|
القانون.. وضرورة التغيير.. |
|
|
|
المحامي بديع وسوف
|
|
2006-04-17 |
خاص: "نساء سورية"صياغة القانون من أصعب الصناعات وأهمها على الإطلاق فهي تحتاج إلى وعي عميق بعلاقات المجتمع (الراهنة) وتصور متقدم لهذه العلاقات في المستقبل. فالقوانين النافذة لا تتوضع في الحاضر بل تقف في المستقبل فالحاضر هو مرحلة مؤقتة في التشريع. وهذا لا يغير من قدسية القانون وخاصية الإلزام لنصوصه بل تغيير القوانين وتطورها يعطي القوانين ألق القدسية والإجلال ونقاء الهدف. ومبرر الإلزام في القوانين يكمن في هدف القانون. وهدف القانون هو صلاح المجتمع وحقوق أفراده وتطور هذا المجتمع تطورا آمنا.. لذلك يخضع أفراد المجتمع للقانون بشرف وشهامة وهو خضوع فيه إباء ونبل ومدنية لان خاصية الإلزام في القوانين مختلفة عن أي إلزام آخر. فهنا أفراد المجتمع أرادوا له هذه الخاصية بإرادتهم الحرة.. وهذا يوجب أن يكون القانون لائقا مناسبا يتصف بالعمومية والتجريد يخاطب جميع أفراد المجتمع دون تمييز. مثال ذلك ما جاءت به المادة 164 من القانون المدني (كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض) فهذه المادة تخاطب الجميع دون استثناء أيا كان وترتب النتيجة ذاتها على من يخطئ ويسبب ضررا للغير وتلزمه بالتعويض على المضرور أيا كان.. فخاصية الإلزام في ذلك قررها أفراد المجتمع لأن غايتها نبيلة وهي المحافظة على حقوق أفراد المجتمع دون استثناء. وهذا يذكرنا حقيقة بعلاقة القانون بالقواعد الأخلاقية ويمكن القول بهذا الخصوص بأن القانون والأخلاق لهما نفس الطبيعة. فالأخلاق تهدف إلى سمو الفرد وكماله على المستوى الفردي والقانون يهدف إلى مصلحة المجتمع وسموه وتطوره إلى الارقى كمجتمع. فالأخلاق سبقت القانون في النشوء بل الأصح أن القوانين انبعثت من الأخلاق وانفصال علم القانون عن علم الأخلاق كان بسبب ضرورات السرعة في التشريع التي تفرضها طبيعة العلاقات في المجتمع فالأخلاق تتحرك ببطء أما القانون بالرغم من الإجراءات الخاصة بإصداره فإنه يبقى أسرع بكثير فالمجتمع يتطور في كل لحظة وكذلك علاقاته مما يجعل هناك ضرورة تغيير القوانين لترعى العلاقات القائمة في الحاضر وتصور هذه العلاقات في المستقبل وهذا يحكمه الضمير الصامت للمجتمع (وهذا غاية في التعقيد). فلكل فرد في المجتمع ضمير وكذلك المجتمع له ضمير وهذا الضمير صامت ولكنه حي يعطي أحكاما صحيحة في سعادته وأرقه ويعرف بدقة أين هي مصلحة المجتمع التي هي مصلحة أفراده. والتشريع المناسب هو الذي يدخل الراحة والطمأنينة إلى ضمير المجتمع. مما يدفعنا إلى الكلام في مأساة القانون الذي كان يسبح سعيدا في رحم الأخلاق منسجما مع القواعد الأخلاقية مطمأنا للمصلحة العامة وبدأت مأساته عندما بدأت القوانين تدون وأصبحت النصوص القانونية مكتوبة. وهنا تغير تعريف العدالة إذ أصبحت العدالة هي تطبيق القوانين المكتوبة والتي أعطاها أفراد المجتمع صلاحية الإلزام أي تطبيقها جبرا عليهم. وهذا اتفاق ضمن إطار ضمير المجتمع وهذا الاتفاق تم النص عليه في القوانين وبذلك يصبح كل مواطن لا يرضى تنفيذ القوانين الوطنية هو خارج على القوانين ومن جهة ثانية خارج على ضمير المجتمع الصامت الذي يشعر بضيق منه لأنه أهان القاعدة الأخلاقية الصارمة والصامتة في ضمير المجتمع... وبدخول القوانين مرحلة الكتابة أصبحت مهمة المشرع أصعب بكثير فعليه صياغة القانون المناسب والملائم الذي يغطي كافة علاقات المجتمع في الحاضر راعيا تطور هذه العلاقات إلى المستقبل. ولما كانت العلاقات في المجتمع تتطور بشكل دائم ومستمر مما يجعل من الضروري تطوير القوانين الناظرة لقضايا المجتمع بشكل دائم ومستمر وسهل. فالقانون حاضر ومستقبل أما الماضي فلا وجود له إلا لجهة الدراسة لأن القانون الجديد يحمل ضمن مواده إلغاء القانون السابق ويعلن نفاذ القانون الجديد اعتبارا من تاريخ نشره أو يعين تاريخ آخر لنفاذه.. فالقوانين أوجدها المجتمع (الانسان) لتسهل عليه حقوقه وحياته ولتضمن التطور الآمن له. وبذلك يجب أن يكون القانون محترما وكي يكون محترما يجب أن يكون مناسبا يشمل كل أفراد المجتمع برعايته للمصالح المشروعة لجميع أفراد المجتمع والصالح العام. فما أن يرعى القانون العلاقات بفترة زمنية حتى يتجه باتجاه التجديد والتغيير إلى الأحسن لما فيه خير المجتمع الذي يتطور أبدا فالقوانين وجدت كي تنفذ لتخدم المجتمع وحتى تخدم المجتمع يجب أن تواكب تطوره وتقف في المستقبل على مسافة سابقة لتطوره لأن القانون يحمل المجتمع إلى المستقبل والوقوف في القوانين يؤدي إلى ركود وتخلف. ومن الطبيعي أن تنشأ أفراد تقاوم تطور القوانين بسبب المراكز القانونية الممتازة التي حصلت عليها في ظل القانون السابق كقانون الإيجار /111/ لعام 1952 الذي أعطى المستأجر حقوقا إضافية على العقد المبرم بين المستأجر والمالك وأدى ذلك إلى مشاكل وخلافات بين الأصدقاء والأقرباء أقلقت المجتمع حتى صدور القانون رقم /6/تاريخ 15/2/2001 الذي أعاد التوازن إلى عقد الإيجار. والسبب الأساسي في كل هذه المشكلات أن القانون السابق استمر نفاذه فترة طويلة دون تغيير حقيقي في شقه الاجتماعي الذي يرعى قاعدة -العقد شريعة المتعاقدين – والنافذة في معظم العقود الأخرى مما جعل القانون في موقع متراجع عن العلاقات السائدة في المجتمع وهذا يخلق الخلافات والمنازعات بين أفراد المجتمع والتي كان بإمكان القانون تجنيب المجتمع شرورها. بل أن هدف القانون وغايته تجنيب المجتمع العلاقات التناحرية والسير به آمنا باتجاه التطور والتمدن. ويأتي سبب آخر لقلق المجتمع هو أن البعض يعتقد أن القانون ثابت ودائم وبالتالي فالمراكز القانونية يجب أن لا تتغير كما يعتقدون.. وهذا خطأ فادح فطبيعة القانون أنه مؤقت. يؤسس للمستقبل في الحاضر وكلما فرغ من بناء في الحاضر انتقل إلى المستقبل ليبدأ ببناء جديد فاتحا طريق المستقبل حاملا معه المجتمع وعلاقاته... فالقانون 111 تاريخ 1952 كان مناسبا وملائما في تاريخه ولكنه لم يعد كذلك لأن المجتمع تغير والعلاقات تغيرت فأصبح القانون عقبة ومصدر قلق للمجتمع بدلا من أن يكون عامل راحة وسلام للمجتمع الذي أنتج القوانين لمصلحته وراحته.. مما سبق نخلص إلى القول أن التغيير في القوانين ضرورة اجتماعية وهذه الضرورة ناتجة عن طبيعة القانون المؤقتة وحتمية تغيير العلاقات في المجتمع الذي لا يقف التطور فيه وهذه أيضا طبيعة المجتمع وعلاقاته. فضمير المجتمع الصامت يسعى إلى الراحة والتطور والسلام الذي لا يتحقق إلا بالقانون المناسب الذي يتصف بالعموم والتجريد. وهذا التغيير يجب أن يطال كافة القوانين بما فيها الدستور. وهذا لا يقلل من شأن أي نص قانوني بل يعطي للقوانين وظيفتها الاجتماعية فالقوانين كالزهرة التي تفوح بأجمل الأريج مؤقتة الجمال ما أن يبدأ الضجر يتسلل إليها حتى يجب استبدالها بزهرة أخرى مثلها ولكنها شابة كالعدالة. فالقوانين وحدها تحمل المجتمع إلى الزمن الآتي. فلا يمكن للمجتمع أن يتطور بدون قوانين متطورة تواكب العصر. فكل علاقة في المجتمع لها مستقبل والقانون وحده يستطيع أن يقرر مستقبل هذه العلاقة إما بالحكم عليها بالموت أو رفعها إلى مستوى أرقى وذلك حسب مصلحة المجتمع وكما يراها المشرع... فالتطوير والتحديث في كافة القوانين ضرورة اجتماعية بما لهذه الضرورة من معنى وحتمية وذلك لخير المجتمع الذي يصنع القوانين عبر مؤسساته الشرعية. وأهم القوانين التي يجب البدء فيها هو الدستور. فالدستور قانون عام وهو شيخ القوانين يوجه القوانين الأخرى بحكمته ويظللها بمبادئه وهذا ما نص عليه دستورنا في الباب الثالث – تعديل الدستور.. المادة 149 ((1- لرئيس الجمهورية كما لثلث أعضاء مجلس الشعب حق اقتراح تعديل الدستور. 2- يتضمن اقتراح التعديل النصوص المراد تعديلها والأسباب الموجبة لذلك. 3- يشكل مجلس الشعب فور ورود اقتراح التعديل إليه لجنة خاصة لبحثه. 4- يناقش المجلس اقتراح التعديل فإذا أقره بأكثرية ثلاث أرباع أعضائه اعتبر التعديل نهائيا شريطة اقترانه بموافقة رئيس الجمهورية وأدخل في صلب الدستور.)). فتطوير القوانين (العامة والخاصة) يسير على هدى الدستور وأي قانون لا يتوافق مع الدستور أي غير دستوري فمن صلاحية المحكمة الدستورية العليا إلغاؤه بمفعول رجعي وهذا ما نصت عليه الفقرة /3/ من المادة / 145/ من الدستور ((3- إذا قررت المحكمة الدستورية العليا مخالفة القانون أو المرسوم التشريعي للدستور يعتبر لاغيا ما كان مخالفا منها لنصوص الدستور بمفعول رجعي ولا يرتب أي أثر.)) مما يعني بتوفر ضمانات تشريعية كافية للوصل إلى صياغة متطورة لقوانين حديثة يصل معها المجتمع إلى الرقي والمدنية والحضارة لدخول عصر المعلوماتية. ومن المهم أن يكون القانون سهل التغيير ودائم التغيير. 18/5/2005 |