|
يوم عادي في حياة أشخاص عاديين |
|
|
|
رنا مـحمد
|
|
2008/ 11/ 22 |
فتحت عينيّ هذا الصباح باكراً ككل صباح متأففة من صوت منبه الساعة، فنهضت، رسمت على وجهي ابتسامة وأدرت آلة التسجيل ووضعت ركوة القهوة على النار وعدت للغرفة لإيقاظ زوجي،
وعندما يئست ككل صباح أيضاً من إيقاظه نهض مسرعاً وغاضباً ليسابق الوقت الذي يداهمه ويجتهد كيلا يتأخر على عمله فيحسم مراقب الدوام من راتبه أجرة اليوم. وكعادتي بعد ذهابه، أعجز عن النوم فأشرب ركوة القهوة المعتادة مع صوت فيروز... ثم: قليل من أعمال البيت... قليل من العمل على الكمبيوتر ضمن البيت، فقد طردني رب عملي السابق من وظيفتي طبعاً عملي كان في القطاع الخاص بطريقة لا أخلاقية بعد زواجي بعد خدمة سنتين ونصف في العمل بدون أي تعويض أو حتى إعلامي من قبل أنه سيفعل ذلك، والسبب الوحيد أنه لا يريد متزوجات في مكان عمله!! فالمتزوجة لا تناسب العمل! ولا أدري ما حجته حتى الآن، علماً أنه مثقف كبير!!... المهم، أتابع تمضية الوقت مع قليل من المطالعة... تجهيز الغداء، ثم وضعه على الطاولة بانتظار وصول زوجي، ثم اتصاله المفاجئ كل يوم! ليخبرني أنه لن يأتي ظهراً، فأعيد الطعام للمطبخ كما جاء... ثم أعود للعمل على الكمبيوتر حتى حلول المساء... أحياناً أذهب مع صديقتي أو أزور والدتي أو بعض الأقارب أو أتسوق من السوق أو أسير وحيدة لبعض الوقت، وأحياناً لا أخرج من البيت لأيام عديدة محتجة بضغط العملالذي بات مملاً وجامداً خلف شاشة الكمبيوتر... وهكذا حتى المساء المتأخر... وكعادتي في ذلك الوقت، أستقبل وجه زوجي (المُكْفَهِرْ) بوجهي (الـمُـشَـفْـتَـرْ: أي الغاضب) وينتظر واحدنا أن يبدأ الآخر بالمشكلة.. عفواً: أقصد النقاش. نحاول بداية ألا يعلو صوتنا متقنعين بالحضارة والتهذيب وأهمية الحوار في العلاقة الزوجية، لكن نقاشنا يتطور بسرعة قياسية إلى صراخ مقيت لأني أعرف مسبقاً أن لا نتيجة منه.... فيبدأ بتوجيه الاتهامات ليبدون مناسبة طبعاً بأني لا أحترم تعبه، فأصد اتهاماته، التي بدون مناسبة، بتوجيه الاتهامات له أنه رجل شرقي وتقليدي ولا مكان في حياته للحب، وأن حبنا تحول بسرعة رهيبة إلى حياة روتينية بليدة وعلاقة زواج تقليدية وغبية كنا نخشى الوقوع بها طوال حياتنا، وأننا نتحول شيئاً فشيئاً إلى أشباه بشر وكائنات معزولة حتى عن بعضنا أو عن أنفسنا... ثم يبدأ بالشكوى من التعب والإرهاق وأنه يشتاق لرؤية ابتسامتي، فتنكسر حدة كلامي لأبدأ بالبوح أني أشتاق إليه، أشتاق لنجلس أو لنأكل أو لنشرب معاً، فلا وقت لدينا للتحدث، ولا لفتح أي موضوع يخص علاقتنا، ولا لزيارة أصدقائنا أو ليزورنا أصدقائنا، ولا للقراءة أو لسماع الموسيقى، لنحب بعضنا، لنتفسح، لنقوم برياضة المشي... لنقوم بأي عمل مشترك كنا نحلم القيام به طوال سنوات حبنا الطويلة... و.. (يلعن أبو المصاري). مع أني أعرفكما يعرف زوجي تماماً أن طريقه الوحيد تقريباً هو بين بيتنا وأماكن عمله، فهو نهاراً في وظيفته المقيتة ليتقاضى من خلفها آخر كل شهر راتباً مخجلاً قد نستخدمه في أجار البيت، وليلاً في محله... وأعرف أكثر منه أنه لا يمكنه ترك أي عمل، لأن العمل هذه الأيام فرصة مهما كانت طبيعة العمل والأجر بعيد عن اختصاص الشخص أو شهادته... وأعرف حق المعرفة مثله تماماً أن لا زيارات مشبوهة يقوم بها، ولا أماكن ليلية خاصة يرتادها، ولا تلفونات مريبة يجريها... ومع ذلك لا نستطيع أن نمنع أنفسنا عند كل مساء من هذا الحديث العقيم الذي يختمه هو بصراخه حول الضغط الذي يعانيه في عمله وأني أنانية ولا أقدر تعبه... وما يزيد الأمر سوءاً أننا لا زلنا في شهور زواجنا الأولى... أي: عرسان!... لكن سرعان ما تزول هذه المشكلة بتحضيري (كاسة متة) نشربها معاً... وبنظرة اعتذار صغيرة من كلينا عن كل الإساءات التي وجهها واحدنا للآخر من دون قصد. هذه قصة مملة، أعرف.. أعرف ذلك جيداً، وأعرف كذلك أنها حكاية عادية تحدث في أي يوم عادي مع أي أشخاص عاديين... لكن ما دعاني لروايتها الآن هو حديث رواه في بيتنا صديق زارنا للمرة الأولى بعد زواجنا، وقد تأخرت زيارته حتى شهر زواجنا الرابع نتيجة ضغط عمله فهو بالكاد يجد وقتاً للنوم، إضافة لأنه يعيش في بيته وحيد بدون أخوة أو زوجة وبالتالي لم يجد أحداً يشاركه هذه الزيارة "الواجب"، كان حديثه عن فرصة عمل أتته في الخارج فرفضها في اللحظة الأخيرة لأنه لا يستطيع ترك البلد الذي يغمره بالدفء والحنان والعلاقات العميقة والقوية والحميمية والصادقة والتفاهم والحب الذي يحيط بالعالم العربي بدءاً من الأسرة وانتهاء بأي شيء وكل شيء... بينما يخشى أن يعيش وحيداً بين "الغُرُبْ" الذين يفتقدون لكل ذلك، فهم غارقين بوحدتهم وعزلتهم وتفككهم (يا حرام شو مساكين!!)... عكس مجتمعنا العربي المترابط والمتين (يا عيني عليه).خاص، نساء سورية
|