|
الجنس.. الوحش الجميل.. دراسة اجتماعية لتطور النظرة الدينية للجنس في الإسلام السني |
|
|
|
أحمد عدلي أحمد
|
|
2006-04-17 |
|
صفحة 3 من 3 والواقع أن "سيد قطب" يمثل النموذج الأبرز في اتجاه أصبح يسيطر على الفكر الديني في القرن الأخير، فهو ليس مبدع هذه الرؤية للجنس في ثقافتنا العربية الإسلامية، ولكنه الرجل الذي نظر فكرة "دنس الجنس" كما لم يفعل أي سابق له، إن هذا الاحتقار للجنس يمكن تتبعه منذ بداية القرن العشرين عندما صودرت أول طبعة من درة تاج الإبداع العربي "ألف ليلة وليلة" لاحتوائها على ألفاظ وأوصاف جنسية رغم أن هذا العمل الأدبي كان يروى لقرون في جميع المجالس العامة في مختلف بلدان المشرق العربي دون أن يسبب استياء للجماهير المتدينة التي تسمعه، والواقع أن الجنس كان مكونا أساسيا في بنية معظم التراث الشعبي العربي، حيث تذكر الأعضاء، والأوضاع بصراحة شديدة، وهو ما يعكس ثقافة شعبية متسامحة تجاه الجنس، وأكثر تقديرا لإبداع الفنان الشعبي من معظم الجماهير حاليا رغم أمية الغالبية الكاسحة في تلك الأزمان مما يبرز ضرورة التمييز بين درجة الوعي، والقدرة على القراءة والكتابة، وكما كان الفكر الديني متسامحا مع الجنس في الأدب الشعبي كان كذلك مع الأدب المدون من "عمر بن أبي ربيعة " إلى "أبي نواس" وغيرهم، فرغم ما يرويه الأصفهاني من أن أحد الحاضرين بمجلس "ابن عباس" قد هاجم "ابن أبي ربيعة" حين أنشأ يقول من رائيته الشهيرة "أمن آل نعم ": رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى أما بالعشي فيخصر فعقب قائلا: رأت رجلا أما إذا عارضت فيخزى وأما بالعشي فيخسر إلا أن الرواية تكمل قائلة أن ابن عباس قد أثنى على القصيدة قائلا: "ما زال هذا الفتى يهذي حتى قال الشعر"، والرواية إن صحت فهي دليل قوي لتقدير الإبداع الأدبي بتحرره في وصف المشاعر والرغبات البشرية من قبل مرجعية دينية أساسية مثل "ابن عباس" الذي أعجبنه{حسب الرواية} قصيدة تقول ضمن أبياتها: فقالت وقد لانت وأفرخ روعها كلاك بحفظ ربك المتكبر فأنت أبا الخطاب غير مدافع علي أمير ما مكثت مؤمر فبت قرير العين أعطيت حاجتي أقبل فاها في الخلاء فأكثر يمج ذكي المسك منها مقبل نقي الثنايا ذو غروب مؤشر تراه له إذا ما افتر عنه كأنه حصى برد أو أقحوان منور وترنو بعينيها إلي كما رنا إلى ظبية وسط الخميلة جؤذر فعلى طول تاريخ الأدب العربي لم يتعرض معظم شعراء الغزل الصريح لاضطهاد بسبب أشعارهم الإباحية، أما ما تعرض له بعض الشعراء مثل "بشار بن برد" و"ابن عبد القدوس" من تعذيب أو قتل فقد كان بسبب اتهامهم بالزندقة، وليس للكتابة الإباحية، ولكن الأمر أصبح مختلفا الآن، فمن يتتبع الضجة التي أثارتها السلطات الدينية المصرية في أعقاب نشر كتاب" الوصايا في عشق النساء" ومن قبله العديد من الأعمال الفنية وصولا إلى قصيدة "صورة خصوصية جدا من أرشيف السيدة م" لنزار قباني التي نشرتها "صباح الخير" في بداية الثمانينيات يتضح له أن جزءا رئيسيا من دور السلطات الدينية أصبح متابعة ما ينشر من أعمال فنية ومنحها صكا بالشرعية، وهو دور لم تضطلع به المؤسسة الدينية السنية في أي مرحلة من مراحل التاريخ، بل إن بعض المحسوبين على هذه المؤسسة قد أنتجوا أعمالا لا تخلوا من تصريح بالجنس، وقد نبه "ابن قتيبة" تلاميذه محذرا من أن يمنعهم الخجل من قراءة بعض النصوص ذات المحتوى الجنسي التي قد يتعرضون لها أثناء دراستهم مؤكدا أن الإثم ليس في ذكر أسماء الأعضاء، أو وصف الأفعال، ولكن في تتبع الإعراض، وانتهاك الحرمات، ويعتبر كلام "ابن قتيبة" دالا جدا في هذا المضمار نظرا لأنه من مدرسة "أهل الحديث" التي تمثل تاريخيا الشق المحافظ في تاريخ الفكر السني، وإذا كان "ابن قتيبة" متسامحا مع قراءة النصوص الجنسية، فإن محدثا آخر هو الحافظ المحاسبي قد تقدم خطوة أخرى نحو إنتاجها في كتابه القصير المسمى "التوهم" وهو زيارة تخيلية للجنة والنار كتبها المحاسبي تحفيزا للمسلمين حتى يعملوا من أجلها الأولى وهروبا من الأخيرة، ومن خلال هذه الزيارة يسرح المحاسبي بخياله ليصور العلاقات الحميمة بين الرجل وبين نساء الجنة، وهو يبدأ كل فقرة من كتبه طالبا من قارئه أن يتوهم نفسه في موضع العذاب أو النعيم المذكور، وعندما بصل إلى الجنس في الجنة يطلب من المؤمن أن يتوهم نفسه حين يقع بصره على نساء الجنة، ثم أن يتوهم نفسه وهو متكئ على أريكته الذهبية وحوله أصناف النساء، ثم أن يتوهم نفسه عندما تأتي إليه إحداهن وهو متكئ وتلاعبه، ويستمر المحاسبي في توهمه متجاوزا الكثير من الخطوط الحمر في عمل أدبي يبدو أنه يقصد الوصف لا الوعظ، ولم يكن المحاسبي متناقضا مع نفسه كإمام وقور؛ فما هو محرم عنده هو الزنا لا الجنس، ولما لم يكن هناك زنا في الجنة فلا بأس إذن بالتمادي في وصف الجنس الحلال، وإذا كان المحاسبي قد تحدث عن الجنس في الجنة فإن سلفيا آخر هو "ابن قيم الجوزية" ينتج نصا جنسيا تعليميا هذه المرة من نوع الثقافة الجنسية التي يدور حولها الجدل حاليا، وذلك ضمن كتابه الأشهر "زاد المعاد من هدي خير العباد" في فصل بعنوان "قي هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع" وفيه يبدأ ابن القيم بعرض لأهمية الجماع في حفظ الصحة عارضا لما وصله من أقوال فضلاء الأطباء في عصره، أو من أقوال أطباء اليونان بما يكشف عن ثقافة واسعة لذلك العالم الإسلامي الجليل، يقول: وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة. قال جالينوس: الغالب على جوهر المني النار والهواء ومزاجه حار رطب لأن كونه من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية وإذا ثبت فضل المني فاعلم أنه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل أو إخراج المحتقن منه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة منها: الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة كما ذكرنا ولذلك تدفعه الطبيعة بالاحتلام إذا كثر عندها من غير جماع. وقال بعض السلف ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثا: أن لا يدع المشي فإن احتاج إليه يوما قدر عليه وينبغي أن لا يدع الأكل فإن أمعاءه تضيق وينبغي أن لا يدع الجماع فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها. وقال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه وانسدت مجاريها وتقلص ذكره. ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب وقلت شهواتهم وهضمهم. وبعد ذلك ينتقل ابن القيم إلى ذكر تحريض النبي على النكاح، وحبه له، ثم ينتقل إلى مبحث حول كيفية المعاشرة الجنسية، ويبدأ قائلا: ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومص لسانها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها. وروى أبو داود في " سننه " أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها. ويذكر عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل الملاعبة. ثم يتحدث عن الوقت الأنسب للجماع من وجه نظره فيقول: وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه. وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره عند خلوه وكذلك ضرره عند كثرة الرطوبة أقل منه عند اليبوسة وعند حرارته أقل منه عند برودته وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة ولا نظر متتابع ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر إليه إذا هاجت به كثرة المني واشتد شبقه. بعد ذلك يعرج ابن القيم إلى أوضاع الوطأ، ويذكر ما يراه منها جيدا أو مستقبحا: وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مستفرشا لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشا كما قال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء [ النساء 34 ] وكما قيل"إذا رمتها كانت فراشا يقلني وبعد الفراغ فخادم يتملق وقد قال تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [ البقرة 187 ] وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال فإن فراش الرجل لباس له وكذلك لحاف المرأة لباس لها فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر. وفيه وجه آخر وهو أنها تنعطف عليه أحيانا فتكون عليه كاللباس قال الشاعر إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت فكانت عليه لباسا وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة بل نوع الذكر والأنثى وفيه من المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد فيضر وأيضا: فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج وأيضا فإن الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد وأيضا: فإن المرأة مفعول بها طبعا وشرعا وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع. وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف ويقولون هو أيسر للمرأة. وكانت قريش والأنصار تشرح النساء على أقفائهن فعابت اليهود عليهم ذلك فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة 223 ]. وفي " الصحيحين " عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وفي لفظ لمسلم إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد " والمجبية المنكبة على وجهها والصمام الواحد الفرج وهو موضع الحرث والولد. وإذا كان ابن القيم يكتب نصا في الثقافة الجنسية، فلا بد أن نعلق عليه ذلك أن ما كتبه الأقدمون قد أصبح ذا مرجعية شديدة بالنسبة للكثيرين منا خاصة إذا كان من كتبه هو الإمام "ابن القيم" والذي يحظى هو وأستاذه "ابن تيمية الحراني" بالقسط الأوفر من الاحترام والتبجيل من قبل القائمين على التثقيف الديني من أئمة المساجد، وناشري الكتب الدينية، وفي إطار ثقافة لا يشكل الفكر النقدي فيها نمطا شائعا في التفكير، ونلاحظ هنا الدور التربوي الذي اضطلع به "ابن قيم الجوزية" عندما تصدى لذلك الموضوع، وذلك غير مستغرب، فقد كان علماء الدين في ذلك الوقت هم قادة الحركة الثقافية في شتى المجالات، إذ كان الكثير منهم نماذج للعلم الموسوعي في إطار ثقافة لم تكن تؤمن بالتخصص، ولا بوضع حدود لما هو ديني وما هو دنيوي، ولكن "ابن القيم" مع ذلك لم يكن يمارس أسلمة المعارف بالمفهوم الذي يمارسه البعض اليوم، فهو لا يحاول أن يعثر على كل المعارف العلمية، والاجتماعية داخل القرآن إعمالا لتفسير مبتذل لقوله تعالى"ما فرطنا في الكتاب من شيء" فعندما أراد أن يبحث عن فوائد الجماع كان عليه أن يرجع إلى مرجع طبي، وهو جالينوس اليوناني المشرك دون أن يبحث عن إعجاز طبي في القرآن، أو يتكلف لآية تفسيرا يثبت به ما يريد إثباته مما كان يتصور أنه من حقائق الطب، ولم يذكر آية أو حديثا إلا وكان له موضع في الاستشهاد من وجهة نظره على الأقل، ولكن معظم ما كتبه خاصة في ذكر الأوضاع الجنسية المختلفة، وتفضيل بعضها على بعض ينطلق أساسا من مواقف ثقافية، وشخصية، فما استند إليه من شواهد الكتاب والسنة يفتقد إلى أي قوة من وجهة النظر الفقهية فآية "الرجال قوامون على النساء" موجودة داخل سياق لا يتحدث عن الجنس بالمرة بل عن ما أنفقه الرجال من أموالهم، وهو ما يعني أن تلك القوامة المذكورة لا تعني أي قوامة جنسية على الإطلاق، أما محاولة استغلال المجاز في قوله تعالى" هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" فهي أكثر ضعفا فما استخرجه منها من كون الرجل لحافا والمرأة لباسا لا يمكن أن يخرج على أي وجه إلا أن يتكلف تكلفا، بينما حديث "الولد للفراش" فلا يقصد بالفراش فيه غير سرير الزوجية، لا المرأة، وإلا كان نصا في نسبة الولد إلى أمه لا الزوج، أما جمع أبيات شعرية كالتي ذكرها مع آيات، وأحاديث في استدلال فقهي{لا لغوي} فليس من طرق الفقهاء ذلك أن الأشعار ليست دليلا فقهيا على الإطلاق، كما أن حديثه عن أن المرأة مفعول بها طبعا فهو مما يمكن أن يدور جدال حوله، ومفعول بها شرعا وهو ما لم يقدم دليل شرعي عليه، وربما كان "ابن القيم" واعيا لوهن أدلته فتجنب استخدام أي حكم شرعي لوصف ما حسنه، وما قبحه، فلم يستخدم كلمة سنة، أو مندوب لوصف الوضع المفضل لديه ولم يستخدم تعبير مكروه أو حرام لوصف ما اعتبره سيئا، والواقع إن خيارات "ابن القيم" تنبع من اعتبارات ثقافية تاريخية تعتبر الذكر هو الكائن المهيمن في مجتمع ذكوري يرى اعتلاء المرأة الرجل أثناء الجنس رمزا لتسيدها عليه، هذه القيم التي كانت تسكن في عقل "ابن القيم" فتمنعه وهو المتأمل لكلام الله من ملاحظة أن آية "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم" أي كيف شئتم عامة في التخيير بين الأوضاع كلها، وهذا نموذج صارخ على تأثير العوامل التاريخية في إنتاج التفسيرات المختلفة للنصوص الدينية. وقد يسأل البعض إذا كان هذا هو حال الأقدمين من العلماء في تقدير الجنس، والتسامح إزاء النصوص الجنسية فضلا عن إنتاجها، فكيف تغيرت الصورة إذن، وكيف سادت بين المحدثين هذه الحالة من التحفز تجاه الجنس، والخوف من التصريح بشأنه حتى أن درس الغسل في كتب التربية الإسلامية المصرية قد استحال مجموعة من الأحاجي التي لا يصل التلميذ معها إلى شيء؟ و الإجابة عندي أن ذلك قد ظهر تدريجيا كرد فعل لدخول القيم الغربية في مجال العلاقات بين الرجل والمرأة منذ بدايات القرن العشرين، فمنذ بداية هذا القرن ظهرت الدعوات لخروج النساء للدراسة والعمل، وظهرت الدعوات التي تؤيد السفور، وترى الاختلاط بين الرجال والنساء أمرا من طبائع الأمور، الأمر الذي رآه المحافظون، وعلى رأسهم المتدينون جرحا لمفهوم العفة الواجبة داخل المجتمع الإسلامي، ثم زاد الطين بلة أن رشحت داخل الفكر الاجتماعي في البلدان الإسلامية آثار من مناهج ترى العلاقات خارج أطر مؤسسة الزواج التقليدي نوع من الحرية الشخصية التي لا ينبغي على القوانين أن تشغل نفسها بمحاربتها، ثم بدأت الفنون الحديثة في الظهور مثل السينما والتلفزيون، وانتقل كثير مما كان في الأدب من صراحة إلى هذه الفنون، ولكنها صراحة مرئية لا متخيلة هذه المرة الأمر الذي يثير بالضرورة إشكاليات جديدة، والحقيقة أن هذه الدعوات قد لاقت استجابة كبيرة على الأقل في البداية سواء من قبل الحكومات المختلفة، أو من قبل القطاعات المنتسبة إلى التعليم المدني المستحدث، وقد اعتبر هذا تحديا كبيرا من قبل المؤسسات الدينية المحافظة التي رأت في كل ذلك تشويها ضخما لصورة المجتمع المألوف، وقد أنتج ذلك تحفزا كبيرا ضد هذه الحرية المستوردة، بكل مظاهرها، وقد امتد ذلك لكي يطال كل ما له علاقة بالجنس الذي اعتبر سلاحا خطيرا لتدمير المجتمع الإسلامي السوي كما يفهمه مفكري المؤسسات الإسلامية الرسمية، وغير الرسمية على السواء، وهكذا سمعنا تعابير لم تكن مستخدمة مثل الأدب الإسلامي إذ حاول البعض أن يستخرج قيم إسلامية ينبغي أن يلتزم بها النص الأدبي والعمل الفني بشكل عام مثل تلك التي حاول أن يحددها "محمد قطب" الشقيق الأصغر لسيد قطب في كتابه "معركة التقاليد"، كما صرح أحد المفكرين الدينيين بأن الإسلام يؤيد مبدأ التلميح لا التصريح عند الحديث عن الجنس ضاربا المثل بسورة يوسف كما وردت بالقرآن الكريم، وقد نسى أن القرآن وإن كان عملا أدبيا فهو عمل مقدس أيضا يقرأ في الصلاة، كما أنه عمل أدبي ذو غرض تعليمي وتوجيهي، ولا يهدف في الأساس إلى وصف المشاعر، وبالتالي فإن قياس أي عمل أدبي آخر به ليس دقيقا، وقد استخدم الرسول{ص} في بعض أحاديثه كما رويت ألفاظا أكثر صراحة لأنه لم يكن ينتج نصوصا مقدسة، وكما أصبحت بعض النصوص الأدبية متهمة، فقد ظهر تحفز من نوع جديد ضد جميع أنواع العلاقات بين الجنسين بالرغم أن التاريخ الإسلامي يذكر لنا أن نساء مسلمات شهيرات قد اختلطن بالرجال، فقد أحصى أصحاب التراجم عددا من شيخات "ابن حجر العسقلاني" الحافظ الشهير صاحب كتاب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، إن هؤلاء الشيخات لسن الوحيدات في تاريخ الإسلام، وإن كن قلة من النساء على مر التاريخ حاولن أن يخترقن الحاجز الذكوري على علوم الدين، ثلة قليلة من النساء يبدأن بالسيدة "عائشة" لكنهن لم يستطعن إحداث اختراق حقيقي وإن كان لهن شرف المحاولة، وخارج هذه الثلة كانت توجد ثلة أخرى من الملكات والأميرات والخاتونات اللائي حاولن أن تكن لهن كلمة في عالم الحكم والسياسة، وإن كان الطريق المتاح بالطبع هو من خلال علاقتهن بالأبناء أو الأزواج من الملوك والقادة، وفي الحياة الثقافية لا يستطيع المؤرخ لها في الأندلس أن يتجاهل مجلس الشاعرة الأميرة "ولادة بنت المستكفي" الذي ضم صفوة أدباء قرطبة في ذلك العصر وعلى رأسهم الشاعر الكبير "ابن زيدون" الذي ربطه الحب كذلك "ببنت المستكفي" عدد ليس بكبير إذن من النساء المذكورات في التاريخ الرسمي، والمتجاهلات من قبل قرائه المحدثين، وعدد أكبر قد تجاهله ذلك التاريخ يؤكد أن الحريم لم يكن قدرا مقدورا على جميع النساء المسلمات { وسوف نبحث ذلك بتفصيل أكبر فيما بعد }، وكما ظهر التحفز ضد الاختلاط ظهر أيضا ضد عواطف الحب الجنسي باعتبارها خروجا عن حدود الله، وظهر من يؤكد أن الحب الوحيد المقبول إسلاميا هو الحب في الله، وأن تعلق القلب بغير الله هو درب من الشرك، وهذا تهويم في وجه الحقيقة لأن الحب ليس نوعا واحدا، وقلب الإنسان قد يوفق بين أنواع عديدة من الحب، والآية تقول "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" فما أنكره الله ليس هو الحب لغيره، ولكن أن تحب غيره أكثر منه بحيث إذا تعارض ما يريده المحبوب الآخر مع ما أمر الله به كان الترجيح للمحبوب على الله ورسوله، وقد أفرد بعض علماء المسلمين فصولا وكتبا عن الحب لعل أهمها كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الظاهري. 6-7/9/2004
|