|
الجنس.. الوحش الجميل.. دراسة اجتماعية لتطور النظرة الدينية للجنس في الإسلام السني |
|
|
|
أحمد عدلي أحمد
|
|
2006-04-17 |
|
صفحة 2 من 3 وتثير بعض هذه الآيات مسألة هل يرى القرآن الجنس فعلا مشتركا أم فعلا ذكوريا، وهل المرأة مجرد مفعول به أم شريك في العملية الجنسية، ولا شك أن سورة يوسف تؤكد لنا أن القرآن يعترف برغبة المرأة الجنسية، ولكن أي رغبة هنا: هل رغبة بأن تفعل الجنس، أم أن يفعل بها الجنس ؟ يبدو من القراءة الأولى لمعظم الآيات المذكورة أن الجنس فعل ذكوري بالأساس، فالذكر هو الأصل الذي خلقت منه الزوجة لكي يسكن إليها، وآية آل عمران تشير للجنس "بالنساء" وكأنه متعة للرجال إذن، ومعظم الآيات تطلب من الرجل أن يفعل بالمرأة التي توصف بأنها حرث في أحد هذه الآيات، فالآيات تقول:{باشروهن، فأتوهن، لا تقربوهن،....الخ}، ولكن القراءة الأكثر تأنيا تضيف لنا الكثير، وبداية يجب أن نلاحظ ثلاثة أمور: الأول هو طبيعة اللغة العربية التي لا توجد بها أية ألفاظ محايدة، والتي تمنح كذلك اللفظ المذكر السيادة على اللفظ المؤنث، والأمر الثاني هو طبيعة الرؤية العربية للجنس كنشاط ذكوري بالأساس، وأما الثالث فهو حقيقة أن الرجل في جميع الثقافات مارس، ويمارس نوع من السلطة الجنسية، فحيث أن الجزء الأساسي من الجنس وهو الإيلاج لا يتم إلا إذا أدخل الرجل قضيبه في فرج المرأة مما يجعل للرجل في العلاقة القدرة {ولو النظرية} على إتمام الممارسة أو لا خاصة مع وضع فرق القوة الجسدية والاجتماعية في الاعتبار، وبقراءة الآيات بصورة أكثر دقة يمكن أن نقرأ الكثير من التباين بين رؤية القرآن لطبيعة العلاقة الجنسية، وبين ما كان سائدا بين العرب، فعندما يتحدث القرآن عن خلق الزوجين فهو يشير إلى خلقهما من نفس واحدة، وليس لخلق أنثى من ذكر، فلا يوجد في القرآن أي إشارة لجنس هذه النفس الواحدة الأولى في أي آية من آيات الخلق، غير أن المفسرين قد تجاهلوا ذلك عندما فسروا هذه الآيات بما جاء في سفر التكوين من أن الله قد خلق آدم أولا ثم رأى أنه ليس جيدا أن يكون آدم وحده، فأخذ من ضلعه جزءا جعل منه امرأة دعيت حواء، والحقيقة أن هذه القصة لم ترو بذلك الشكل أبدا في القرآن رغم شيوعها الكبير عند جماهير المسلمين على مختلف ثقافاتهم وبيئاتهم والحق أن آية الأعراف " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، " تبدو ذات اتجاهين فقد نفهم منها أن النفس الأصلية هي الذكر الذي خلق منه الزوج "الأنثى" لكي يسكن الذكر الأصلي إليها، فلما تغشاه حملت، وقد نفهم العكس تماما، فنتصور أن النفس الأولى أنثى، وقد خلق منها الزوج"الرجل" لكي يسكن إلى الأنثى الأصلية، وكلا الفهمين مقبولين تماما في إطار المنطق النحوي، وبرأيي أن هذا اللبس مقصود تماما، وهذا نوع من الإعجاز القرآني الفريد، فقد استغل النص استخدام كلمة زوج في العربية للإشارة إلى الرجل والمرأة لكي يقول جملة مقدسة تعني الشيء وعكسه نماما، والمقصود من ذلك أن يقول بعضكم من بعض متجنبا أن يجعل من الرجل أو المرأة أصلا للبشرية، أما آية الروم" ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها " فلا تخرج عن ذلك إذ يجب أن نفهم أنفسكم بالآية على أن المقصود بها هو جماعة الرجال، والنساء، فاللغة العربية تعبر عن هذه الجماعة بالمذكر، والدليل أنه قد أتبعها بقوله"وجعل بينكم مودة ورحمة" أي أنه قد جعل للرجال أزواجا من النساء وبالعكس، وقوله تعالى" من النساء "في آية آل عمران فإنه استخدم فيها إحدى كنايات العرب عن الجنس، لأن العرب لم تكن تستخدم مصطلحا محددا في ذلك، واستخدام مصطلح "جنس" لذلك أمر مستحدث فهو في اللغة القديمة يعني "نوع" مثل قولنا "لا النافية للجنس"، أو "هو من جنسه"، واختيار الله لهذه الكناية تحديدا مع ذكر حب القناطير المقنطرة، والأنعام، والحرث، فلأن حب الرجال للنساء بشكل عام به هذه النزعة التملكية بنفس منطق امتلاك الأموال والأعراض، كما أن الرجال هم الأكثر تكالبا على الأموال، والأنعام من النساء في مجتمع البعثة النبوية، أما آيات الأحكام فهي تضع الحكم على من يملك القدرة على التوقف عن الفعل، فهذه الآيات تتحدث عن الإيلاج، وهو الجانب من الجنس الذي يرتبط بشكل أساسي بالرجل، وهو الذي تحظره الآيات في الصيام، والطمث، وربما تظل آية "نساؤكم حرث لكم " هي الأكثر التباسا لأنها تجعل من المرأة مجرد حقل للرجل، ونطفه، وتجعل تحديد الوضع الجنسي من نصيب الرجل وحده، ولكننا يجب أن نلاحظ كيف ترتبط النصوص بالواقع الاجتماعي، والمفاهيم السائدة في عقول المتلقين حيث الجنس فتح ذكوري، ولكن النص مع ذلك لا يقبل بذلك تماما، ويؤكد على ضرورة إشراك المرأة من خلال مقدمات الوطأ التي تساعد المرأة على بلوغ النشوة الجنسية، وتدخلها كجزء فاعل في العملية الجنسية، هذه المقدمات التي يطلبها القرآن من المسلم بصيغة الأمر "وقدموا لأنفسكم"، وهو ما يقصده النبي في ما روي عنه أنه قال"لا يقع أحدكم على امرأته كما يقع البعير"، {والمتأمل في هذه الآية سوف يجد عبقرية في اختيار كلمة حرث، وقد غفل الكثير عن التنبه لما في هذه الكلمة من أناقة المجاز، فالمرأة بالنسبة للرجل أرض خصبة يبتغي منها ثمرة زرعه وهي الولد، وبالنسبة إلى المرأة فالرجل هو الزارع الذي يفجر طاقاتها الكامنة في إنتاج حيوات جديدة، وهو مجاز لا يفارق الصراحة في تمثيل العلاقة بين الرجل والمرأة في أهم جوانبها، أما ما قد يثار من اعتراضات حول جفاف هذا المجاز وعدم تعبيره عما يجب أن يكتنف هذه العلاقة من عواطف لا يلاحظ تلك العلاقة الحميمة التي تربط بين المزارع وأرضه هذه الأرض التي تمنحه رزقه والتي هي مصدر قوته، ومما يلفت الانتباه أن المخاطب الأول بهذه الآية هم جماعة المدنيين الذين استنكروا أحد الأوضاع الجنسية التي كان يمارسها المكيون، وهو إتيان المرأة في قبلها من الخلف متأثرين في استنكارهم بالثقافة اليهودية، ومن المعلوم أن المدنيين كانوا من القلة القليلة من العرب التي كانت تمارس الزراعة}، أما إذا انتقلنا إلى الأحاديث المنسوبة إلى الرسول{ص} باعتبارها موضحة للقرآن، وشارحة له فسنجد أن الأحاديث المنسوبة للرسول {ص} تجعل من الجنس فعلا إيجابيا للغاية، وعادة ما يطالب المربون المحدثون برفع التابوهات عن الجنس باعتباره نشاط بيولوجي طبيعي مثل الطعام، والشراب، ولكن الأحاديث المنسوبة للنبي {ص} ترفع الجنس درجات فوق الطعام، والشراب، فبينما معظم ما ورد من الأحاديث التي صح سندها إلى النبي{ص}يحذر من الطعام، وكثرته، ويصف المعدة بأنها بيت الداء، إلا أنه قد ورد عن النبي فيما صح سنده " وفي بضع أحدكم صدقة"، كما ورد " حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، ولم يرد حديث عن النبي ينهى عن الجنس، أو يطالب بتقليل جرعته، ولم يروى عن النبي {ص} أنه كان يفعل ذلك، بل روي عنه أنه قد يجامع كل أزواجه في ليل واحد، وبغسل واحد، وأنه كان عادة ما يصطحب إحدى أزواجه في أسفاره، وحروبه، والحق أن النبي{ص} كان نوعا من الرجال لا يستطيع أن يعيش بدون أن تكون امرأة بقربه، ولكن ذلك لا يعني أنه كان رجلا هوائيا، أو مدمنا للجنس فحبه للنساء لم يمنعه يوما عن الاضطلاع بمهام الدعوة أو شئون الجهاد، وأحوال المسلمين، ولم يشغله يوما عن صلاة مفروضة، أو نفل مما اعتاد أن يتنفل به إلى ربه كما كان تعامله مع النساء كأرقى ما يكون، فيروى عن أنس أنه قال: " ما ضرب النبي {ص} خادما قط ولا امرأة" وقد كان قلقا دائما من التصريح بضرب النساء في سورة النساء، وحاول بكل سبيل أن يقلل من نتائجه السلبية بقول " لقد طاف أمة من النساء ببيوت النبي{ص} يشتكون ضرب أزواجهم ليس هؤلاء بخياركم"، ويقول " كيف يضرب أحدكم زوجته في أول يومه ثم يجامعها في آخره" أو كما قال، وقد شغل الباحثون من المسلمين، وغيرهم بتعدد زوجات النبي{ص} وقد تعثر الكثير من العلماء أمام شبهات أثيرت حول ذلك الموضوع، وقلقوا مما قد يوحي به تعدد زيجات النبي تلك من أنه رجل شهواني غارق في متع الدنيا، فتكلفوا مبررات عجيبة لكل زيجة، فهذه تزوجها لكي يوطد علاقته بأبي بكر، أو عمر بن الخطاب { وكأن علاقته بهما كانت تحتاج إلى أي توثيق}، وتلك تزوجها بعد أن استشهد زوجها وعائلها في غزوة، أما تلك فقد تزوجها ليوطد تحالف المسلمين مع هذه القبيلة، ولو كان زواج النبي كبيرة {ص} بالأرامل هي الطريقة التي ارتضاها لتوفير رعاية لهن لكانت قائمة زوجاته قد تضاعفت عدة مرات، وأضيفت إليها العشرات عقب كل غزوة، أو سرية، ولو كان زواجه من قبائل عديدة هي الطريقة المناسبة لكي يصنع التحالفات لوجب أن تشمل قائمة أزواجه نساء أخريات من قبائل أخرى تحالف معها المسلمون، ثم احتجوا بأن معظم زوجات النبي{ص} ثيبات تجاوزن سن الشباب، وقد نسي هؤلاء أن النبي كان أكبر منهن، فجلهن قد تزوجن الرسول{ص} وكن بين الثامنة والعشرين، والأربعين بينما هو قد تجاوز الخمسين، وهو ما ذكره النبي {ص} فيما روي عنه عندما نبهته "أم سلمة" عندما خطبها أنها ليست صغيرة فأجابها النبي {ص} أنه أكبر منها. والحقيقة التي يهرب منها العلماء المحدثون واضحة لمن يريد أن يرى، وهو أن النبي قد تزوج غالبية زوجاته لأنه أراد أن يتزوجهن، وأن اختياره لهن كان على أساس شخصي، وأنه في ذلك لم يخرج عن إطار المألوف، بل المتوقع منه كزعيم عربي في القرن السابع، بل أعظم زعيم عربي في عصره، حيث كانت كثرة النساء شائعة بين شرفاء العرب وزعمائهم، فكان بذلك ابن بيئته وعصره، وقد رخص الله له في ذلك ثقة منه في نبيه، وقدرته على العدل بين جميع نسائه، وتقديرا منه تعالى لجهوده في نشر كلمته"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلى الله وكفى بالله حسيبا"، والغريب أن الكتب القديمة لم تجد مبررا لافتراض كل هذه التبريرات، فالجنس وقتها ما كان قد اصطبغ بصبغة الدنس كما هو اليوم، ولم يكن أيا من المؤلفين يكتب بهذا المنطق الدفاعي، فالقرطبي، ومعظم المفسرين يروون عند تفسير قوله تعالى " وتخفي في نفسك ما الله مبديه" أن النبي {ص} قد أعجب بزينب بنت جحش عندما زارها، وقد كانت زوجا لزيد بن حارثة رغم أنها كانت قريبته، وقد رآها قبل ذلك كثيرا فلم تجذب انتباهه، فقال لنفسه "سبحان مقلب القلوب"، وبصرف النظر عن صحة الرواية، وبدون السؤال عن الكيفية التي تمكن راويها من معرفة ما دار في نفس الرسول على هذا النحو إلا أن المفسرين قد رووها، ولم يستنكرها معظمهم، فهي لا تقلل من شأن النبي {ص} بشيء عندهم فحتى لو صدقت فهو إذن ليس إلا رجل أعجبته امرأة متزوجة، فكتم ذلك في نفسه حتى عندما دبت الخلافات بين الزوجين وفكر الزوج بالطلاق، فقد قال له:"أمسك عليك زوجك واتق الله " حتى إذا وقع الطلاق وانقضت العدة لم بفعل إلا ما أحله الله له، غير أن المحدثين تنتابهم نوبة خوف مرضي من هذه الرواية، وتجدهم يتحدثون عن هجمات المستشرقين، برغم أن هذا الخبر رغم أي استغلال قد حدث له من أي حاقد قد روي في جل أمهات كتب التفسير، والسيرة، والطبقات، وغيرها. هكذا ذكر الجنس في القرآن وهكذا ذكر في السنة القولية والفعلية وكما مارسه النبي {ص} نشاطا بيولوجيا واجتماعيا أساسيا يمارس بطبيعية ودون عقد، نشاطا اندماجيا يمارسه الشريكان بمودة وحب ويكون سببا في استمرار المودة والحب، ولكن ذلك لم يستمر في تاريخ الفكر الإسلامي حتى الآن، ولم يستمر في الوعي الجمعي للمسلمين أيضا فنحن اليوم نجد معظم المسلمين داخل الصورة المتناقضة التي تحدثنا عنها سابقا هذا التناقض الذي نلحظه في كل ما يتعلق بالجنس تقريبا، فالشاب يستنكر فكرة نشر الثقافة الجنسية ويراها فكرة إباحية خبيثة وخطيرة، ولكنه مع ذلك يحاول أن يعرف الكثير مما لا يعرفه حول هذا الموضوع ممن يتصور أنه أكثر منه خبرة في جلسات المقاهي، ومن على الإنترنت، والرجل يترفع أن يذهب إلى طبيب ذكورة، ولكنه يحاول أن يحصل علي المستحضرات الطبية والعشبية الشائع نفعها لعلاج نفسه من حالة العجز الجنسي التي يرفض الاعتراف بها، والدينيون يستنكرون نشر الكتب التي تحتوي على عبارات أو أوصاف جنسية، ولكن المكتبات الدينية التابعة للجماعات السلفية تنشر كتبا من أمثال التوهم للمحاسبي وتحفة العروس اللذين يوزعان آلاف النسخ بسبب ما تحتويه بعض فصولهما من مضامين جنسية، ولذلك وجب علينا أن نبحث كيف دخلت المضامين السلبية إلى مفهوم الجنس في وعي المثقف المسلم، وفي وعي الفرد المسلم العادي، وهو ما سنحاول التصدي له فيما يلي. الجزء الثاني: الجنس: حيوانية وقذارة يقول الكاتب الإسلامي المعروف "سيد قطب" في كتابه "معالم في الطريق": إن خط التقدم الإنساني يسير في اتجاه الضبط للنزوات الحيوانية، وحصرها في نطاق الأسرة على أساس الواجب لتؤدى بذلك وظيفة إنسانية ليست اللذة غايتها، وإنما هي إعداد جيل إنساني يخلف الجيل الحاضر في ميراث الحضارة الإنسانية التي يميزها بروز الخصائص الإنسانية.. ولا يمكن إعداد جيل يترقى في خصائص الإنسان، ويبتعد عن خصائص الحيوان، إلا في محضن أسرة محوطة بضمانات الأمن والاستقرار العاطفي، وقائمة على أساس الواجب الذي لا يتأرجح مع الانفعالات الطارئة. وفي المجتمع الذي ينشئ تلك التوجيهات والإيحاءات الخبيثة المسمومة، والذي ينحسر فيه المفهوم الأخلاقي، فيتخلى عن كل آداب الجنس، لا يمكن أن يقوم ذلك المحضن الإنساني.. في تلك الفقرة يتضح لنا نموذج للرؤية المعاصرة للجنس عند أحد أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين، وبرغم أنه ليس ممثلا للثقافة الدينية الرسمية إلا أنه يمثل سلطة مرجعية هامة لكثير من المفكرين المسلمين الرئيسيين، وليس فقط للمتشددين، والحركات المسلحة كما هو شائع، فكتبه من أكثر الكتب مبيعا حتى الآن، وقد تأثر بأفكاره العديد من كبار الرموز الفكرية الإسلامية مثل الشيخ القرضاوي، والدكتور حسن حنفي، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي وغيرهم، وفكر "سيد قطب" يحتاج إلى دراسة مستقلة لبحثه بشكل كامل، ولكن القارئ لهذه الفقرة يلاحظ كيف يرى قطب الجنس باعتباره نشاطا حيوانيا ذميما يتوجب على التطور الإنساني أن يضبطه لكي يصبح وظيفة لا تهدف إلى اللذة، ونلاحظ كيف يفرق قطب بين ما يسميه النزوات الحيوانية، والخصائص الإنسانية، فالشهوة هي محرك الحيوان الأول، بينما الإنسانية تعتمد الجنس وسيلة لخلق جيل جديد، والواقع أن هذه التفرقة محض خيال، وليست أقل في وهمها من تصور أن هناك خط واضح للتقدم الإنساني باتجاه ما، هذه النزعة التاريخانية التي اقتبسها "قطب" من المناهج الشيوعية، وإن عدلها وطورها، ليجعل الإسلام غاية التطور التاريخي لا الشيوعية، والواقع أن تأثر "قطب" بالماركسية شديد جدا رغم هجومه الشديد على ماركس، والتفسير المادي للتاريخ وخلافه، وهذا جزء من التناقض الشديد في مشروع "قطب" الذي يستحضر ماركس على قدر ما يهاجمه، ولكن "قطب" الذي لم يتزوج أبدا، ولم يعقب رغم أنه أعدم ظلما وهو في الستين من عمره ينسى أن الأسرة نموذج شائع في العديد من الأنواع الحيوانية المعروفة، فالقطيع الذي ينتشر فيه الجنس الحر ليس هو النموذج الوحيد للجنس عند الحيوان، بل إن أنواعا مختلفة من السباع، والطيور، والأسماك تعرف أنواعا من الأسر التي يتعاون فبها الأبوان في رعاية الأبناء، كذا فإن نوع الغوريلا يعرف نمطا من الأسر الهارونية{نسبة إلى هارون الرشيد} حيث يكون للذكر فيها حريم من عدد كبير من الإناث، والتكاثر هو الهدف النهائي للجنس في جميع الأحياء:الإنسان والحيوان والنبات، واللذة هي وسيلة الحياة لدفع الأحياء نحو هذا الهدف لا خلاف في ذلك بين إنسان وحيوان، كما ينسى "قطب" والذي تصدى لتفسير القرآن أن القرآن لم يستنكر اللذة كمحرك للجنس بين البشر فقال" فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة"، بل قال إن البنين الذين يجعلهم "قطب" المحرك الكريم للجنس البشري هم كذلك شهوة من الشهوات مثل اللذة تماما يقول تعالى" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين"، كما يساوي القرآن بين زواج البشر والحيوان في الغاية والوسيلة "فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه"، وقد تزوج الرسول{ص} نساء لم ينجب منهن، وكانت عائشة أحب نسائه إليه بعد خديجة عاقرا، فلم يكن زواج النبي {ص} إذن من أجل إعداد جيل إنساني يخلف القائد الحاضر، وقد أباح النبي {ص} فيما روي عنه الممارسة الجنسية غير الكاملة بين الأزواج حين سئل عن ما يحل للرجل من امرأته الحائض، وهي ممارسة لا تهدف إلى إنتاج أجيال جديدة، فالإسلام إذن على عكس ما يزعم "قطب" لا يشمئز من اللذة الجنسية، ولا يتحرج من أن تكون المحرك الأول للجنس، وهو يدعو الإنسان المسلم لأن يقدر ضرورة الاستقرار الأسري، فيحض على عدم الطلاق، ويجعل الفراق بين المرء وزوجه شرا من أعمال السحرة، ويدعو الرجل لأن يرى الجانب المضيء في زوجته" فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" وقد روي عن الرسول{ص} قول " إن أبغض الحلال عند الله الطلاق"، ولكن إذا استحالت العشرة بسبب أو آخر حتى لو كان بسبب العجز عن تحقيق الإشباع الجنسي، أو إذا بردت العلاقة أو تبدلت القلوب، فالطلاق، أو الخلع هو الحل " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا"، "فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليكم فيما افتدت به"، ليس معنى ذلك أن الإسلام يشجع الطلاق، ولكنه يجعل لكل فرد الخيار في أن يقارن بين رغباته، وبين التزاماته الاجتماعية دون تدخل، وربما كان القدماء هم الأقرب من فهم هدف الزواج في الإسلام حين جعلوه إحصانا للمسلم والمسلمة، وطلبا للولد، والفقهاء يقضون بطلاق المرأة إذا كان زوجها غير قادر على إشباعها{وإحصانها بالتالي}، أما الأبناء فقد شرع القرآن ما يكفي لتوفير الرعاية لهم حتى في حال انهيار الأسرة، إن الزواج في الإسلام هو مؤسسة لممارسة الحرية الجنسية، وليس مؤسسة لتضييقها كما زعم قطب {وسوف نناقش قضايا الأسرة في الإسلام لاحقا}، غير أن "قطب" يحمل الإسلام وزر نفوره المرضي من الجنس، ذلك النفور الذي يجعله يعتبر تقييد النشاط الجنسي هو العلامة الرئيسة على تحضر المجتمعات ورقيها، فهو القيمة الرئيسية التي تتضاءل بجوارها كل قيمة، أما الحرية الجنسية فهي الرزيلة التي لا تقلل من فظاعتها أية فضيلة، يقول قطب في فقرة أخرى من نفس الكتاب: وقضية الأسرة والعلاقات بين الجنسين قضية حاسمة في تحديد صفة المجتمع.. متخلف أم متحضر، جاهلي أم إسلامي !.. والمجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية في هذه العلاقة لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التفوق الصناعي والاقتصادي والعلمي ! إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم الإنساني.. وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي ؛ بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الطابع الحيواني ! ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية.. إن المفهوم الأخلاقي يكاد ينحصر في المعاملات الاقتصادية - والسياسية أحياناً في حدود مصلحة الدولة - ففضيحة كريستين كيلر وبروفيمو الوزير الإنجليزي - مثلاً - لم تكن في عرف المجتمع الإنجليزي فضيحة بسبب جانبها الجنسي.. إنما كانت فضيحة لأن كريستين كيلر كانت صديقة كذلك للملحق البحري الروسي. ومن هنا يكون هناك خطر على أسرار الدولة في علاقة الوزير بهذه الفتاة ! وكذلك لأنه افتضح كذبه على البرلمان الإنجليزي ! {علامات التعجب من لدن سيد قطب} فلا ينبغي أن نعجب إذن حين نرى الجماهير المتدينة تخرج في مظاهرات احتجاجا على نشر كتاب ما به بعض المفردات الجنسية، بينما يصابوا بالخرس عندما لا تفعل الحكومة شيئا لمنع بعض رجال الأعمال من سرقة أموال المودعين، والعبث بمصالح الدولة والشعب طالما أن "الشهيد سيد قطب" منظر الثورة الأول في الفكر الإسلامي يرى أن العبث بأسرار الدولة، والكذب على ممثلي الشعب شيء تافه من صغائر الأمور أمام كبيرة العلاقة الجنسية المتحررة.
|