|
دور الوالدين في توجيه الأطفال نحو التربية المدنية |
|
|
|
دنيا الأمل اسماعيل
|
|
2006-04-13 |
من الأشياء الجميلة التي تمنحها لنا الحياة، قيمة التعلم المستمر والمتطور، ولأننا بشر تخطيء ونصيب، نتعلم من أخطائنا أكثر من انتصاراتنا، تتيح لنا التربية مجالاً واسعاً لإثبات قيمة ما سكبته الحياة فينا من تجارب بناءة ومؤلمة، ولأننا كآباء وأمهات تألمنا يوماً من طريقة تربيتنا، وشعرنا كثيراً بذلك الفارق الشاسع بين ما نبغيه، وما يريده منا الأهل، فإنّ تجربتنا نحن كأمهات وآباء، من المؤكد أنها ستأخذ بعداً أكثر انفتاحاً مع توالي التغيرات والنظرة المختلفة إلى العالم والأشياء. وإلى حد ما يمكن أن نقول، أنّ عالم اليوم ليس ابناً تام البنوة لعالم الأمس، إنما هو ابن مستقبليّ، ينتمي للمستقبل أكثر مما ينتمي للماضي أو الحاضر، وهذا ليس انفصالاً عن الحالي بقدر ما هو اندماج في تاريخ سيأتي وعوالم أكثر استنارة. واليوم وأنا في الرابعة والثلاثين من العمر، أخوض تجربة الأمومة بكل تشابكاتها مع ثلاثة طفلات ، كبراهنّ تدخل عامها الدراسي الأول بعد أقل من عام، أعترف أنها تجربة صعبة، ردّت فيّ الكثير من العرفان لوالدّي، لأنني تفهمت الآن بعض تصرفاتهما معي حينما كنت طفلة، ثم في مراحلي العمرية المتتالية. لكنني في الجهة الأخرى، أخوض معركة أكثر شراسة، بعد أن أصبحت الأسرة ليست المؤثر الوحيد في تكوين شخصية الأطفال ، بل والكبار أيضاًَ، لأجعل من هؤلاء الطفلات كائنات جميلة بالمعنى الجوهري والشكلاني، التي تعني هنا الخضوع لسلوكيات حياتية إيجابية ظاهرة، تدل أصدق دلالة على مكنون الجوهر، وسأقصر مثالاً على مقالتي، حديثي عن ابنتي الكبرى(أوغاريت)، فهي كمواطنة صغيرة في هذا العالم ليس مطلوباً منها سوى أن تعيش طفولة سوّية، خالية من التشويشات والتدخلات العقيمة التي قد تفسد عليها طفولتها وحياتها المستقبلية بشكل سيكون أمره واضحاً فيما بعد. إنّ لدّي قناعة تامة أن الأبناء هم الاستثمار الحقيقي للآباء وللوطن عامة، وأن التربية السليمة والمسؤولة هي المدخل الأهم للوصول إلى هذه النتيجة المرضية، ولأنني أيضاً أدرك تماماً أن العيش بعيداً عن الناس أمر مستحيل التحقق، فكان لزاماً علّي أن أكون رهينة اتجاهين متناقضين في التربية والثقافة والحياة، بين ما يرغبه أهل الزوج/ الأب من طريقة حياة لهؤلاء الأطفال وما أريده بشكل مغاير تماماً ومتناقض غالباً مع ما أرغبه أنا كأم أدخل فتياتي الصغيرات في عملية تربيتهنّ. وبذلك فإنني هنا أتحدث عن العائق الأكبر والأهم في إدخال مفاهيم حديثة ضمن أساليب التربية لأطفالنا الفلسطينيين الذين لا يعبرون عن طفولتهم بقدر ما يعبرون عن ثقافة أجيال سابقة، مختلفة القيم والتوجهات والاتجاهات وطرق الحياة، وهذا هو القتل غير العمد الذي نشارك فيه جميعاً بلا أدنى شعور بالذنب. وحتى تصبح المقالة ذات جدوى فدعوني أتطرق إلى بعض النقاط المختزلة والتي تحتاج إلى إسهاب وتطويل واعٍ، غير مخلٍ . 1- من المعروف أن المجتمع الفلسطيني، والمجتمع الغزّي تحديداً هو مجتمع محافظ جداً، وتلعب فيه الأسرة الممتدة دوراً كبيراً في تشكيل قيم وثقافة هذا المجتمع، حيث يعيش الأجداد والأبناء والأحفاد في منزل واحد، غالباً ما يفتقر إلى مقاييس الصحة والسلامة النفسية والجسدية، مع انعدام الخصوصية ، وهذه الصورة، لا تتيح للأمهات تحديداً ممارسة دور أكبر في تربية أبنائها، إذ يقابل كل سلوك منها بالنقد ومغايرته لما تربى عليه الأهل، فتتعرض للوم والتقريظ وفي كثير من الأحيان بمنعها من التدخل في تربية أبنائها، ويتضاعف الأمر إذا كانت الأم من عائلة مختلفة عن عائلة الزوج. 2- لا قيمة للحديث عن دور للوالدين في توجيه أطفالهما نحو تربية مدنية فاعلة، دون تأهيل الأمهات والآباء، وجعلهم يتبنون هذه المفاهيم والقيم، وأن يمارسونها بشكل طبيعي في حياتهم الطبيعية، لأن الممارسة الحقة أمام الأبناء هي مدخل جيد للتغيير، عبر ممارسة الأطفال للتقليد والتقمص ولعب الأدوار. 3- ضرورة الاقتناع بأن العمل على مضامين التربية المدنية، هو عمل استمراري، يحتاج إلى نفس طويل، وتكاتف جهود أكثر من أفراد الأسرة الواحدة، ليتعداها إلى أفراد الأسرة الكبيرة. 4- التشبيك مع المدارس، والتواصل مع أفكارها وجهودها في هذا المجال، والاستفادة من الخبرات القليلة المتراكمة، وتحويل أخطائها إلى تجارب مثمرة، يمكن الاستفادة منها. 5- ضرورة التنبه المؤسساتي لأساليب التنشئة الاجتماعية، للأطفال والمراهقين الذين يتم التعامل معهم، وإشراكهم في عملية التغيير التي تهدف إلى دمج مفاهيم التربية المدنية في تصوراتهم للذات والحياة والناس. 6- من المهم خلق آليات مجتمعية تشرك الأفراد والجماعات في تبني ورسم سياسات تحدد الموقف من القيم التي تطرحها التربية المدنية، كالديموقراطية والمشاركة والنقد البناء، وتعرف الحقوق والواجبات وتحمل المسؤولية، وتعزيز قيم المجتمع المدني واحترام القانون والإساهم الفاعل في التنمية. 7- علينا أن نثق أن مجتمعنا يستحق الجهد الذي نبذله من أجله، وأن نثق أيضاً أنّ أبناءناليسوا مجرد زينة اجتماعية، بل هم استثمار بشري، ينبغي أخذه بعين الاعتبار والجدية اللازمتين. 1/21/2005 |