|
ربا الحمود
|
|
2008/ 11/ 25 |
بعد غياب دام لأكثر من سنة التقيتها.. كنا معا منذ أن بدأتُ أتلمس بداية ذاكرتي مع طفولتي لنقترن معا ضمن طفولة واحدة ومدرسة واحدة.. وكذلك المقعد الذي جمع بيننا لسنوات طويلة، لنتقاسم وإياه صداقتنا وخصوماتنا وعبثنا الطفو لي الذي مر بنا على عدة مراحل إلى أن كبرنا.
أسهبت بحروفي، ونسيت أن أخبركم أن صديقة طفولتي وشبابي ورفيقة كتبي ودراستي وربما الكثير مما املكه بين ثنايا عقلي وقلبي مما اختبرناه معا، قررت الابتعاد عني بشكل جزئي إلى أن انقطعت عني نهائيا.. إلى هذه اللحظة التي انظر إليها الآن بين زحمة المارة في السوق.كعادتي وبسرعة أحاول أن اشتري لوازمي وامضي، لكن عيناي تلقفتا وجهها من بين الزحام ومن ثم جال نظري بها من أخمص قدميها حتى حجاب رأسها. تساءلت مع نفسي: أيعقل أنها هي؟ توجست للحظة أن أناديها وأكون مخطئة، فقد تغيرت ملامحها كثيرا..وكذلك لباسها.ولم يكن هناك من وقت أو مجال لأخاطر بالتفكير كيلا افقدها في زحمة السوق، وقبل أن أقرر كانت يدي قد أمسكت بكتفها لتستوقفها.لحظات مرت ونحن نتمعن وجوه بعضنا قبل أن نغرق في عناق طويل. مشينا حتى نهاية الشارع الذي أخذنا إلى اقرب مقهى، تهاوينا على مقاعده متعبتين من المفاجأة فيما بقيت حدقة كل منا لاترف عن الإمعان بالأخرى.- لم تتغيري مازلت كما أنت!كنت لازلت أحدق بالتغير الكبير الذي جرى عليها خرجت من صمتي لأجيبها: + كما أنا تماما.. بعكسك أنت!وكان في لهجتي مزيج من العتاب والغضب اندمج مع بعض علامات التعجب والاستفهام التي علت معالم وجهي.وسارعت بتساؤلي الذي رماه فضولي إليها منتظرا الكثير من التبرير.. أين أنت؟ لماذا لم تأت لتقديم موادك؟ هل من خطب؟ ولماذا كانت خالتك ترفض أن تقول لي أين أنت؟!أسئلة كثيرة استحضرها طبعي اللجوج، لأحاصر تفكيرها بعلامة استفهام كبيرة انتظرت أن ترد عليها بإجابة مطولة.نسيت أن أخبركم أن صديقتي كانت يتيمة الأب والأم توفيت والدتها حين أنجبتها وحملّتها العائلة سبب فقدانهم لامهم، وبد فترة وجيزة تزوج والدها قبل أن يتوفى بأشهر لتعيش محرومة الأبوين وتشعر بذنب وجودها في الحياة الذي كان سببا في رحيل أمها..- لم أكن في البلد.. كنت مسافرة.. + ولماذا؟ - ذهبت لزيارة ابنة عمي بعد أن أرسلت إلي دعوة مع تكلفة السفر والطائرة، وهناك وجدت عملا في محل تجاري، ولم تمض أياما حتى تعرفت على أصدقاء للعائلة وتقدم لخطبتي احد أصدقائهم.. انه شاب وسيم، متدين، يخاف ربه، وكان له بعض الشروط! + أكملي.. قاطعت صمتها المصطنع فقد كان للقصة التقليدية تتمة! عادت تحاول إخباري تسارع أحداث خطبتها وكان واضحا في حديثها بأنها تحاول أن تضعني في صورة المتغيرات الجديدة في حياتها والتي استلزمت منها كل هذا البعد والتغيير.! - لقد طلب مني أن أتقرب إلى ربي أكثر فالحجاب وحده لا يكفي!! علي أن احضر الدروس بشكل متواصل وان أغير لباسي إلى لباس محتشم أكثر.. + ولكنك محجبة!! - الحجاب وحده لا يكفي.. أه.. يا صديقتي.. لو تعلمين كم كنت غارقة في الضلالة! وكم انغمست في ملذات لا تغني شيئا عن الثواب الكبير! واظبت على دروسي وأنا الآن في مراحل متوسطة من تعلمي لأصول ديني.كانت كلماتها قد نزلت على وجهي وعقلي وجسدي الذي رسم معالم لا أستطيع تفسيرها!! الضلالة.. والملذات؟! ولم أتمالك نفسي عن السؤال: + أي ضلالة عزيزتي وأي انغماس؟! هل نسيت انك قد رسبت في سنتك الثالثة بسبب سفرك!وعادت إلى نفس تلك اللهجة الغريبة. - قررت ترك الجامعة منذ أن علمت أن دراستي الحقيقية هي في معرفتي ببديهيات الحياة وسبب فناء الإنسان وبقيمة الخلود! أنا الآن أدرس لأجل الخلود الذي أسعى إليه منذ اشهر.. علي أن أنال ثواب الآخرة!!كلماتها كانت تخيفني، تتلاعب بأعصابي، وبعدم قدرة عقلي البسيط الذي يحاول جاهدا أن يحتوي سنتي الثالثة الكثيفة، فكيف له بهذا الكلام الغريب عن مسامعي وإدراكي!عدت انظر إليها من جديد، كانت تلبس عباءة سوداء لفت بها جسدها، واخفت تحت هذه العباءة عدة كيلوغرامات كانت قد اكتسبتها من جراء اللباس الفضفاض الذي أحاطها من كل صوب، وكان منديلا اسودا قد لف حجابها الأسود! وتساءلت في نفسي.. هل تقوم بتغطية وجهها به؟ أم انه مجرد تتمة لهذا الزي! وكانت هي لازالت تتكلم بمفاهيم ونظريات لم افهم منها شيئاً سوى حروف تشكلها جملا لم استطع أن أصفها إلا بالجمل الغوغائية الخالية من أي معنى حقيقي وواضح! أو لعل بساطتي لم تع تلك الأفكار الضخمة التي تحاول بثها إلي من هذا المقهى الذي قد ينوء بوطء هذا الحديث الصعب! وجال نظري في الأكياس التي تبضعت بها في السوق، وكانت قد اشترت الكثير من الحاجيات ومن محلات غالية جدا. أعادتني أكياسها إلى تلك الأيام التي كنا فيها ننزل السوق معا ونجرب الملابس، ولا نشتري!الآن اشعر أنها بعيدة عني تماما، لا أجرؤ على مجرد سؤالها عما تبضعته! حزن وخيبة أمل كبيرين بدأا يتسللان إلى نفسي التي لم تتعلم حتى الآن كيف تقوم بتحصين حساسيتها المفرطة من تلك المشاعر التي تحاول دائما، وتنجح في أن ترسم الانطباع الحقيقي الذي اشعر به على وجهي الحزين دائما!كنت قد عزفت عن سماعها منذ فترة، وتركت لذكرياتي وأفكاري أن تأخذني بعيدا إلى الوراء.. إلى اللحظة التي دخلنا فيها فرعنا الدراسي معا وكنا قد تعاهدنا على المواظبة على الدرس، إلى تلك الأيام حيث كنا قد فررنا أن نعمل ضمن مكتب مشترك بعد التخرج، والى موجات الضحك الهستيرية التي كنا نغرق بها عند رسوبنا في بعض المواد..ذكريات كثيرة مرت أمامي كشريط تداخل في موسيقا خاصة كانت تعزف بصوتها الذي اسمعه الآن وبأفكارها التي كانت كدخيل غريب على براءة تفكيري الساذج.قطع تلك السلسلة صوتها يناديني: - ما رأيك؟ + رأيي.. أنا..! بما ذا؟.. لم أكن اسمعها أبدا أو لعلي كنت قد خفت من حديثها الدخيل. - فكري بعرضي إنها فرصة جيدة للحياة من جديد.. + أي حياة.. وأي فرصة..!وعادت من جديد تسرد علي حديثا لم يكن دخيلا فقط.. بل كان مرفوضا حتى على مسامعي أن تتلقف تلك الأفكار البليدة.كان عرضها أن أسافر معها لأيام، علّي أحظى بفرصة قبولي في ذلك المعهد الذي سيودي بي إلى ذلك الخلود! وبرأيها: إن كنت من المحظوظات قد أحظى بزوج يساعدني على الوصول إلى الكمال الذي تتوق هي لأجله!.. كانت تعتبر ما وصلت إليه هو الكمال وترى عرضها عليّ فرصة.. وأي فرصة..كالعادة.. بدت مشاعري على وجهي الذي تحول إلى تهكم واضح.. أجبتها بطريقة اقرب إلى من يدافع عن أفكاره وحلمه ممن يحاول سرقتهما.. كان عليها، وإن فقط بسبب تلك السنوات الطويلة التي أمضيناها معا في غرفنا وألعابنا ومقاعدنا، أن تعلم أن طرحها لي غير مقبول في عقلي وطريقة تفكيري. أخبرتها أن ما تدعيه فرصة هو بالنسبة لي نهاية.. أو ربما موتاً بطيئاً! هو جمود للعقل والتفكير والحرية التي تعرف هي جيدا كم اسعى لأحصل ولو على القليل منها في حياتي.وجهت سؤالي الأخير الذي أنهى معرفتنا القديمة: + ما لذي منعك كل هذه الأيام من الاتصال بي؟ أو على الأقل أن تقومي بطمأنتي عليك؟كان ردها متناسباً مع ما سمعت قبل قليل: بضع كلمات جارحة أدمت كياني الذي بدأ يهتز منذ بداية هذا اللقاء! لقد أخبرتني أن هذا الرجل الذي سترتبط به طلب منها أن تقطع علاقتها بي، وبكل الفتيات "البعيدات عن أمور دينهن"! إلا إذا غيرت تفكيري! فعندها قد تتمكن من معاودة الاتصال بي!!كم اعتراني الألم من ذلك الحديث؟! وكم أثار الدهشة في نفسي كيف استطاعت أن تتغير بهذه الطريقة؟ هل هو فقدها للحنان الأسري الذي وجدته في رجل سيطر على عقلها وقلبها، وفرض عليها تفكيره، وغربل لها ما ناسب عقله من أصدقائها؟! كم أنا حزينة على سنوات دراستها تلك التي لم تستطع أن تثبت في عقلها حتى مقاومة أفكار غريبة كهذه استطاعت احتلال عقلها بكل تلك البساطة! وكم اشعر بالسخرية والأسى على تلك الأيام التي فضلنا فيها قراءة أفكار ابن رشد على تلك المواد الجامدة التي كنا نكره أن نقسر على دراستها! هل سيغفر لنا ابن رشد استخافنا به؟ وأننا كنا نتسلى فقط بقراءته دون أن نعي يوما كيف تدخل هذه الأفكار إلى عقولنا لتترسخ وتتبلور رؤية مطورة إلى العالم المتطور الذي تخيلت أننا حقا نعيشه الآن؟انتهى حديثنا. وتجهمت وجوهنا التي ما عرفت يوما مثل تلك النظرات التي تبادلناها كاتهامات قاسية متبادلة.. ووصلنا إلى مفترق الطريق: وقفنا دقائق طويلة من الصمت السلبي والمستهجن.. كسرتْ جمود اللحظة بجملة لن تفارق ذهني: - فكري بما قلته ولن تندمي أبدا.. لم أجد كلمات أرد بها. فقط نظرة واحدة لا أدري إن وصلت منها إجابتي لها! كانت عيناي تخبرانها ان "فرصتها" أضيق بكثير من أحلامي وطموحي الذي لا تتسع له حتى هذه المدينة الصغيرة!التفت إلى الجهة الأخرى للطريق.. وسرت دون وداع.. دون كلمة.. ولم أنظر أبدا إلى الوراء.. ربا الحمود، عضوة فريق عمل نساء سورية، (على مفترق طرق..)
خاص، نساء سورية
|