|
ثناء فارس
|
|
2008/ 11/ 25 |
لطالما نظرتُ إليها واعتقدت أنها جبل لا تهزه ريح.. لطالما اعتقدت أن بها من الثقة ما يكفي لتأسيس حضارة.. هي مدرستي لمادة الفيزياء في المرحلة الإعدادية، أم كفاح سيدة في الأربعينات من عمرها، على يديها تتلمذت وأصدقائي.
أم كفاح أم مناضلة، أم انجبت الطبيبتان ليلى الأولى على مستوى المحافظة ومنى الأولى على مستوى المحافظة والثانية على مستوى القطر وكل أولادها بنفس السوية العلمية. أم كفاح هي الزوجة المتفانية التي منعها زوجها من تدريس المرحلة الثانوية لمنع الاختلاط بالذكور فالطلاب رجال في هذه المرحلة على رأي زوجها! بحكم القربى تزوجت هذه المرأة من أحد أقاربها الذي كان في كلية الهندسة ليتركها بعد ذلك ويعمل كحارس لأحد الآبار في مديرية الزراعة، ليسلبها راتبها في نهاية الشهر ويقسط عليها المصروف اليومي،كل يوم بيومه ويحرمها متاع الحياة والمرأة صابرة على ذلك مع الإساءة اللفظية اليومية فقررت هذه المرأة أن تصبر على حياتها وتربي أولادها أحسن تربية وتبقي الجرح في قلبها إلى أن جاء أحد الشباب ليطرق باب بيتهم طالبا يد ابنتها الكبيرة ليلى.فتقول المرأة لزوجها أنه غير مناسب لابنتها فيكون رد الزوج بطردها من البيت والإهانة اللفظية. فعادت المرأة مكسورة الخاطر إلى بيت أهلها بعد قرابة العشرين عاما مع زوجها،لتطرد أمام أولادها الذين تحملوا معها هذه الحياة،ليُشاع صيتها في القرية وينتشر خبرها أمام طلابها وصديقاتها وكل من رأى فيها جبل لا تهزه ريح. فيتدخل كالعادة المصلحون فتقول أم كفاح إلى من سأعود ولماذا؟! هو عمر أمضيته في الهم والغم،فماذا سأنتظر أكثر من ذلك! عمر ضاع في الإهانات والضرب، عمر ضاع بين التحطيم واليأس وسلب كل ما أملك نظرتي إلى نفسي،ثقتي،لقد سلبني كل ما هو جميل فيّ.. و لكن شاءت الظروف أن يُطلب من ابنتها منى مقابلة في التلفاز لتفوقها في المرحلة الثانوية بحضور والدتها وووالدها.. فكان الخيار الصعب وتتصرف أم كفاح بحكمتها المعتادة وتتصل ببناتها ليأتين لأخذها ولتعود إلى بيتها فكما تقول لن أهدم كل ما أمضيت العمر ببناءه !! أم كفاح نموج حي للكثير من النساء في حوران اللواتي يربين ويعشن التناقض بين الاحترام والشخصية المستقلة خارج أسوار البيت والتحطيم والإهانة والإساءة اللفظية والجسدية في داخل البيت. نموذج للنساء العاملات في البيت والخارج اللواتي يفنين العمر في العمل دون أية ملكية اقتصادية. هذه هي أم كفاح والكثير من السيدات في حوران اللواتي يخفن كلمة مطلقة والفضيحة الاجتماعية فيفضلن البقاء في الظلمة والتعايش مع كل أنواع الإهانة..!!
ثناء فارس، (أم كفاح..!)
خاص، نساء سورية
|