|
لماذا نحتاج إلى قانون جمعيات جديد؟ |
|
|
|
المحامي بسام العيسمي
|
|
2006-04-14 |
بعد اتساع مساحة الخطاب الديمقراطي في العالم وانطلاقا من التطور الهائل الذي طرأ على مفهوم الدولة والمجتمع. لم تعد الدولة قادرة على حمل أعباء تلبية الحاجات العامة المتزايدة كماً ونوعاً. حيث تجلىّ ذلك في بروز كثيرٍ من الأزمات وتفاقمها. وإيماناً بأهمية دور المجتمع المدني الذي بلغ درجة من النضج والرشد تمكنه من تحمل هذه الأعباء مشاركة مع الدولة من خلال جمعياته الأهلية المتعددة والمتنوعة ليساهم إسهاماً حقيقياً في عملية البناء والتنمية. وإفساح المجال أمامه ليتحمل المسؤولية الكاملة في تشخيص الأزمات والبحث عن حلول لها. وعدم تركها تتفاقم لأنها ترتبط بمصالح اجتماعية وطبيعية. وحياتية ومدنية. مما يستدعي معالجتها بصورة علنية وصريحة وديمقراطية يشارك فيها بالإضافة إلى الخبراء والأخصائيين وأصحاب القرار. من خلال حواملٍ أكثر مرونة وتناغمٍ تسمح بتنوع وجهات النظر والتفاعل الخلاق فيما بينها. فاجتماع الأفراد الذين يربط بينهم شأن عام. أو اهتمام ما لخدمة هذا الشأن أو التعبير عنه من أجل ذلك يشكلون مؤسسة أو جمعية أو ناد. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم نشطين في حقل السياسية. فالمجتمع المدني يجعل كل واحد في ميدانه. يناقش. ويطالب. ويتحمل المسؤولية الفردية والجماعية يشاركون في التفكير والمعالجة. وتصوّر الأهداف. لا أن يفرض ذلك عليهم من أعلى. وينفذون ما يؤمرون به عبر قنوات المفهوم التدخلي للدولة الذي يضعف روح الاجتهاد والمبادرة ويقتل الإبداع. إن مسألة إحياء المجتمع المدني وتطويره وتفعيله تعني توسيع قنوات المشاركة وتساهم في الترقية العامة للمجتمع من خلال اندماج الإفراد بالشأن العام إندماجاً نوعياً قائماً على الاهتمامات العامة. وهذا لا يتحقق إلا في إطار الدولة الراعية التي توجد الأرضية الديمقراطية لتوحيد الإرادات الجماعية. وخلق فرص التفاعل بين الأفراد متنازلةً عن دورها كأداة قمع لقهر المجتمع وإخضاعه للون الواحد لأن الديمقراطية إفراز بنيوي متقدم لمجتمعات متقدمة. لننتقل إلى مجتمعات تفكر. وتناقش. وتعي. وتطالب وتتحمل المسؤولية الفردية و الجماعية. لا مجتمعات إذعان. مجتمعات تعاون ومشاركة وحوار وتفاهم. تشارك فيها مع الدولة جميع مكونات المجتمع وشرائحه المختلفة. فالمجتمع المدني الضعيف والمعزول والمهمش والمحيّد يدفع الناس للاحتماء بانتماءاتها الطائفية والعشائرية والمذهبية. وحينما يكون قوياً. يكون الحاوية القادرة على استيعاب الولاءات والعصبيات ما قبل المدنية ودفعها لاندماج وطني أرقى استناداً إلى رابطة المواطنة. فإعادة الحراك للمجتمع المدني ليس حلاً سحرياً لكل المشكلات والمصاعب. وانما يشكل نقله نوعية في حياتنا اليومية ستعطي آثارها ومفاعيلها الإيجابية تدريجياً. ومع الزمن والتي ستنعكس على كل الأصعدة والميادين. والجمعيات الأهلية هي إحدى تكوينات المجتمع المدني. وتشكل جزءً هاماً منه , لازالت تخضع في إنشائها وعملها ونشاطها للقانون رقم / 93 / لعام 1958 وتعديلاته. وبما إن هذا القانون ونظراً لقدم وزمن صدوره. وللتغير الحاصل على مفهوم الدولة والتبدّل الذي طرأ على وظيفتها من دولة تدخليه في جميع مناحي الحياة وبكل القطاعات ترسم الخطط والتوجهات في كل الميادين , وعلى كافة الأصعدة وتوحّد التصورات إلى دولة راعية تنظمّ العلاقة بين جميع فعاليات المجتمع. واستجابة لتوجه السلطة السياسية لاعتماد مبدأ الإصلاح والتطوير والتغيير والشفافية. مما يجعل هذا القانون يشكل إعاقة حقيقية لعمل الجمعيات نظراً للقيود الكبيرة والتدخلات الواسعة التي أصبحت غير مقبولة من قبل الجهة الوصائية - إن كان في الإنشاء , أو في الوظيفة والنشاط, أو في طريقة العمل واتخاذ القرارات - وفي الحل والدمج وغيرها من الأمور. وتلاقياً مع الثقافة المجتمعية الجديدة والتي هي ليست معايير قانونية فحسب بل هي توفر أيضاً الأسس الثقافية لبناء مجتمعات ديمقراطية وعادلة. من خلال قيم العدالة والمساواة واحترام الحقوق الطبيعية للأشخاص وتعزيز الحرية الفردية في الحركة والانتقال وصيانة الكرامة. ولاقيمة لأي تشريع لا ينطلق من مبدأ احترام الإنسان نفسه والحفاظ على كرامته لأنه صانع الحضارة والتنمية. أنها قيمُ وحقوقٌ كونية لأنها تخاطب الإنسان بما هو إنسان متجاوزة الفوارق الاجتماعية والسياسية والجغرافية ومتعلقة بما هو مشترك بين الناس , فالفطرة السليمة تأبى الظلم وتنفر من التفرقة وتنشد العدالة والمساواة. وهي ليست إلا ملتقى للخصوصيات في أنبل جوانبها المتعلقة بتكريم الأشخاص عبر حماية حقهم في الوجود وفي العيش الكريم والمشاركة في تقرير مصيرهم الفردي والجماعي. سنداً لهذا كله كان لابد من العمل على إعادة الحراك للمجتمع المدني بشرائحه المختلفة لإكسابه وعياً حديثاً يتجاوز فيه المحددات الثقافية والتقليدية التي أبقته فترة طويلة بعيداً عن التأثير في الحياة العامة يئتابه الخوف والقلق والحيرة والتردد واللامبالاة كونه قائم على تشكيلات مغلقه لا تعرف المشاركة . حيث أصبح من الضروري إيجاد بنية قانونية جديدة تطلق يد المجتمع بشرائحه المختلفة وتكويناته المتعددة لتعبر عن نفسها وتدافع عن مصالحها ضمن مساحة من الحرية المسؤولة والكلمة الحرة المحمية بالقانون بعيداً عن الخوف والقوانين الاستثنائية. ضمن هذه الرؤية نرى أنه لابد من صياغة قانون جديد للجمعيات يؤمن الحراك والتفاعل الخلاق لشرائح المجتمع كافة ويمكنها من أخذ دورها الإيجابي في عملية البناء والتنمية. 5/2005 |