|
قانون الأحزاب.. هل أصبح ضرورة؟ كيف نعيد المواطن إلى المشاركة في الشأن العام |
|
|
|
المحامي عاطف مسوح
|
|
2006-04-15 |
|
صفحة 1 من 2
بين مؤيد ومعارض, موافق ورافض لهذه الفكرة تدور حاليا مناقشات كثيرة على العديد من المنابر,منها ما انتهى إلى ضرورة أن يكون في بلادنا قانون أحزاب وأصبح ذلك مطلبا جديا تبنته بعض الهيئات والأحزاب السياسية ومنها ما وصل إلى عدم الموافقة انطلاقا من انتفاء الحاجة لهذا القانون وانطلاقا من رغبة بالاكتفاء بالشكل القائم لممارسة العمل الحزبي والسياسي الذي يتلخص بالجبهة الوطنية التقدمية وميثاقها الذي يظنه السواد الأعظم من مواطنينا أنه قانون أحزاب,ومنها من لا زال يناقش هذه الفكرة ويدرسها محاولا الإجابة عن السؤال(ألم يصبح ضرورة؟؟). لن أدخل في هذا المقال معددا الأسباب الكثيرة التي تستدعي البحث جديا في إصدار قانون أحزاب ولن أعدد الفوائد الجمة له ولن أخوض في بحث الحالة الديمقراطية إلا بما تقتضيه ضرورات هذا المقال إنما سأحاول هنا تناول الواقع الذي نعيش حاليا ومنعكساته التي أنتجت مجتمعيا ما أوجب أن نبحث جديا في ضرورة أن نمتلك قانون أحزاب. وأيضا لن أدخل في مسألة شكل ومضمون قانون الأحزاب الذي أعتبره ضرورة,وهذا موضوع بحث آخر مستقل سأتناوله في مقالات أخرى كل هذا طبعا لضيق المجال,لذلك سأقصر بحثي على بعض الجوانب من واقع الحياة السياسية والحزبية القائم حاليا. لنعد قليلا إلى واقع الحياة السياسية السورية ومدى تفاعل المواطن معها ومع الأحزاب التي تقوم حاليا بطرح برامج أو خطوط عريضة لعملها دون أن يكون لديها القدرة الحقيقية على رسم سياساتها وبيان خطط عملها بدقة وإيصالها إلى الشارع السياسي من جهة وإلى الشارع العام وهو الأهم من جهة أخرى,فنجد أن المواطن أصبح يقيّم الخطاب السياسي لأية هيئة أو حزب من الأحزاب العاملة حاليا ولكي أكون منصفا أقول لأكثرها,بشكل سلبي وإن لم يكن سلبيا نراه يتحدث عنه بأسلوب اللاجدوى واليأس,وعندما تحاور مواطنا طالبا منه المساهمة في الحياة السياسية تجد الإجابة المباشرة:(يا أخي اتركني أريد أن أطعم أطفالي) فتلمس الخوف من كلمة (سياسة) ومنهم من يعبر بوضوح فيقول: (ماذا فعلت لك من سوء كي تدخلني السجن) وكأن الفكرة المرسومة في ذهن المواطن أن السياسة نتيجتها السجن!!فتنصرف بينك و بين نفسك للبحث عن أسباب نظرة المواطن هذه عموما. وبالطبع لسنا هنا بوارد تحميل المسؤولية لأحد فكلنا شركاء ومن منا ينظر بشيء من الإمعان يجد أن ما وصل إليه المواطن السوري من غربة تكاد تصل, أو وصلت إلى القطيعة بينه وبين العمل السياسي مسألة لها أسبابها في تاريخ سورية الحديث. وأهم هذه الأسباب على الإطلاق هي طريقة أداء النظام وأقصد ممارسة الحكم التي استندت ولا تزال إلى فكرة الدولة الشمولية وأنتجت أيضا فكرة قيادة المجتمع والدولة, وهذا ما أدى من حيث النتيجة إلى تضييق مساحة الحرية المتاحة للرأي الأخر من جهة وخلق جيل أصبحت,مع مرور الزمن,الانتهازية شعارا عنده وثقافة فراح يتسلق شيئا فشيئا داخل الأحزاب والهيئات التي شكلت السلطة معتبرا نفسه سلطة كما الأحزاب التي أعلن نفسه ضمنها, ولا أقول انتمى إليها. أطرح اليوم سؤالا أراه مشروعا:هل يوجد في سورية الآن حزب جماهيري؟ وهل أن عدد أعضاء الحزب إذا كان من الضخامة يعتبر دليلا على جماهيريته؟ باختصار أجيب, لا.... فالأحزاب السياسية العاملة في إطار الجبهة الوطنية التقدمية هي بنظر الشارع العام أحزاب سلطة وبالتالي تكونت لدى الشارع بشكل عام فكرة مفادها أن هذه الأحزاب تحقق فائدة لنفسها ولأعضائها ولكل من يعمل في إطارها فتهافت الناس إليها وأخطأت هي أنها قبلت دخول واستقطاب أي كان في فترة من تاريخ حياتها, دون النظر إلى أهليته للعمل في صفوفها وإلى مدى قناعته وارتباطه الفكري بها وإلى مدى فاعليته في أداء واجباته الحزبية, وللأسف لا تزال, معتمدة بذلك على ضرورة تحقيق كم دون النظر إلى النوع مما أدى بالنتيجة إلى ضياع كادرها الأساسي الذي هو النخب التي كانت قائدة فعلية فيها. هذا الأمر ترك انعكاسا سلبيا مباشرا بدأ يظهر شيئا فشيئا على أداء هذه الأحزاب ومدى تفاعلها مع شارعها,وظهرت فيها بذات الوقت أمراض كثيرة تمثلت بالفردية والمركزية دون الديمقراطية وعبادة الفرد ومصادرة الرأي داخل هيئاتها وانشغلت مع مرور الوقت بالحفاظ على حدودها التنظيمية مبتعدة عن شارعها ومطالبه مبررة ذلك أمامه أن القضية الوطنية أهم. أما نصيب الحزب القائد للمجتمع والدولة من هذه الأمراض فقد كان بسبب موقعه هذا أكبر بكثير من نصيب غيره من باقي أحزاب الجبهة.هذه الظروف مجتمعة أدت من حيث النتيجة إلى انكفاء الأحزاب التي شكلت وتشكل الجبهة الوطنية التقدمية عن الفعل السياسي الداخلي وأصبحت تكرر نفسها بذات الصيغ التي عهدها الشارع منها حتى أصبح خطابها السياسي معروفا للقاصي والداني ولم يعد المواطن يتلمس فيه الجديد حتى في الزمن الذي تعصف المتغيرات بالعالم أجمع ومنها بلادنا وأخشى ما أخشاه أن هذه الأحزاب لم تعد قادرة على تبيان مواقف جدية لها مما يجري لعجز ونقص جدي في كوادرها التي يمكن أن تشكل أساس عملها الحزبي وفعلها السياسي!!! وأهم ما أريد قوله هنا أن أسلوب ممارسة الحكم في بلادنا وتفرد الجبهة الوطنية التقدمية والحزب القائد للدولة والمجتمع فيه أسهم وعلى مر الزمن بمسألة غاية في الجدية هي تقويض وجود الأحزاب السياسية الأخرى وانعدام فرص تأسيسها وبالتالي انعدام الهيئات السياسية التي يمكن أن تطرح رأيا آخر وهذه هي المسألة التي نقول أنها غاية في الجدية, إذ لا يمكن أن يكون هناك رأي بالأصل ما لم يكن هناك رأي آخر ومن جهة أخرى إن عمل الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية ذاتها بات مع التطورات العاصفة مربكا إلى درجة كبيرة بحيث أن هذه الأحزاب نفسها لا تستطيع أن تفهم حدودا لها ولا تتمتع بالشخصية الاعتبارية بالمعنى القانوني خاصة بعد أن أصبح ميثاق الجبهة الوطنية ذاته بحاجة إلى شيء من النقاش بهدف تفعيل دور هذه الأحزاب التي تحولت شيئا فشيئا إلى أحزاب سلطة بالمعنى الحقيقي وترهلت وباتت ترى الأمور والمسائل عامة من موقعها هذا- مع الإشارة إلى أهمية التعديل الأخير في ميثاق الجبهة- مما يدفعنا إلى القول أن جميع المسائل العامة في بلادنا ينظر إليها من زاوية واحدة أو من طرف واحد ويجب أن نفهم في هذا الإطار أن أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية لا تعتبر كل الشارع العام والسياسي القائم في البلاد بل هي جزء منه. أرى أنه يجب أن نعي أن تطوير عمل الأحزاب السياسية في بلادنا وتفعيل دورها وتوسيع مشاركتها واهتمامها بالشأن العام لا يأتي بقرار سياسي لا منها ولا من غيرها بل يتأسس على تفاعل هذه الأحزاب مع هيئات وأحزاب سياسية أخرى تطرح آراءها التي قد تكون مغايرة في جو مقونن يضمن لها حرية التعبير ويبين حدود عملها بحيث تصبح جميع الأحزاب شخصيات اعتبارية تخضع لقانون ينظم عملها بشكل عام,هذا الأمر سيدفع جميع الأحزاب القائمة حاليا لإعادة النظر جديا بأساليب عملها وبناها الداخلية بحيث تندفع من جديد إلى ساحات العمل الجماهيري برؤى جديدة ومتطورة قادرة على الصمود في وجه ما يطرح من أحزاب أخرى تكون قد نشأت على نقيضها أو بخلافها في الرؤى والتحليل وأذكر هنا أن لا يسار دون وجود اليمين كما لا رأي دون الرأي الآخر. قد يقول قائل أنه ليس من يمنع في بلادنا تشكيل الأحزاب السياسية وعملها,والمسألة ليست هنا فهذه الفكرة نظرة من زاوية واحدة والمهم في الأمر في الزمن الذي وصلنا إليه, أن يقنع أصحاب أية فكرة لا على التعيين يرون أنها تصلح أساسا لعمل سياسي أن لا أحد يمنع عليهم تشكيل الأحزاب والعمل فيها وهذا لن يكون حاليا إلا بقانون أحزاب. لقد تطورت بلادنا تطورا جديا ملحوظا لجهة وعي أبنائها لقضاياهم العامة وبذات الوقت فإن هذا التطور أصبح مرفوضا معه فكرة العمل السياسي السري الذي بات فاعلا أكثر عندما يكون علنيّا, فالقدرة على إيصال فكرة ما أو برنامج عمل سياسي ما ونقاشه من قبل الشارع علانية وتركه أمام محكمة الشارع العام والمواطنين وإظهار مواقع الضعف والسوء فيه و نقاطه الإيجابية أيضا تقوم على ضيق أو وسع المساحة المقوننة التي تستطيع بشكل ما استيعاب ذلك. على ما تقدم أصبح إصدار قانون أحزاب في بلادنا ضرورة جدية في الوقت الحالي,في الزمن الذي ترهلت فيه أحزابنا ودخلت حالة من حالات الفوضى العارمة سواء لجهة تعدد اتجاهات من ضمتهم في صفوفها أو لجهة برامجها العامة التي أصبحت غير قادرة على تلبية مطامح الناس, بحيث أصبح لا بد لنا وأن نقف أمام جماهيرنا وفي مواجهة أصحاب أي رأي يختلف معنا معلنين عن أنفسنا بما لدينا وشيئا فشيئا نعود قادرين على إبداع رؤانا وصياغتها من جديد أمام محكمة الجماهير. وتأسيسا على ذلك يشكل قانون الأحزاب حاليا,علاوة على الفعل الذي سيتركه والذي أوضحته أعلاه,خطوة متطورة على طريق دفع الحالة الديمقراطية العامة في بلادنا إلى الأمام وتوسيع مساحة الحرية في العمل السياسي وخلق حراك جديد لربما يعيد ذلك مواطننا إلى الاهتمام بالشأن العام والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية. وألفت النظر هنا إلى أن بداية انهيار أي مجتمع وانتشار الأمراض الكبيرة فيه تكون عندما يصل المواطن إلى لحظة يقاطع فيها العمل السياسي. وفي هذا المجال أجد أنه لا بد من إلقاء الضوء قليلا على سبب مهم من أسباب القطيعة بين المواطن والعمل السياسي إضافة لما قدمت وكذلك على الأمراض المجتمعية التي تنتج عن انكفاء المواطن عن العمل السياسي وآثارها والنتائج التي تتركها على البنية المجتمعية العامة داخل هرم الدولة والحد الذي يمكن أن تتفاقم بالوصول إليه حتى يصبح لها الأثر العام والجدي على السياسة العامة للدولة.
|