين الطبيب والمعالج: تتوزع المسؤوليات بينهما كل وفق اختصاصه، على أن يتولى الطبيب مسؤولية القيادة واتخاذ القرار في حالات الطوارئ. 5) يعتبر إذن مزاولة التحليل النفسي من قبل الجمعية الدولية للتحليل النفسي معادلاً لشهادة معالج مؤهل. 3- السياسة الدوائية إن رسم معالم هذه السياسة هي مسؤولية مجلس وزراء الصحة العرب، بحيث يتم العمل على تحقيق التعاون في مجال صناعة وتسويق الأدوية، كذلك العمل على حماية المريض العربي من الأدوية محظرة الاستخدام في دول أخرى ومن الأدوية التي لم تختبر فعاليتها بشكل موثوق 23 4- تأهيل اختصاصيين في الطب النفسي إن نقص الأطباء النفسيين هو. كما أشرت أعلاه، ظاهرة عامة في الدول العربية. من هنا ضرورة عمل كليات الطب العربية على إنشاء برامج تأهيلية لتخريج الأطباء النفسيين، مع دعم وتطوير القائم من هذه البرامج. هنا نجد من المهم تعداد بعض التجارب العربية في هذا المجال: - جامعة الملك سعود بالرياض: وبرنامجها هو تجربة ناشئة لكنه في الطريق إلى التعميم على جامعات سعودية أخرى ( عبد الرزات الحمدفي مرجع رقم6 ). - جامعة عين شمس: وقد طورت برنامجاً جديدا للتأهيل. - جامعة تونس: ولديها برنامج معرب للاختصاص (24) 5- إنشاء نقابة للعاملين في المهن النفسية حيث تقوم نقابة في كل بلد عربي تعمل على التنسيق بين الاختصاصيين النفسيين في مختلف الميادين وبينهم وبين المؤسسات الصحية والتربوية العامة، وأيضاً بينهم وبين المراكز الاختصاصية المحلية والعربية والأجنبية (25) 6- توحيد المصطلحات النفسية 7- الإشراف على عملية النشر العلمي ( إصدار نشرة حولية تقويمية للإصدارات النفسية ) 8- تقييم عينات من رسائل الجدارة والأطروحات المعدة في هذا لمجال في الجامعات العربية 9- التعليم المستمر يشهد الاختصاص تطورات علمية سريعة ومتلاحقة مما يجعل من التعليم المستمر لاختصاصيينا مسألة ملحة. فإذا تم إنشاء هيئة عربية جامعة للاختصاص فإنها ستتمكن من تقديم تسهيلات عديدة للتعليم المستمر، وذلك على أكثر من صعيد: أ) بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث العربية والأجنبية (26) ب) بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية - فرع الطب النفسي. ج) بالتعاون مع الجمعيات والمدارس النفسية العربية والأجنبية. د) بإقامة برامج خاصة للتعليم المستمر الملحقة بالمؤتمرات الدولية. و) بإيجاد وسيلة نشر تعرض لمستجدات الاختصاص ويسهل حصول الاختصاصيين عليها. 10- الدليل العربي للاضطرابات النفسية لا يمكننا بحال الكلام عن تجارب نفسية عربية عبر حضارية (27) أو عن خصوصية العيادة العربية ( وتالياً عن خصوصيات الإنسان العربي ) إذا نحن لم نتوصل إلى إصدار الدليل العربي للإضطرابات النفسية. فإصدار هذا الدليل لا يتحقق إلا بعد تحقيق جميع الخطوات المشار إليها أعلاه، والتي تعوقها كل معوقات التعاون العلمي العربي. إن المتبع لواقع الاختصاص يدرك تمام الإدراك عجزنا عن إنهاض هيئة اختصاصية عربية جامعة وتعثر خطوات القائمة منها. الأمر الي يطرح التساؤلات حول مستقبل هذا الاختصاص في العالم العربي ونزيف أدمغته. فهل نتوصل حقاً إلى إنشاء مجلس عربي أعلى للبحوث النفسية يكون قادراً على تحقيق مثل هذه الخطوات؟ "من كتاب نحو سيكلوجيا عربية ط1 1995، للمؤلف" أستاذ الطب النفسي ورئيس تحرير مجلة الثقافة النفسية المتخصصة29/5/2003
|