|
معرض أطفال مدرسة الصم في الرقة.. عالم يضجّ بالألوان |
|
|
|
إبراهيم النمر
|
|
2006-04-13 |
خاص: "نساء سورية"أقامت مدرسة الصم في محافظة الرقة معرضها السنوي الثاني باشتراك أكثر من خمسين طفلاً، وبإشراف متميز للفنانين التشكيليين المتطوعين خليل حمسورك ومحمد العكلة، وبرعاية كريمة من محافظ الرقة الاستاذ أحمد شحادة خليل. واللافت للنظر في هذا المعرض الفني القدرة الواضحة لدى هؤلاء الصم في توصيل مكنونات أنفسهم.. فهم يبدون للوهلة الأولى أصحاء لا يعانون من أدنى تخلف أو عجز أو تقصير عن اللحاق بمن في سنهم من الأصحاء. فالطبيعة كانت موجودة بأشجارها وأنهارها وعصافيرها وبيوتها التي تشبه بيوتهم ودفهئا المنبعث من خلال الجو الأسري الحميمي الصادق، كما في لوحات نسرين الحمود ومجد الشمالي ومحمد اليوسف وجوان عثمان وخالد النمر وآية المشرف وهالة العلي ومصطفى المشرف وفواز الأحمد وإيمان الأخرس وعمر القاسم وخالد الأحمد وإيمان الحسين وهيام الإبراهيم وجميل السيد ومحمد هايل الخلف وعبد الكريم كشايا والطفل محمد العسكر الذي فاز بجائزة على مستوى الوطن العربي برسوم الأطفال، وكرمته السيدة أسماء الأسد، عقيلة السيد رئيس الجمهورية. وكذلك كان للفرح مساحة واسعة من خلال إطلاق المراجيح واللعب وإظهار بائعي الحلوى.. والسعادة بأعياد الميلاد التي رأوها بقلوبهم وعيونهم وعبّروا عنها بريشة خلاّقة بسيطة ساذجة ودافئة، كما في لوحات حلا النمر وزهرة البديوي وعبيد العبيد ونورة الحسن وبتول البديوي وعلي الشيخ وسوزان الإبراهيم وماريا العمار.. ولم ينس هؤلاء الأطفال القضايا الوطنية والقومية من خلال التصوير النبيل للأحداث التي تدور في العراق وفلسطين، متمثلين بالأطفال الشهداء الذي احتلوا مساحة واسعة من إبداعهم.. ولا أدل على ذلك من لوحات الفنانة القديرة زهرة البديوي التي جسدت بفطرتها اللحظة المعاشة في ذاكرتنا جميعا، الا وهي لحظة اغتيال الطفل محمد الدرة.. ولم تنس، وهي الصغيرة، أن تصور حقد الأعداء من خلال إضفاء ونقل الحقد الواضح في وجوه القساة الأعداء الذي قتلوا وشرّدوا وأصروا على القتل.. فوجوههم كما رأتها زهرة وجوه قاسية حاقدة لا تمت إلى الإنسانية بصلة. ولم يكن المعرض تهويماً وتلويحاً ورموزاً وطلاسم. بل كان بسيطاً سهلاً قريب التناول وغني باللون والخط.. فأطفال في الرابعة من العمر رسموا بتجريد لوني من مثل ماريا العمار ومحمد اليوسف وجواهر العلي وتغريد الخزيم وناصر العلي واسماعيل العليص.. وأطفال أكبر منهم بقليل تميزوا باللون المائي وبالمساحات اللونية عبر تعبيرية بسيطة من أمثال رشيد النزال ونسرين الحسن وكلافا الحسين.. وقد أخذ هؤلاء الأطفال من الفرات والبيئة الفراتية اللون والجمال وأشكال الحيوانات الموجودة على ضفتيه.. وأخذوا من البحر نوارسه وقواربه وأسماكه ودلافينه.. فكأنني أتملى في اللوحات أقف أمام مشهد بحري حي بأعماقه وشطآنه واسفنجه وصخوره كما في لوحات محمود الحسين وهيا الحسن.. وقد امتد المعرض على مساحات الزمن جميعاً.. فالفصول حاضرة.. الحصاد في الصيف، والأزهار في الربيع، والمدافئ في الشتاء كما في لوحات مصطفى العبيد وهيا الحسن.. وقد شعر كل من حضر المعرض بالعلاقة الحميمة التي تربط هؤلاء الصغار بأسرهم. فالأسرة ملاذ آمن والوطن ملاذ أكبر. كما في لوحات حاتم العلي وهيا الحسين.. والملفت في هذا المعرض هو الفرح الذي نقلوه لنا! فهم فرحون بالأعراس ينقلون لنا العرس بفرحه وأنواره المشتعلة والدبكة وكيف تمسك النسوة بأيدي الرجال.. كأننا أمام عرس حقيقي نراه في اللوحة وفي قلوب الأطفال.. ولم ينس الأطفال التوجيه والإرشاد إلى النظافة وحماية البيئة كما في لوحات حسين المحمد ومصطفى شيخو وماريا العمار.. وقد كان السؤال الأكثر إلحاحاً لدى مشاهدي المعرض هو السؤال المتعلق بالأعمار. وكثيرون هم المتفاجئون حين علموا أن أعمار المشاركين تمتد من الرابعة إلى الرابعة عشرة. كما قال لنا الفنانان المشرفان على المعرض. ولو قيّض لهؤلاء الأطفال المشاركة في معارض لأطفال أصحاء بأعمار تقارب أعمارهم لبدا لنا التميز واضحاً جليا من خلال اللون والخط والحركة والحرية وكثافة العناصر التي تكاد أن تتحول إلى لغة تحاكي المتفرّج.. وقد استوقفت الفنان خليل حمسورك لأسأله عن سر هذا التميز؟ وهل كان له ولزميله الفنان محمد العكلة يد في المعرض؟ فأجابني بالنفي مؤكداً أن ما ظهر كان بفعل الأطفال وليس بفعل غيرهم.. ودروس الرسم كانت تتحول لدى هؤلاء الأطفال إلى خلية عمل نشيطة واعية مدركة.. وبقراءة أولية للمعرض ينتقل إلينا إحساس مؤكد مفاده أن العلاقة التي تربط هؤلاء الأطفال بمعلماتهم وإدارتهم هي علاقة حميمة دافئة لا تقل بأي شكل من الأشكال عن علاقتهم بذويهم بل تتعداها لتصبح كل معلمة بمثابة الأم والمربية الفاضلة لهم. وإن جهد هؤلاء المعلمات في تعليم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة والحساب لجهد يستحق أن نقف أمامه باحترام وأن نتمنى لكل من يدعم أو يساهم في إنجاح هذه المدرسة الخير والصحة واستمرار العطاء.. كما أن الأستاذ علي السويحة، الباحث في التراث الشعبي، قال لنا أنه يتمنى أن يتكرر هذا المعرض البريء لكي نتمكن من قراءة تعابير هؤلاء الأطفال ومعرفة مكنونات صدورهم التي لم يستطيعوا أن يعبروا عنها بالقول.. فكان اللون وسيلتهم.. أما الآنسة جميلة اليوسف، مدرسة علم النفس والفلسفة، والتي عرفة الفنانين الصغار عن قرب، فقالت: عندما شاهدت هذه اللوحات المضاءة ببراءة هؤلاء الأطفال المتناغمة مع عوالمهم المتنوعة وجدت أن الحذر والخوف قد غادرهم بعيداً.. فانطلقوا بحرية محلقين في عوالم طموحة وحالمة مشرقة نحة عالم جميل.. وجدتهم قد كسروا كل القيود التي نتجت عن إعاقتهم.. وهذا سيدفعهم للقيام بالمزيد من الفعاليات التي ينتظرها منهم الآخرون.. إن إحساسهم بالجمال الذي تجسد في رسوماتهم سيسمو بعقولهم وعواطفهم.. وهذا بدوره سيقودهم دون أدنى شك إلى الإبداع.. إن لوحات هؤلاء الأطفال اتسمت بعمق اللون والإحساس والصخب والقوة.. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على عمق قدراتهم وأحاسيسهم وهم ينتظرون من يأخذ بيدهم للنهوض عالياً عالياً في عالم الحب والعطاء والجمال.. ويزيد من مستوى طموحهم ويبعدهم عن حالات سوء التكيف وإدماجهم في المجتمع ضمن أقصى الحدود التي تسمح بها قدراتهم.. ويكون هذا هو المطلوب.. في نهاية هذا الاستطلاع البسيط تجمعت لدينا، نحن محبي الأطفال الصم، أمنيات سغيرة ننقلها لرئيس الجمعية الدكتور إحسان عليوي متمنين أن تجد لها متسعاً ومشروعية: 1- أن يكون هذا المعرض معرضا جوالاً في محافظات القطر ليعطي مثالاً حياً يحتذى به عن تجربة هؤلاء الأطفال مع معلميهم الفنانين. 2- أن يلقى الأطفال المشاركون المكافأة المادية من الجهة التي تستطيع أن تؤمنها الجمعية. 3- أن يضمن هذا المعرض كتيباً صغيراً يضم اللوحات الفنية وأسماء أصحابها ومعلميهم وإدارة المدرسة ليكون أرشيفاً للمدرسة وللمحافظة جميعاً. 4- أن تبادر جمعية الرجاء إلى التأسيس لجائزة نقدية تشجيعية للأطفال الصم على مستوى القطر تتناول إبداعهم الفني. أخيرا نقول.. كل عام وأطفال مدرسة الصم على أكمل وجوه العطاء وأجملها.. ليقدموا لنا التجارب.. وليتعلم الأطفال الأصحاء منهم أن الصمم لم يكن إعاقة حقيقية ولم يقف في يوم من الأيام بوجه الإبداع.. ونتمنى أن يكون هذا الأصم مثالاً وقدوة للصحيح المقصر.. فالأطفال الأصحاء أكثر عبئا وأكبر إيلاماً إذا لم يوجهوا قدراتهم وكفاءاتهم في الطريق الصحيح.. 28/6/2005 |