|
المحامي بديع وسوف
|
|
2006-04-14 |
خاص: "نساء سورية"يتألف القانون بشكل عام من قواعد آمرة لا يجوز مخالفتها ومن قواعد قانونية مكملة يترك القانون فيها للمواطنين إنشاء قانونهم الخاص للعلاقة التي يرغبون إقامتها فيما بينهم تحت قاعدة (العقد شريعة المتعاقدين – المادة148/1 القانون المدني) وذلك طبعا دون إخلال بالقيم العليا للمجتمع والنظام العام. من الملاحظ أن القوانين كانت آمرة في معظمها وكانت العقوبات التي تترتب على مخالفتها موجعة ويطلق عليها في العصر الحديث عقوبات غير إنسانية. ومع التطور بدأت القواعد الآمرة تقل في القانون المدني لمصلحة القواعد القانونية المكملة. (أما القانون العام فنصوصه آمره بطبيعتها كقانون العقوبات) وهذا ليس مجال بحثنا.. وكلما تطور الإنسان, وسادت المجتمع علاقات إنسانية أكثر تزداد الحالات التي يترك القانون فيها للمواطنين حرية وضع القانون الذي يناسب علاقاتهم لأن القانون يمثل حالة وعي المجتمع بحقوقه وممارسته لهذه الحقوق دون وصاية على اعتبار أنه غير قاصر. وأن القوانين جاءت أساسا لمصلحته فهو المعني فيها كما أنه هو المصدر الأصيل لمشروعيتها. وهذا ما نصت عليه الدساتير في الدول الحديثة (الشعب مصدر السلطات) كما أن ممارسته لحقوقه أصبحت حقا وواجبا. فيقوم بسلطة التشريع ممثلو الشعب نيابة عنه وباسمه وهذا تقضيه مصلحة المجتمع لأن توسع دائرة المجتمع وتعدد المصالح تقتضي تفويض ممثلين عن الشعب ضمن مؤسسات الدولة لتشرع القوانين التي ترعى المجتمع بشكل عام وتحدد المراكز القانونية (الممنوع والمسموح) أما المسائل الخاصة والمشروعة فليس هناك أي مانع دستوري لأن تبقى مهمة التشريع فيها من اختصاص المواطنين أنفسهم طالما هم الأصلاء في هذه الصلاحية. وضمن هذه العلاقة يمكن للأفراد فيما بينهم أن ينظموا العلاقات المدنية بعقود هي تشريع للعلاقة المدنية المتفق عليها. ونص القانون المدني على تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع حسن النية /مادة 149/ كما انه إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها وإذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة.. المادة /151 مدني / طبعا هذا بعد تحقق العقد وفق الأوضاع التي وضعها القانون من محل وسبب وآثار وشروط أخرى. (والجمعيات والشركات والمنظمات الأهلية هي شكل من العقود المدنية) فالقانون أكد حق التشريع هذا للأفراد ضمن العقود المدنية. إذن فحق المواطن في تشكيل جمعيات أو شركات أو أي من المنظمات الأهلية سابق لقانون الجمعيات 93 تاريخ 8/7/1958 الذي ألغى المواد 56- 82 من القانون المدني الذي كانت تنظم هذه الحالة وذهب أكثر من ذلك لتصبح هذه الجمعيات حكومية بكل معنى الكلمة مما أفقدها الغاية التي وجدت من أجلها ولم نجد الآن وبعد 47 عام تقريبا من تنظيم الجمعيات بالقانون المذكور جمعيات نموذجية أو مشهورة أو تركت أثرا مميزا في المجتمع مما يجعله قانونا مقصرا في هذه الناحية المهمة جدا وقد ناقش مواد هذا القانون المحامي عاطف مسوح وإني أتفق معه لناحية سلبية هذه المواد من حيث التطبيق العملي على أرض الواقع والذي يعتبر من الناحية القانونية أن قانون الجمعيات ألغى حق المواطنين الدستوري والقانوني في صلاحية التشريع ضمن الأوضاع التي أباحها لهم القانون بالنص من جهة وتجاوز الوكيل هنا صلاحياته تجاه موكليه (الشعب) في هذا القانون مما يجعله قانونا يفقد الشرعية القانونية. فقد تبّع الجمعيات إلى الجهة الإدارية وهذه التبعية تلغي الإرادة الحقيقية للأعضاء مما يجعل ترتب كامل المسؤولية على الجهة الإدارية في تعثر هذا القطاع المهم على الصعيدين الوطني والعالمي. وقد عددت الأستاذة دعد موسى بمقالها في هذا الموقع أهمية المنظمات الأهلية على الصعيد العالمي في خدمتها لقضايانا العادلة من خلال منظمات هيئة الأمم المتحدة. فالمجتمع لا يستطيع أن ينتظر كي يتطور والتطور عملية مستمرة ومن العقل أن نفتح لها الأبواب بتشريعات حية جيدة تطور المنظمات الأهلية على صعيد الواقع وتتطور التشريعات قبلها. فالزمن الذي جاء فيه قانون الجمعيات مختلف تماما فكان الجهل سائدا وكان هناك أيضا نظرة سائدة تجاه الخصوم السياسيين تجلى في حل الأحزاب وأعتقد أن قانون الجمعيات جاء لمنع وصول أي منهم إلى ممارسة أي نشاط ليس سياسيا فقط بل وفي المجتمع أيضا. فنص في المادة /7/من اللائحة التنفيذية على أن ترفع الدائرة الاجتماعية والعمل طلب الشهر مع مطالعتها حول نتيجة التحقيق عن المؤسسين.. والملفت هنا التحقيق عن الأعضاء المؤسسين الذي تقوم به الجهة الإدارية يخرج الجمعيات عن أهدافها وبالتالي يعبر بشكل طبيعي عن خسارة المجتمع في جمعيات كان يمكن لها أن تقدم عملا اجتماعيا مفيدا. ومن الملاحظ على هذا القانون بأنه في حال حياة الجمعيات, جعل اليد الفاعلة فيها للجهة الإدارية أما عند حلها و في حال وفاتها أحال أمورها وتصفيتها إلى محكمة البداية المدنية في منطقة الجمعية.(المواد 34-40-74) من القانون ذاته. مما يجعله قانون يميز بين مواطنيه ويقسر أفراد من المجتمع دون أسباب قانونية ويجعله غير مناسب أبدا في هذه الفترة من التحديث والشفافية. فالوعي تطور وكما أن النظرة المتبادلة بين المعارضة السياسية والحكومة تغيرت ولم تعد عدائية بل أصبحت تقوم على المصلحة الوطنية الذي يكون لكل فرد في المجتمع دور إيجابي في الصالح العام سواء كان في المعارضة أو في الحكومة فالوطن للجميع وما يهم المواطن أن يكون القائمين على الجمعية أو الشركة أو أيا من المنظمات الأهلية وغيرها أعضاء يحترمون صلاحياتهم بأمانه ويحققون الغاية المشروعة التي أسست لأجلها. ولا يعنيهم الصفة السياسية للأعضاء أو للقائمين عليها مما يجعلهم معنيين باختيار الأكفأ ويعرفونه معرفة مباشرة لأنه يعيش معهم وشريكهم في الجمعية أما الجهة الإدارية فإنها تقيم الأعضاء من خلال التحقيق الذي تقوم به أجهزتها وقد يخالطه الكثير من المغالطات وبناء على هذه التحقيقات تقوم بإجراءات خطيرة تودي بالجمعية وترفض نشرها وتقيدها أكثر من خلال المراقبة الشديدة والصلاحيات الكبيرة التي منحتها للجهة الإدارية (وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل) على حساب إرادة الأعضاء. فالقانون المبحوث فيه عكس الأمور وأخرج الجمعيات عن بيئتها وشروطها الطبيعية دون مسوغ قانوني فلا يصلح لتوفير الإطار المناسب لقيام جمعيات تؤدي أهدافها في الصالح العام أو الخاص ولابد من اشتراع قانون آخر بديلا عنه لإطلاق كافة القوى الحية للمشاركة في بناء مجتمعاتها بصدق ومشروعية سيما وأن الأنظمة الحديثة تسعى إلى توسيع مشاركة الناس في إدارة مرافق المجتمع ليتحول الوطن إلى ورشة عمل يعمل فيه جميع الأفراد كفريق واحد لبناء صرح يليق بهم وبأطفالهم في المستقبل ولا بد لذلك من القانون المتطور الشفاف الذي ينظر إلى الوقائع من خلال طبيعتها وعواملها الفاعلة والمؤثرة والمشروعة. مقدمة أخيرة: القانون هو الأخطر والأعمق من حيث التأثير في المجتمع وهو كآلة موسيقية يجب أن يكون وترها في مكانه الصحيح دون أي تسامح في شده أو تراخيه ليحقق الغاية دون أي نشاذ. فكل مادة من القانون تنشئ مركزا قانونيا في المجتمع وهذا المركز لا بد من الخضوع له طالما أقرته الجهات الشرعية في المجتمع وإذا شابته أي مادة غير مناسبة فإنها تلغي الغاية التي جاء القانون كي يحققها على أرض الواقع. ومنه يتوضح أهمية أن يكون التشريع دستوريا خاضعا لفحص المحكمة الدستورية العليا لكل مادة من مواده. فقانون الجمعيات يتعارض مع مبادئ الدستور لجهة فصل السلطات ويتشارك مع قانون الجمعيات في معارضة الدستور بعض القوانين الأخرى التي لا بد من دراستها وإعادة صياغتها على أسس عصرية تقوم على الدستور الذي يستمد مشروعيته من الشعب. الدستور الذي ينظم ممارسة السلطات وتفويضها إلى السلطات الثلاث دون أن تمتد سلطة على أخرى لأنه ضمن الاختصاصات الثلاث المتوازنة يتحقق الصالح العام الذي هو بشكل أو آخر أمانة. وهذا الشكل الطبيعي للأمور. فالمجتمع بحاجة إلى كل أبنائه محامون أو عمال أو علماء أو أطباء أو قضاة أو فلاحون أو أو وكل منهم مفيد وجميل في موقعه الطبيعي أما إذا اشتغل المحامي في الطب فبالتأكيد لا ينجح. والسؤال الأصعب لماذا ندعوه لمزاولة الطب ويوجد لدينا أطباء أكفاء... فالحق أن السلطة القضائية هي المؤهلة للنظر في أي مخالفة للقانون ولا يمكن لغيرها أن توازن الحقوق وتقرر فيما إذا كان هناك مخالفة أم لا وتتأكد هذه الضمانات من التقاضي على مرحلتين وطرق الطعن العادية والغير عادية وكتابة القرار بخط القاضي وتوقيعه الذي يجعله وثيقة رسمية موشحا باسم الشعب العربي في سوريا فهو القادر على اتخاذ قرار بعدم شهر الجمعيات وغيرها من المنظمات الأهلية أو تقرير وجودها وحياتها ابتدأ وليس بعد انقضاءها. 14/1/2005
|