|
ورقة مركز الأرض لحقوق الإنسان حول قانون الجمعيات الأهلية في مصر |
|
|
|
عبد المولى اسماعيل
|
|
2006-04-14 |
|
صفحة 1 من 3
المقدمة إلى برنامج بنيجيريا في الفترة من 15- 16 يوليو 2002. مقدمة يعـد المجتمع المدني أحد العناصر الفاعلة في تطور وتنمية المجتمعات المتقدمة منها والتي لازالت في طور النمو وبخاصة في ضوء التغيرات الاقتصادية التي يموج بها العالم والتي بدأت تداعياتها منذ انهيار نظام " برنيون وودز"في بدايات السبعينيات من القرن الماضي, وما أفرزه ذلك من تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة أو أما يسمى اصطلاحاً بـ " النيو كلاسيك" وما جاء في ركاب ذلك من سياسات التحرر والتكيف الهيكلي التي بدأت تطبيقاتها في مصر تحديداً منذ يونيو 1991, وقد قامت تلك السياسات كما هو معروف في إعطاء دور أكبر لقوى السوق في تحقيق التوازن الموارد والحاجات, ومن ثم تقليص دور الدولة وبخاصة فيما يتعلق بالاتفاق العام الجاري, ومن هنا أصبح ما يتعارف عليه "بالقطاع الثالث أو المجتمع المدني" له دوراً كبيراً في سد الفجوات الأكبر من الاقتصادية والثقافية….الخ التي تخلت عنها الدولة طواعية, وتزداد أهمية هذا الدور في ظل سعى القطاع الخاص إلى الحصول على مزيد من الأرباح في ظل السياسات التحررية الجديدة. وتكاد تجمع العديد من الدراسات البحثية والعلمية على أهمية وتعاظم دور المجتمع المدني في رفع معدلات التنمية وخاصة فيما يتعلق بجانبها البشرى والإنساني. من هنا كنا نعتقد أن تأتى سياسة الدولة المصرية مواكبة لهذه الرؤى العالمية والدولية, ولكن لشديد الأسف لازالت نظرة الدولة فيما يتعلق بالمجتمع المدني قاصرة, حيث ما فتئت تفرض عليه المزيد من القيود القانونية التي تشل من حركته وتحد من أفاق نموه وتطوره. هذا في الوقت الذي تحدثنا فيه تجارب الماضي في مصر وبخاصة منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين على الدور البارز الذي لعبه المجتمع المدني في تنمية وتطوير الشخصية المصرية واستنهاضها في مواجهة قوى التخلف, والإلحاق الاستعماري والتبعية له, أو ما يتعلق منها بتعظيم التراكم الاجتماعي والتنموي أيضاً والذي تجسد في بناء العديد من المؤسسات التي كان لها دوراً رائداً في عملية التحديث المصرية ومنها على سبيل المثال بناء " جامعة القاهرة" والعديد من المؤسسات التعليمية الأخرى كالمدارس والمعاهد, وأيضاً المؤسسات العلاجية وغيرها، وذلك في إطار منظومة متكاملة تعمل على مواجهة الفقر والجهل والمرض , الأمر الذي يعطى دلالة على أن المجتمع المدني المصري آنذاك قد لعب دوراً فاعلاً في التحدي لهذه المنظومة, وعمل بقدر كبير في استنارة المجتمع المصري وتفجير الطاقات الإبداعية لديه, الآمر الذي تجسد في مناخ فاعل تجلى في أعظم صوره في صدور القانون المدني المصري في العام 1875 والذي أكد على أهمية ودور المجتمع المدني, والذي كفل له أيضا العديد من الحقوق أقلها إسباغ الشخصية الاعتبارية على مؤسسات المجتمع المدني بمجرد الإخطار، ، كما شهدت ثلث الفترة أيضا صدور دستور 1932، والذي كان واحدا ً من أهم وأفضل الدساتير في مصر. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركـه حيث شهد المجتمع المدني بعد 1958 تراجعاً كبيراً تمثل في العديد من القيود القانونية التي أضعفت من حركته، بل يمكن القول إنها الحقته بالإدارات التابعة للدولة. في ضوء ما سبق تحاول هذه الورقة أن تناقش العلاقة بين حركة المجتمع المدني في مصر والقوانين المنظمة لها، وهل تلعب تلك القوانين دورا ً في دفع تلك الحركة إلى الأمام، أم العكس ؟؟ هذا هو السؤال المحوري الذي تحاول تلك الورقة الاشتباك معه، وذلك من خلال عدد من المحاور الأساسية في محاولة للوصول إلي نتيجة محددة لهذا التساؤل الذي تطرقه الورقـة. انطلاقا ً من ذلك يحاول المحور الأول التطرق إلى المراحل المختلفة لتطور القوانين الناظمة لحركة المجتمع المصري وذلك منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر حتى الآن، وذلك دون الاستغراق في التفاصيل ولكن من خلال استعراض أهم الملامح الرئيسية لهذه المراحل. إلى ذلك تحاول الورقة في المحور الثاني منها إلى استعراض حركة المجتمع المدني وابعاد تلك الحركة في مواجهة القوانين التي نحاول وضع العراقيل والقيود على تطوره وبخاصة في ضوء تجربة وخبرة القانون 153 لسنــة 1999، والقانون 84 لسنــة 2002. ثم تنتقل الورقة بعد ذلك إلى محاولة استشراف آفاق المستقبل لتلك الحركة في ضوء تطبيق القانون 84 لسنة 2002 وهو القانون الأخير الذي صدر عن البرلمان المصري في يونيو من العام 2002، والمنوط به تنظيم المجتمع المدني المصري. وأخيرا ً تحاول الورقة الوصول إلى مجموعه من الاستخلاصات والنتائج في ضوء ما استعرضته، إضافة إلى بعض التوصيات.المحور الأول : مراحل تطور المجتمع المدني. المرحلة الأولى تعود نشـأة المجتمع الأهلي في مصر إلى عام 1828، حيث شهد ذلك العام نشـأة الجمعية اليونانية بالإسكندرية ثم تلي ذلك نشــأة جمعية مصر عام 1859، ثم جمعية المعارف عام 1868، والجمعية الجغرافية عام 1878 i. وقد نشــأت هذه الجمعيات قبل صدور القانون المدني الذي صدر في صورته الأولى في يونيو 1875. ومع صدور القانون المدني أصبح هو المنوط به تنظيم عمل الجمعيات الأهلية في مصر، حيث نص في المادة 54 منة على أن الجمعية هي " كل جماعه ذات صفة دائمة مكون من عدة أشخاص. طبيعية واعتباريـة لغرض غير الحصول على ربح مادي " أضاف ذات القانون في المادة 58 منه على إسباغ الشخصية الاعتبارية للجمعية بمجرد إنشائها " ومن ثم فإن القانون المدني المصري كان سباقا ً في وضع الأسس والمعايير الخاصة بإنشاء الجمعيات والتي تضمنت في جوهرها حق الأفراد والجماعات في إنشاء الجمعيات وهو الأمر الذي كان يتوافق مع القواعد العامة التي تضمنها العهد الدولي للحقوق المدنية والأساسية في مادته والذي صدر بعد صدور القانون المدني بـ 93 عام ما حيث صدر العهد الدولي في العام 1968. وقد تواكب مع صدور القانون المدني المصري بروز العديد من الجمعيات الأهلية التى أنشئت وفقا ً لهذا القانون، فعلى السبيل المثال أنشئت الجمعية الجغرافية عام 1875، ثم الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1878 حيث كان من بين أهدافها إضافة إلى الأعمال الخيرية السعي إلى بث الروح الوطنية بين المصريين، وعلى نفس المنوال كانت نشـأة جمعية المساعي الخيرية القبطية التي كان من أعضائها الشيخ محمد عبده، عبد الله النديم، ومحمد النجار وهم من الرواد التنويريين في نهضة مصر الحديثةii. وقد أعقب ذلك نشـأة العديد من الجمعيات التي لعبت دورا ً كبيرا ً سواء فيما يتعلق بالأنشطة السياسيـة أو الاجتماعية وغيرها. الأمر الذي ساعد في تنمية الحياة السياسية في مصر آنذاك والتي كان بين بينها الجمعيات اليسارية والتقدمية آنذاك مثل جماعة الفجر الجديد.... الخ. وقد جاء دستور 1923 ليسبغ على مؤسسات المجتمع المدني الصفة القانونية، ويعترف لها بحقوقها القانونية، وليعترف أيضا بحق المصريين في تشكيل الجمعيات وكافة المؤسسات المدنية الأخرى، وإطلاق حرية تكوينها، وأحال للمواد من 54 إلى 68 من القانون المدني تنظيم إنشاء تلك المؤسسات، حيث انطوت تلك المواد على العديد من الحقوق أقلها إكساب المؤسسة المدنية الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار، وليس بتصريح أو ترخيص من أية جمعية إدارية أيا ً كانت. ويمكن القول أن دستور 23 قد أكد على تكوين تلك الجمعيات في إطار الإدارة الحرة للأفراد، ولم يستثنى من ذلك سوى حظر الجمعيات ذات الطابع العسكري التي تعمل لخدمة مذهب سياسي معين، حيث تم حظرها بموجب القانون 17 لسنة 1938. في حين كفل جميع الحقوق للمؤسسات المدنية التي تعمل في إطار غير هادف للربح، في الوقت ذاته خص الجمعيات الخيرية والمؤسسات التي يخصص مالها لمدة غير معينة لأعمال الخير والنفع العام، إلى المواد من 69 إلى 78 من القانون المدني المصري آنذاك.المرحلة الثانية: القانون 32 لسنة 1964 جاء صدور القانون 32 لسنة 1964 بعد مرور 12 عاماً على تبوأ السلطة الناصرية سدنة الحكم في أعقاب اعتلائها الحكم في يوليه 1952، بعد إلغاء النظام الملكي الذي كان يحكم مصر قبل هذا التاريخ، وقد أتسمت الحقبة الناصرية بإحداث بعض التغييرات الاجتماعية لصالح بعض الفئات الاجتماعية مثل الفلاحين والعمال، ولكن واكب ذلك بسط نفوذ الدولة على كافة المؤسسات القائمة، حيث قامت بحل الأحزاب التي كانت قائمة قبل عام 1952 وتأميم العمل السياسي، ومن ثم كان من الطبيعي أن يواكب تلك السياسة صدور قانون 32 لسنة 1964 الذي أستهدف بالأساس تحويل الجمعيات الأهلية إلى إدارة تعمل في إطار سياسة الدولة والحزب الواحد، وفي هذا السياق أنطوي القانون 32 لسنة 1964 على العديد من القيود من الصعب أن نناقشها بالتفصيل الكامل في هذه الورقة، ولكننا نتوقف عند بعض الأمور الأساسية وبخاصة تلك التي تتعلق بالتأسيس والنشاط والحل.
|