|
اتفاقية حقوق الطفل وضرورة إلغاء التحفظات الواردة عليها |
|
|
|
المحامية منى أسعد
|
|
2006-04-13 |
خاص: "نساء سورية" (فيما يلي الورقة التي قدمتها المحامية منى أسعد في ورشة العمل حول التحفظات السورية على اتفاقية حقوق الطفل التي أقامتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة بتاريخ 4/4/2005. "نساء سورية") بات ثابتاً أن اعتناق مبادىء حقوق الإنسان عامة وحقوق الطفل خاصة، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى التطور الحضاري والفكري للمجتمعات، وبالتطورات السياسية والأيديولوجية التي فرضت نفسها على الكثير من الدول, الأمر الذي دفع بالعديد من الدول العربية، ومنها الجمهورية العربية السورية إلى المصادقة على اتفاقية حماية حقوق الطفل(اقرأ الاتفاقية..) بالقانون رقم /8/ الصادر في 13/ 1/ 1991 (اقرأ القانون..)، وإن كانت قد ضمّنت موافقتها ثلاثة تحفظات لتعارضها مع التشريعات العربية السورية النافذة ومبادىء الشريعة الإسلامية،وخاصة ما ورد في المادة 14 منها بشأن حق الطفل في حرية الدين. وما ورد في المادتين 20 و21 منها بشأن التبني. ومن ثم صادقت الحكومة السورية على البروتوكولين الاختياريين مع الإشارة إلى التحفظات ذاتها. لكن ما يهم ليس المصادقة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان عامة، وحقوق الطفل بشكل خاص، بل المهم هو إلى أي درجة نعمل على تمثل مفاهيم هذه الاتفاقية وتطبيق بنودها، بعيداًُ عن التحفظات التي تستند إلى تفسيرات جامدة للنصوص, وتتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية من جهة, ومع التطورات الاجتماعية والأخلاقية التي دفعت فيما سبق بعضا من الخلفاء الراشدين إلى نسخ بعض الآيات القرآنية, دون أن يمس ذلك أو يطعن بقدسية النص, وإسلامية الخلفاء المعنيين. وفيما يلي مناقشة تلك التحفظات: المادة الأولى المتحفظ عليها هي المادة 14 من الاتفاقية وتنص على: 1- تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين. 2- تحترم الدول الأطراف حقوق وواجبات الوالدين وكذلك تبعاً للحالة الأوصياء القانونيين عليه في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل وتطوره. 3 - لا يجوز أن يخضع الإجهار بالدين والمعتقدات إلا للقيود التي ينص عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين. إن هذه المادة إذ تلزم الدول الأطراف الموقعة على احترام حرية الفكر والوجدان والدين لدى الطفل، فإنها بذلك لا تتعارض مع نصوص الشريعة الإسلامية التي تقرر بنصوص آمرة حرية العقائد والأديان. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: قوله تعالى "لا إكراه في الدين" (البقرة 256) وقوله تعالى "لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً. أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (سورة يونس 99) وقوله "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29) إن هذه النصوص إذ تؤكد على احترام حرية الأديان والعقائد، فإنها بالتالي تؤكد على احترام الاختلاف في الأفكار والآراء. في الدستور والقانون: نصت المادة 35 من الدستور على: 1- إن حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان. 2- تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية على أن لا يخل ذلك بالنظام العام. كذلك فقد قضت المادة 38 من الدستور بأنه: لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى.... وبالعودة إلى قانون رعاية اللقطاء الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 107 تاريخ 3/ 5/ 1970 نجد أن المادة 13 منه تنص على: 1- يعتبر اللقيط عربياً سورياً. 2- يعتبر اللقيط مسلماً ما لم يثبت خلاف ذلك. يستفاد من النص أن الطفل في حال تأكده من ديانته فله الحق في الجهر بها وممارسة طقوسها. وعليه فليس ثمة تعارض بين نص المادة 14 من الاتفاقية و نصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها، ولا مع نصوص الدستور أيضاً. الأمر الذي يعني ضرورة الرجوع عن التحفظ الوارد بخصوص هذه المادة. المادة الثانية هي المادة 20 من الاتفاقية والتي تنص: 1- أنه للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية أو الذي لا يسمح له حفاظاً على مصالحه الفضلى بالبقاء في تلك البيئة، الحق في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة. 2- تضمن الدول الأطراف وفقاً لقوانينها الوطنية رعاية بديلة لمثل هذا الطفل. 3- يمكن أن تشمل هذه الرعاية، في جملة أمور، الحضانة أو الكفالة الواردة في القانون الإسلامي، أو التبني أو عند الضرورة الإقامة في مؤسسات مناسبة لرعاية الأطفال، وعند النظر في الحلول ينبغي إيلاء الاعتبار الواجب لاستصواب الاستمرارية في تربية الطفل ولخلفية الطفل الأثنية والدينية والثقافية واللغوية. هذه المادة تلزم الدول الأطراف بتأمين بيئة بديلة للطفل المحروم من بيئته العائلية. ورغم أن الشريعة الإسلامية لم تقر التبني لأسباب سنوردها لاحقاً، لكنها تكفل الرعاية الاجتماعية للأطفال بكافة صورها، وثمة آيات كثيرة بهذا الخصوص نذكر منها قوله تعالى "فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل" ( الروم 38) فاللقيط وفق الشريعة الإسلامية هو إنسان حي يتمتع بكافة حقوق الإنسان ولا ذنب له فيما ارتكب والداه. هذا إذا كان ابن زنى، وفي كثير من الأحيان يكون اللقيط إنسان تاه عن والديه، أو فقد والديه وبقي هو على قيد الحياة. وقد كان عمر بن الخطاب يفرض للقيط من بيت مال المسلمين مائة درهم ولوليه كل شهر رزقاً يعينه عليه ويجعل رضاعته ونفقته في بيت المال، وعند كبره يساويه بغيره من الأطفال. وفي القانون: - عرّف القانون اللقيط: بأنه الوليد الذي يعثر عليه ولم يعرف والداه. واعتبره عربياً سورياً ومسلماً ما لم يثبت خلاف ذلك. - يعتبر بحكم اللقطاء وتسري عليهم أحكامه الأطفال مجهولو النسب الذين لا يوجد من هو مكلف بإعالتهم شرعاً. كما أقر القانون بمسؤولية المجتمع والدولة تجاه هذه الفئات من الأطفال فنص: - على أن تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عبر مؤسساتها الخاصة رعاية اللقيط وكفالته وتعليمه حتى يستطيع الاعتماد على نفسه. يدخل في هذه الولاية سلطة التربية والتعليم العام والتعليم المهني والرقابة الصحية والاجتماعية وسائر أمور العناية بشخص اللقيط. - ويجوز بقرار من الوزير وضع اللقيط لدى إحدى الأسر، أو لدى من يرغب بذلك من النساء شريطة أن تكون قادرة على رعايته وتربيته وكفالته وتعليمه والإنفاق عليه. - وكذلك يمكن وضعه في إحدى المؤسسات الخيرية القادرة على تربية الأطفال إذا كان ذلك في مصلحة اللقيط. وعليه نكتشف غياب أي مبرر شرعي أو قانوني يتعارض مع نص المادة 20 المتحفظ عليها, فالمشرع السوري الزم الحكومة برعاية هذه الفئة من الأطفال فاقدي الأهل, عبر مؤسسات اجتماعية توجد لهذه الغاية, كما أباح إمكانية وضع هكذا طفل عند من يشاء من الأسر أو السيدات الراغبات بحضانة الطفل شرط القدرة على ذلك ماديا وإنسانيا, لعلم المشرع بأن العناية الممنوحة من قبل الأسرة أو السيدة هي العناية الأمثل خاصة في حال عدم تمكن هذه الأسرة أو السيدة من إنجاب أطفال, إلا أنه ولأسباب فقهية, رفض اعتبار هذه العناية والحضانة بمثابة تبني, كما جاء في نص المادة 21 المتحفظ عليها. المادة الثالثة هي المادة 21 من الاتفاقية وتنص على: تضمن الدول التي تقّر أو تجيز نظام التبني إيلاء مصالح الطفل الفضلى الاعتبار الأول والقيام بما يلي: 1 - تضمن ألا تصرح بتبني الطفل إلا للسلطات المختصة التي تحدد وفقاً للقوانين والإجراءات المعمول بها. وعلى أساس كل المعلومات ذات الصلة الموثوق بها.... 2 - تعترف بان التبني في بلد آخر يمكن اعتباره وسيلة بديلة لرعاية الطفل. 3- تضمن للطفل المتبنى في بلد آخر أن يستفيد من ضمانات ومعايير تعادل تلك القائمة فيما يتعلق بالتبني الوطني. 4- تتخذ جميع التدابير المناسبة لكي تضمن أن عملية التبني في بلد آخر لا تعود للمشاركين بكسب مادي غير مشروع. 5- تعزز عند الاقتضاء أهداف هذه المادة بعقد ترتيبات أو اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف وتسعى في هذا الإطار إلى ضمان أن يكون المتبنى في بلد آخر من خلال السلطات أو الهيئات الخاصة. التبني كلمة يراد بها أن شخصاً يتخذ من طفل ما ابناً له, ومنحه كل ما للولد الحقيقي من حقوق ومطالبته بكل ما عليه من واجبات. فالمتبنون ليسوا أبناء حقيقيون للأهل لكنهم يحسبون كذلك. تحقيقا لرغبة الشخص المتبني, وتحقيقا لصالح الطفل المتبنى, ولصالح المجتمع أيضا. الإسلام لم يحرم التبني، بمعنى ليس ثمة أية نصوص تقول صراحة بتحريم التبني، وأن كان لم يقرّه، فحرمه الفقهاء حرصاً منهم على حقوق الورثة من الانتقاص والضياع هذا من ناحية، وللحفاظ على نقاء الأنساب من الاختلاط من ناحية ثانية. وذلك عملاً بالآية الكريمة "أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم". مما لا شك بأن هناك حكمة من وراء كل نص فإن توقفت أو انتفت تلك الحكمة يكون النص قد استنفذ أغراضه.وثمة أمثلة كثيرة على ذلك. إذ يعلمنا الطبري بأن الخليفة الراشدي أبا بكر الصديق قام بإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم رغم ورود النص القرآني به في آية التوبة، ورغم نفاذه والعمل به قبل خلافته. كما أن الخليفة عمر بن الخطاب كان قد أوقف العمل بآية الفيء "وما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول" (التوبة 41) لأن مصلحة المجتمع تقتضي بذلك. وقياساً على ما جرى عليه عمل الفقهاء الأوائل في صدر الإسلام، الذين استخدموا في فقههم المصلحة والعرف والاستحسان وشرع الأمم السابقة ضمن مصادر التشريع، لاستخلاص القوانين وتطويرها وفق تطور المجتمع، وكلما دعت الحاجة لذلك، وبما ينسجم وقاصد الشريعة إسلامية, ولولا ذلك لما تمكن الفقهاء من وضع الحلول للمشكلات الحقيقية التي واجهت مجتمعاتهم وشعوبهم. انطلاقاً من ضرورة مواكبة التطور الهائل في مجال حقوق الإنسان عامة، وحقوق الطفل بشكل خاص، ومن أجل التوافق والتفاعل مع المواثيق الدولية،نرى أنه لا بد من اتخاذ العقل أساسا للتفسير والتأويل, في تكييف مسألة الإرث بما يحقق مقاصد الشريعة ومصلحة المجتمع, وبما لا يتعارض مع قضية التبني. أما فيما يخص الذريعة الثاني والمتعلقة بنقاء الأنساب وحفظها من الاختلاط فمعلوم أن وجود طفل متبنى وهو في الأشهر الأولى، أو السنوات الأولى من عمره ضمن عائلة، سينشأ ويترعرع كفرد من أفرادها، وسيؤمن بقيمها وثوابتها المعرفية والثقافية، وستنصقل مشاعره وعقائده ومبادئه وفق عقائد ومبادىء وقيم هذه الأسرة. وذلك أفضل من أن يبقى مشردا في المجتمع بلا نسب أو هوية. ومن هنا يصبح للطفل بالتبني نفس حقوق الطفل بالنسب وعليه ذات الواجبات،الأمر الذي يغدو معه الحديث عن فكرة نقاء الأنساب وحفظها من الاختلاط فكرة عقيمة فاقدة لصلاحيتها. في القانون بما أن المشرع أتاح للمورث حق التصرف بملكه وله أن يوصي بجزء من أمواله لمن شاء وأراد. بصريح المادة 215 من قانون الأحوال الشخصية التي تنص على أنه: 1- تصح الوصية للأشخاص مع اختلاف الدين والملة بينهم وبين الموصي. 2 - إذا كان الموصى له أجنبياً تشترط المعاملة بالمثل. وعليه يمكن للأب المتبني أن يوصي ببعض ماله للولد المتبنى يعينه به على الحياة ودون أن يمس ذلك حقوق الورثة. مع أن بعض الدول الإسلامية مثل تونس كانت قد ألغت في "مدونة الأحوال الشخصية" منذ عقود، ما ورد في الآية 11 من سورة النساء، حول أحكام الإرث وأجازت المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى. مما سبق يمكن القول: إن المشرع السوري لم يحظر مبدأ حضانة اللقيط لدى الأسر، ولكنه أيضاً لم يجز مبدأ التبني. عامداً بذلك إلى المواربة والمداراة في معالجته لحالة إنسانية وقانونية، كانت تستوجب منتهى الشفافية والدقة. الأمر الذي أدى إلى خلق حالة اجتماعية غير قانونية، تتعلق بفئة غير قليلة من الناس يشوب أوضاعها القانونية الكثير من اللبس والغموض, ويعرض مصالحها وحتى إنسانيتها لتفسيرات قد تكون ضيقة الأفق, أو متزمتة. هذا بالإضافة إلى اللبس والتعقيد في الكثير من الإجراءات المتعلقة بإمكانية حصول اللقيط على وثائق شخصية سليمة في حالة الزواج أو السفر أو حتى شغل وظيفة عامة. كما أدت هذه المعالجة المجتزأة إلى حالة لا إنسانية إذ حرمت الطفل من فرصة العيش والتمتع بحياة كريمة لا ذل فيها ولا تمييز. وحرمان الوالدان أيضاً من فرصة التمتع بمشاعر الأبوة والإحساس بانتماء الطفل إليهما. أما بخصوص التبني في بلد آخر،فإن القانون السوري لم يلحظ هذه المسألة ربما لانتفاء أسبابها سابقاً، إلا أننا نجد ضرورة وضع قوانين ناظمة لهذه الحالة وفق اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها الحكومة السورية، كي نقطع الطريق على ما يمكن أن يظهر من حالات استغلال لهذه المسالة كتجارة الأطفال وسواها. وفي النهاية نستطيع التأكيد أن التحفظات السورية على اتفاقية حقوق الطفل لا تنبع أساسا من التعارض مع القوانين السورية, كما لا تنبع من التعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية, بما تهدف إليه من تحقيق مصالح الأفراد والمجتمع, ولذلك فإننا نطالب برفع هذه التحفظات, إيمانا منا بضرورة مواكبة التطورات الاجتماعية والقانونية في العالم, وانسجاما مع اتفاقيات حقوق الإنسان بشكل عام واتفاقية حقوق الطفل بشكل خاص، والتي صادقت عليها الحكومة السورية,وهو ما يؤهلنا أكثر لمواكبة العصر والمجتمعات المتحضرة بالمعنى القانوني والإنساني. 4/4/2005
|