|
التمييز المضاد للمرأة في مجال المعلوماتية |
|
|
|
م. نجوى خباز
|
|
2008/ 11/ 23 |
يعتقد كثير من الناس أن استخدام الحواسيب مجال يسيطر عليه الذكور،وأن الرجال متفوقون على النساء دوماً في استخدام الحواسيب،من حيث الثقة بمهاراتهم الحاسوبية،واهتمامهم بالحواسيب وفهمهم لفوائدها والإلمام بها عموماً.
فهل هذه الأفكار السائدة القبلية في المجتمع هي السبب الذي يدفع المرأة إلى مؤخرة الركب المعلوماتي؟ أم هناك أسباب فطرية تدعو لقلة حضور النساء في هذا المجال من العلوم بالذات، وبعبارة أخرى هل لدينا هنا مشكلة تحيز حقيقية فيما يتعلق بالجنس؟ ومن أين تأتي أصول ذلك في الأساس؟ فلنر معاً ما تقترحه الدراسات المتعلقة باختلافات الجنس في استخدام الحاسوب.عملية التربية: كشفت عدة دراسات تتحرى عن اختلافات الجنس في استخدام الحواسيب، أن الذكور يميلون إلى أن يكونوا أكثر اهتماماً بالحواسيب من الإناث، وأنهم يستخدمون الحواسيب أكثر من الإناث في عمر أصغر، وتشير دراسات أخرى إلى أن التفضيل في استخدام الحاسوب، أو بعضه على الأقل، ينجم عن التربية التي تحدث خارج المدارس، فالآباء على سبيل المثال يرجحون شراء العاب الحاسوب والفيديو لأبنائهم على بناتهم. كما تلاحظ عدة دراسات أخرى أيضاً أن اختلاف الجنس في استخدام الحاسوب تنشأ من أجهزة الإعلام التي تميل إلى إعلان استخدام الحاسوب أساساً بوصفه نشاط ذكوري، فالشركات التي تبيع ألعاب الفيديو تتوجه جوهرياً إلى الذكور بتصميم الألعاب العدوانية والتنافسية التي غالباً ما تتعامل مع الحرب والمعارك وسباقات السيارات، وتبرر بعض الجهات القضية كما يلي: عندما يشارك الصبية منتج لعبة ما مع البنات يفقدون اهتمامهم في شراء هذا المنتج لأنهم يعتقدون (أنه للبنات) ولذلك فهو منتج أقل شأناَ!! وعلى نفس الشاكلة، تتوجه الإعلانات الخاصة بالأجهزة والبرامج في مجلات الحاسوب إلى الجمهور بتصوير الذكور يشتركون بنشاط في حل مشكلة ما على حين ينحصر دور الإناث (في حال وجودهن) في الأدوار الثانوية مثل المساعدين أو نماذج الصور الجميلة للطابعات الملونة أو الماسحات الضوئية. المناهج المخفية في المدارس: ترى هل تؤثر أفكارنا الشائعة في قواعد التعليم في قاعات مدارسنا؟ وإلى أي مدى يؤثر تحيزنا الجنسي في تفاعلنا الفردي مع الطلاب، وفي تقييمنا لأدائهم وإمكاناتهم، فنشجع بعض الطلاب ونثبط عزيمة آخرين؟ في الواقع إذا أخذنا بالاعتبار تأثيرات التربية في البنات قبل دخول المدرسة، فمن المنطقي أن نسأل: أيعطي المعلمون فرصاً متساوية في استخدام الحواسيب للجنسين؟ ولسوء الحظ تقول الأبحاث أن التحيز واضح في قاعة الدروس أيضاً، إذ يبدي المربون منهجية ضمنية تفضل وتشجع الذكور في الخبرات الحاسوبية، ولأن الصبية يأتون إلى المدارس ولديهم ثقافة حاسوبية أعلى من البنات في المدارس المختلطة، فإن لمواقفهم التنافسية تأثيراً سلبياً في البنات في مختبرات الحاسوب، وقد لاحظ أحد الباحثين أن نشاطات المجموعات المعتمدة على الحاسوب، تبين أن نتائج الإناث تكون أدنى عندما يعملون مع الذكور مع أن نتائج نفس الإناث في المهام المماثلة تكون أفضل عندما يعملن عملاً منفرداً أو مجموعات من جنسهن. أما في قاعات الدروس الجامعية، فغالباً ما يعرف الطلاب الذكور على الأرجح كيف يتواصلون تواصلاً فردياً وخاصة مع الأساتذة، إضافة إلى تلقيهم وقتاً وتشجيعاً أكثر خارج الصف، ويحصلون على فرص تدريب من قبل الأساتذة أكثر مما تحصل عليه الإناث، وتكسب اقتراحاتهم وتعليقاتهم انتباهاً أكثر مما تكسبه الطالبات، فضلاً عن أن الرجال يميلون إلى الكلام أكثر من الإنصات في التجمعات، وذلك أسلوب معروف عام يتضمن سكوت النساء في اغلب الأحيان، وحتى على صعيد النشر تنص بعض دراسات تقييم الأعمال المنشورة، أن مراجعي الأبحاث المنشورة عندما يعتقدون أن مؤلف العمل ذكر، يميلون إلى تقدير العمل أعلى منه في حالة كون المؤلف أنثى. التوظيف والرواتب والترقيات: تثبت بعض الدراسات أن نسبة الخريجات اللواتي يحصلن على عمل مقارنة بالخرجين، لا تتجاوز 30% إلى 35% وأن النساء تحتل نسبة صغيرة جداً من المناصب العالية المستوى، على سبيل المثال وجدت إحدى الدراسات أن نسبة المديرات من النساء لا تتجاوز ثلاثة من الألف في مجال الحاسوب مع وجود كفاءات مرتفعة لهن أو درجات تخرج عالية، أي أن النساء لم يمثلن في المناصب العليا في الشركات لأنهن، لسبب ما، توقفت ترقيتهن في مكان ما على الطريق إلى القمة. أما فيما يتعلق بأجور العمل (في القطاعات الخاصة) فتبدو الصورة أكثر ظلماً، منذ بداية التوظيف تعطى النساء أجراً أقل من الرجال في معظم الحالات، وتزداد عادة فجوة الأجر هذه مع الوقت، ويعود جزء من سبب ذلك أن النساء لا يرقين بسرعة كالرجال، أما الشركات فتبرر ذلك بأن النساء يخترن المهن التي تدفع أقل، وأن خبرتهن أقل من خبرة الرجال نظرائهن، بسبب انشغال النساء بأمور أخرى كتربية الأطفال ورعاية المنزل، من جهة أخرى، يرى الناس بوجه عام في الرجل الذي يدافع عن نفسه في محيط العمل، رجلاً مؤهلاً وحازماً، على حين ينظرون إلى المرأة في هذه الحالة في أنها عدوانية ومشاكسة، وكل نجاح يحققه الرجل في العمل يرونه نتيجة قدرته وإمكاناته، على حين ينسبون نجاح المرأة إلى الحظ والظروف الخارجية، ولذلك لا يرون في إنجازات المرأة مؤشر نجاح مستقبلي. وعلى صعيد الإنترنت، تذكر الدراسات أن النساء يشترين أجهزة حاسوبية أقل من الرجال لأنهن يكسبن دخلاً أقل من الرجال ويفتقرن في أغلب الأحيان إلى المودمات والبرامج التي تسمح بالدخول إلى الإنترنت، فضلاً عن ذلك، تعمل النساء في مهن توفر فرصاً أقل في استخدام مصادر مجانية على الإنترنت، ونتيجة لهذه العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مضمونة إلى أساليب التربية المتقدمة الذكر، تبقى معظم الجالية على الإنترنت مجالاً أكبر للذكور. وأمام هذا كله لا يسع المرء إلا أن يقول: في الواقع من الواضح جداً أن المجتمعات تبدي تحيزاً ثقافياً لمصلحة الذكور بوصفهم مستخدمين للحاسوب، على حين هناك نقص في التعزيز الاجتماعي للاهتمام بالإناث، وان الجنس عامل هام في التوقع القبلي لاهتمام الفرد المحتمل في استخدام الحاسوب منذ الصغر، ربما لأن البرامج الترفيهية والتربوية تعبر عن تحيز مصمميها الذكور بالدرجة الأولى، أو لأن ذلك نتيجة الصعوبات التي تواجهها الطالبات في المؤسسات التعليمية مقابل الطلاب الذكور وربما لأن المجتمع وبالذات الآباء والمعلمون، يتوقعون سلفاً أن الصبية والرجال سيكونون أكثر مهارة واهتماماً في استخدام الحواسيب من البنات والنساء، فيؤدي ذلك إلى يتلقى الذكور دعماً وتشجيعاً أكثر من الإناث، وقد تكون كل هذه العوامل مجتمعة تساعد على تشكيل موانع تمنع النساء من المشاركة الكاملة في الفرص المتاحة من خلال استخدام الحواسيب. إننا في الحقيقة بحاجة لأن ندرك منهجيات ثقافة استخدام الحواسيب التي تعزل النساء وتعيق مشاركتهن الكاملة في استخدام الحواسيب، وفي البداية على طريق حل المسألة علينا أن نعترف أولاً بوجود المشكلة، ثم نعقد النية على معالجتها وحلها ولو جزئياً وأول خطوة في الحل أن نفهم المشكلة، أما أن نعترف بالمشكلة، فلدينا على طريق ذلك أفخاخ نقع فيها تعمل على تبسيط قضية التحيز للجنس أو إخفائها، وتعيق قدرتنا على فهمها بالنتيجة. الفخ الأول: كل شخص يمكن أن يواجه تحيزاً ما كثي رما يتردد على الألسنة رداً على وجود التحيز المضاد للمرأة: (أن كلاً منا يتعرض على نحو ما للحيز في حياته) وفي الواقع من المهم التفريق بين الحالات الفردية للتمييز وبين التمييز الشامل فالتحيز للجنس هو تحيز شامل يأتي نتيجة اعتقادات ثقافية واجتماعية تنظر إلى الذكر على أنه رئيس وإلى الأنثى على أنها تابع. الفخ الثاني: إن وجود النساء في مجال ما، يكافئ غياب التحيز الجنسي أي أن نعتبر أن نجاح بضعة أفراد يكافئ عدم وجود التحيز، كأن نقول (لدينا رئيس قسم من النساء، ولذلك ليس هناك تحيز جنسي للرجال في سياسة التوظيف في مؤسساتنا) وهذا يشبه القول: (ما دام بعض الأفراد قد نجوا من تحطم طائرة ما، يمكننا أن نفترض أن تحطم الطائرة ليس ضاراً)، صحيح أن وجود النساء في مكان ما قد يشير إلى درجة معينة من التقدم، لكنه لا يشير إلى غياب تأثير التحيز الجنسي، هناك نساء ناجحات جداً في حقل استخدام الحواسيب، لكنهن نجحن ليس لأنه لم يكن هناك عقبات في طريقهن بل لأنهن تغلبن على العقبات، ويستمر ميدان استخدام الحواسيب في أن يكون غالبيته من الرجال. الفخ الثالث: النساء بحاجة إلى التغيير الفخ المحتمل الآخر أن نستنتج أن النساء يجب أن يتغيرن، أي أنه إذا اعتمدت النساء الخصائص والمواقف المرتبطة بالجنس الذكري فعلى الأرجح عندئذٍ أنهن سينجحن، وهذا يعزز ببساطة النظام المرتبي الذي يعتبر أن خصائص الجنس الأنثوي أدنى من خصائص الجنس الذكري. الآراء المعارضة: وقد يجادل البعض بالسؤال: إذا كنتم تريدون نساءً أكثر في حقل الحواسيب، فأين تريدون نساءً أقل؟ إن وجود النساء أكثر في بعض الأماكن يستتبع وجود نساء أقل في مكان آخر، فلماذا لا تحددون أين تريدون بالضبط نساءً أقل؟ وما هي النسبة المثالية للنساء مقابل الرجال في كل حقل، ولماذا تفترضون أن العالم سيكون أفضل بوجود نساء أقل هنا وأكثر هناك؟ ما هي الخسارة مثلاً من أن يكون هناك نساء مؤهلات طبيبات بدلاً من أن يصبحن مهندسات حواسيب؟ إن زيادة النساء في حقول العلوم بوجه عام تعني أن ندرب الرجال كي يكونوا مربيات وأمهات وممرضات وغير ذلك من المواقع التي تجيدها المرأة بالفطرة!!! ينبغي أن تكون القضية المركزية للنقاش هي: أين يجب أن يكون النساء بحيث يكون إنتاجهن أفضل وأكبر، وليس كيف ندفع النساء إلى مجالات معينة من العلوم وحسب. وربما يقول آخرون أيضاً: إن الحواسيب والتقانة هي جزء من حياتنا اليومية، فلماذا إذن القلق حول التحيز الجنسي المضاد للنساء في هذا المجال بالذات؟ أو يقول غيرهم: إن غالبية هذه الحقل هم رجال من الناحية التاريخية، فلماذا المطالبة بزيادة تمثيل النساء في حقول غالبيتها من الرجال من الناحية التاريخية؟ ونترك للقراء والقارئات الأعزاء الرد على هذه المزاعم. لكننا نقول في الخاتمة إن الاستثناء المستمر للنساء من العلوم والتقانة بوجه عام يشير ضمناً إلى أن أي تطور علمي تقاني (تكنولوجي) سيؤثر في حياة النساء من حيث ضعف حضورهن فيه، وذلك لا يخلق عوائق تقف في وجوههن ويحرمهن من المشاركة في القرارات الحاسمة فحسب، بل يضر المجتمع في جملته أيضاً، وبهذا المفهوم يمكننا تطوير استراتيجيات معينة لتقليل تأثير التحيز في مناهج وأصول التعليم، وفي تفاعلنا مع الطالبات وتقييمهن، وفي تفاعلنا مع زميلاتنا في النساء، ومن العقم أن نحاول مخاطبة التمثيل غير المتكافئ للنساء في استخدام الحواسيب دون أن يمتلك أعضاء مهنة استخدام الحواسيب فهماً أعمق وأوسع للتحيز الجنسي وتأثيره الواسع الانتشار، وما لم نطعم ثقافتنا ومفاهيمنا في استخدام الحواسيب، بالقيم المرتبطة بالجنس الأنثوي سنواصل إعاقة النساء عن الوصول إلى الفرص التي يستحققنها في مجال الحواسيب واستخداماتها. وعسى أن يتلاشى بعدئذ غياب النساء عن كليات علم الحواسيب وتتحفنا الأيام بأسماء أنثوية رنانة في هذا الحقل من الإبداع تخلع عنه العباءة الذكرية، من يدري؟ م. نجوى خباز، (التمييز المضاد للمرأة في مجال المعلوماتية)
عن، مجلة المعلوماتية /العدد 33/تشرين الثاني2008،
|