|
ظروفهن المعيشية الصعبة أجبرتهن على مغادرة المملكة.. فتيات مغربيات يهجرّن سرّا لانعاش الدعارة في لبنان |
|
|
|
فاطمة ربيع
|
|
2008/ 11/ 25 |
الساعة كانت تشير إلى الثامنة صباحا حين كنت جالسة بقاعة الانتظار بمطار قرطاج بتونس أنتظر موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى لبنان في مهمة عمل للمشاركة في منتدى المرأة العربية والمستقبل، وإذا بمجموعة كبيرة من الفتيات حوالي 30 فتاة يدخلن إلى القاعة دفعة واحدة..
أعمارهن تتراوح بين 18 و35 سنة، مرتديات ألبسة فاضحة وعلى أكتفهن وخصورهن أوشام مختلفة.. يتمايلن في مشيتهن وكأنهن مخمورات..أصواتهن وضحكاتهن تصل إلى أبعد الحدود..الكل بدأ يحدق فيهن بعجب وتبين من خلال لهجتهن أنهن مغربيات، بدأن في التعارف ومساءلة بعضهن عن المحلات التي يشتغلن بها تواجدنا بعين المكان ونقلنا لكم هذا التحقيق. تتزايد أعداد الفتيات المغربيات المسافرات إلى لبنان يوميا عبر الخطوط الجوية التونسية هربا من مضايقات الأمن المغربي من أجل الدعارة وجلب المال للهروب من جحيم الفقر وبحثا عن تحسين ظروف عيشهن،وتفيد أخبار عديدة بأن المشكلة استفحلت وانتشرت بحدة على نطاق واسع بسبب تراخي مصالح الأمن المغربية في تطبيق القوانين واتساع رقعة الفقر والأزمات الاقتصادية التي تمر بها المغرب.
في هذا التحقيق ستتعرفون على الوجه الآخر للدعارة السرية تحت غطاء عقود عمل وهمية،فالضحايا بمجرد ما تطأ أقدامهن أرض البلد المقصود حتى يجدن أنفسهن «معتقلات» بدور الدعارة في ظروف غير إنسانية، وعرضة للمتاجرة بأجسادهن في سوق النخاسة والمراقص الليلية. "...هذا سبب ولوجنا عالم الدعارة مع الأجانب واليهود" بدأت الفتيات في التحدث عن المحلات والمدة التي يبقين فيها،تساءلت في نفسي عن أي محلات يتحدثن؟ وكيف يمكنني أن أصل إليهم حتى أتقصى الحقيقة؟تشجعت واقتربت من إحداهن لأسألها عن موعد إقلاع الطائرة والتي كنت على علم بتأخرها فأجابت أنها ستتأخر عن الإقلاع بحوالي ساعة وسألتني بدورها إن كنت مغربية فأجبت أنني جزائرية وتنكرت بأنني أعمل تاجرة شنطة أجلب السلع من دول الخليج العربي لأعيد بيعها في الجزائر، واغتنمت الفرصة حينها لأسألها بدوري من أين جئتن وماذا تعملن؟صمتت قليلا وتنهدت قائلة "نحن مغربيات من مناطق مختلفة من المملكة، نعمل في كباريهات لبنان ثم توقفت عن الحديث وأدارت رأسها إلى الجهة الأخرى وكأنها تقول لي كفى من الأسئلة،استدرجتها في الكلام مرة ثانية وأنا أصطنع ابتسامة عريضة على وجهي، فكانت عباراتها وهي تسرد قصتها تمزق القلب وتحرق الروح.اسمها "سعاد" تبلغ من العمر حوالي 25 سنة ذات بشرة سمراء وشعر أصفر اللون،طويلة القامة مرتدية جينز أزرق وقميص قصير يظهر من خلاله بطنها،وعلى كتفها وشم تقول أنها جاءت من "كازا" مدينة دار البيضاء بالمغرب وهي متجهة إلى لبنان حيث تعمل بإحدى الملاهي الليلية في منطقة "جونية"سألتها هل أنت راضية على ما تفعلين فأجابت ورأسها مطأطأ في الأرض "معظم من أجالسهم من الزبائن هم من اليهود والنصارى ولا أطيق رؤيتهم..و لكنه عملي ولقمة عيشي،فأنا أمتنع عن ممارسة الدعارة خلال شهر رمضان حتى أصوم لكن صاحب الملهى يجبرنا على العمل أو سيكون مصيرنا الطرد إلى بلدنا..ماذا عسايا أن أفعل فأنا لا أريد أن أرجع مرة ثانية إلى المغرب لأني أنا وعائلتي نعيش ظروفا جد قاسية فالمعيشة أصبحت مستحيلة ولا أحد يمكنه مساعدتنا " قاطعتها بسؤال مفاجئ لم تكن تنتظره "أهلك على علم بما تعمليين؟"فردت عليا وهي تحدق في الأرض "لا..لا فهم يظنون أني أعمل في إحدى محلات بيع الملابس الفاخرة.. فأنا أذكر جيدا لأول مرة لما جاءتني صديقتي إلى البيت وعرضت عليا العمل معها في لبنان في محلات بيع الملابس والعطور..فوافقت دون تردد،لكن اكتشفت بعد سفري أنه ليس محل لتجارة الملابس بل التجارة بالبشر،فكل اللواتي هنا -مشيرة إلى زميلاتها- أهاليهن لا يعلمون ماذا يفعل بناتهن..صدقيني لو رأت عيناك ما يحدث داخل هاته الملاهي ستمرضين نفسيا لأننا نعاني من عدة ضغوطات ومن لا ترضخ لمطالب الزبائن سيكون مصيرها العنف الجسدي واللفظي وربما الطرد،لأن صاحب المحل لا يحتاج لفتيات "مش شاطرات" ومطلوب منا أن نقوم بفنيات وتقنيات الإغراء حتى نوقع الزبائن في المصيدة ونجلب أكبر عدد للكباري وبهذا يكون المد خول كبيرا على المحل وعلينا فنحن ننافس الروسيات في كباريهات لبنان "ثم سألتها مجددا كم تتقاضين؟"في الشهر حوالي 200 دولار، لكن في بعض الأحيان لا نتقاضى لمدة 3 أشهر ويقتطع صاحب العمل مصاريف السفر لأنهم هم الذين يقومون بتسفيرنا، فكل شيء محسوب لديهم ويبقى علينا نحن أن ندبر الأموال أكثر بأنفسنا، لكن ليس في الشارع لأنه إن عثرت علينا قوات الأمن اللبنانية خارج الملاهي والنوادي الليلية فسنسجن لمدة ثلاثة أشهر ونرحل بعدها إلى وطننا "."وسيلة" هي الأخرى في عقدها الثلاثين ذات الشعر الأسود والعينين الزرقاوين "لونتي" وجهها مسبوغ بشتى أنواع المساحيق كانت جالسة بالقرب منا تستنشق سيجارتها ببطىء وتنصت عما كنا نتحدث إليه، فسألتني ماذا اعمل فأجبت للمرة الثانية أنني تاجرة شنطة أقوم بجلب الملابس والماكياج من بلدان الشرق الأوسط إلى الجزائر وهذه أول مرة أزور فيها لبنان وأجهل تماما محلاتها وأسواقها الشعبية فردت عليا "لبنان جميلة جدا لكن نحن ممنوع علينا الخروج إلى الشارع والتجول وإلا ستلصق بنا تهمة مخالفة النظام العام تصمت قليلا وتضيف " نحن همنا المال وليس غير المال،نجالس الزبائن من الساعة العاشرة ليلا إلى غاية الخامسة صباحا،و أصحاب الكباريهات يجبروننا على مضاجعة كل من يدفع الثمن ولا يهم من يكون ومن أين جاء؟ فهناك بعض الزبائن من دول الشرق الأوسط خاصة من الإمارات،السعودية،العراق وزبائن من أوربا وحتى من إسرائيل كما نضطر إلى ممارسة الجنس مع رجال في مثل سن أجدادنا وكل ذلك بسبب الفقر والتهميش الذي كنا نعانيه في المغرب."شبكة دولية تتاجر بالبشر..و استقبال حار بمطار لبنان سألتها من يقوم بترحيلكن وعلى حساب من؟ فردت وسيلة "نتحدث مع بعضنا البعض في المغرب بطريقة جد سرية حتى لا يضايقنا الأمن الملكي،فكل واحدة تخبر صديقتها وتعرض عليها السفر للعمل وإن وافقت فستدفع لها إحدى النساء المكلفات بالمهمة مبلغ السفر،ويتم صنع لها جواز السفر عليه مهنة"فنانة"،و هم الذين يجلبون لنا تأشيرة السفر ويقترحون علينا السفر عبر الخطوط الجوية التونسية ومن هناك إلى لبنان حتى لا نقع في قبضة الأمن المغربي لأنهم في الآونة الأخيرة قاموا بالقبض على عدة شبكات بتهمة تهجير الفتيات ونشر الدعارة والفساد ".وأنا أتحدث معها لفت نظري فتاة صغيرة ربما لم تتجاوز سن العشرين جالسة في الكرسي الذي أمامي، واضعة يديها في جيبها،بادية على وجهها علامات القلق والاكتئاب ولا تتحدث مع أي أحد سألت صديقتها ما بها فذكرت لأول مرة تسافر وتجهل ما ينتظرها وأهلها لا يعلمون أين هي الآن؟لكنها ستتعود مثلنا تماما فهذا ما يحدث للواتي يسافرن للمرة الأولى"واصلنا رحلتنا ولدى وصولنا إلى مطار رفيق الحريري ببيروت اندهشت ما رأت عيني،فالفتيات المغربيات يستقبلن استقبالا حارا من طرف مسؤولي المطار الذين كانوا في انتظارهن وعلى علم بوقت وصولهن..أردت أن أعرف المزيد وأتقص بقية الحقائق حول السياحة الجنسية وقفت قليلا محدقة عما يجري وملتزمة الصمت وإذا بأحدهم فجأة يقف أمامي مرتدي زي الأمن اللبناني طالبا مني جواز سفري متصفحا إياه بسرعة كبيرة وحين تيقن أنني صحافية من الجزائر طلب مني مغادرة المكان مشيرا إلى الباب بيده حتى أكمل إجراءات الوصول، فتيقنت حينها أنها شبكة دولية تقوم بترحيل الفتيات العربيات إلى دول المشرق للاتجار بهن ولها نفوذ كبير.بعدها قام هؤلاء الأعوان بعزل الفتيات عن بقية المسافرين وأخد منهن جوازات سفرهن حتى لا يهربن الى بلد أخر ومن هناك تذهب كل واحدة إلى عملها في أماكن مختلفة من بيروت..بنات ضائعات..والسفارة المغربية في لبنان ملتزمة الصمت ومن بين المفارقات العجيبة التي صادفتها في رحلتي هي عند انتهاء مهمتي وعودتي إلى بلدي الجزائر،التقيت بفتاتين مغربيتين في مطار رفيق الحريري بلبنان يطالبان بجواز سفرهما من امن المطار للعودة إلى المغرب بعد أن ضاق بهم الحال ووجدتا أنفسهما في عالم آخر صعب العيش فيه.اسمها " عائشة" فتاة مغربية من منطقة " مراكش"، في أواسط العقد الثاني من العمر متوسطة الجمال، تقول كان الموضوع صعب جدا،لم أستطع العمل هناك فهو منافي لتقاليدنا العربية وديننا الحنيف،فالمغربيات هناك يشربن الخمر ويرقصن عاريات مع الأجانب ويمارسن الدعارة،لاندري لماذا السفارة المغربية هناك ملتزمة الصمت عما يجري.. فهناك من تسجن بسبب مخالفتها للنظام وهناك شجارات فيما بينهن للظفر بالزبائن الأثرياء حتى أنهن ينافسن العاهرات الروسيات في العمل،صدقيني لم أنم منذ أسبوع بسبب ما شاهدته،فالفتيات المغربيات يدخلن إلى غرفهن في الفجر وهن سكارى ماذا عسايا أن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فأنا قيل لي أني سأعمل في مطعم محترم وسأتقاضى شهريا مبلغا محترما لكن وجدت عكس ذلك " و أضافت عائشة أنه لدى وصولها إلى لبنان أجريت لها هي وصديقاتها فحوصات طبية وتحاليل حتى يتأكد أنهن لا يعانين من أمراض تعيق عملهن وتقول "الحمد لله بعد إجراء التحاليل تبين لهم أنني مصابة بمرض فقر الدم حيث سألوني إن كان يغمى عليا بين الحين والآخر فكذبت عليهم وأجبت بنعم واني أقع على الأرض في أي لحظة حتى أتخلص من كيدهم،فطلب مني صاحب العمل المدعى "رولي" المغادرة لأني لا أنفع في نظره وأوصلوني هم إلى المطار "تصمت قليلا وهي تبلع ريقها...تبحث في حقيبة يدها ثم تخرج لي المصحف الشريف وهي تبكي وتقول "هذا الذي حفظني من أولئك الأشرار، لقد حملته معي عند سفري حتى لا أصاب بأي أذى..فأنا أحسست أن هناك شيء يدبر لنا في الخفاء من وراء هذا العمل السري "تقاطعها صديقتها "كريمة " والتي التقت بها في المطار تبحث عن جواز سفرها هي أخرى حتى تغادر لبنان" أنا كذلك أحمد الله لأنهم رفضوني بسبب السمنة حيث طلب مني أن أرجع إلى بلدي وأنقص من وزني حتى أبدوا رشيقة ". فاطمة ربيع، صحفية من الجزائر، (ظروفهن المعيشية الصعبة أجبرتهن على مغادرة المملكة.. فتيات مغربيات يهجرّن سرّا لانعاش الدعارة في لبنان)
خاص، نساء سورية
|