|
الحركة النسوية في العالم العربي: من الدفاع إلى الهجوم.. |
|
|
|
سمير عادل
|
|
2006-04-05 |
|
صفحة 1 من 2
أستهل مناسبة حلول احتفالات 8 اذار يوم المرأة العالمي، لأسجل بعض الملاحظات حول الحركة النسوية في العالم العربي. وتأتي هذه المناسبة في الوقت الذي يخيم كابوس الحرب التي تريد ان تشنها الولايات المتحدة الامريكية على العراق. فهذه الحرب كما كان الحصار الاقتصادي سيلحق افدح الخسائر بالبشرية في العراق. ولا تكتفي آثار هذه الحرب لو نشبت في حدود الخسائر البشرية بل ستلحق المزيد من التراجع المادي والمعنوي بالمجتمع العراقي، بل وستتجاوز نتائجها ما سببه الحصار الاقتصادي وسياسة النظام البعثي الفاشي في هذا المجتمع الذي كان رمزا للتحرر في المنطقة لعدة عقود من الزمن. ماذا حدث للنساء في العراق: سأستعرض سريعا القرارات التي شرعها النظام البعثي كي يكون مدخلا إلى مقالي هذا. فلقد سن قانون العشائر لعام 1994 بعد الغائها عام 1958 وتشريع قرار مجلس قيادة الثورة رقم 111 لعام 1991 الذي يخول الرجل قتل كل من يشك في ذويه مثل الزوجة والام والاخت دون اية محاسبة جزائية، في الوقت الذي وقع العراق على قرار الامم الامتحدة لعام 1979 الذي نص في القضاء على التمييز الجنسي ضد النساء. إلى جانب تلك القرارات والقوانين المناهضة للمراة اطلق النظام نفسه ما اسماه "الحملة الايمانية" منذ منتصف التسعينات من القرن المنصرم من اجل أسلمة المجتمع العراقي وافسح المجال من خلالها لجماعات اسلامية ارهابية معروفة بالوهابيين ومدعومة من شيوخ النفط في السعودية مستغلين ظروف الحصار الاقتصادي التي سببت انهيارا كبيرا في توقعات وتطلعات الانسان في العراق. وكان الغرض من تلك الحملة هو اشاعة الافكار القدرية والخرافات والاوهام الدينية لتقديس اوضاع الجماهير الحياتية والمعيشية المتكرسة بكل اشكال القهر والحرمان والعمل على تحريف نضالاتها عن مسارها الحقيقي من اجل مستقبل انساني. واول ما وجهت حراب هذه الحملة نصالها نحو النساء، حيث ابتدأت بالتحريض على فرض الحجاب، فكان مدراء الدوائر التابعة لقطاع الدولة يعقدون إلى اجتماعات مع النساء العاملات والموظفات يطالبونهن بارتداء الحجاب وبالعكس من ذلك يطردن من عملهن. وكان صدام حسين يدعم هذه الحملة المناهضة والسافرة ضد المرأة عبر احاديثه التي بثتها شاشات التلفزة العراقية منها على سبيل المثال:على المرأة ان لا تزاحم الرجال في العمل وعليها بمجالسة البيت والتفرغ لتربية الاطفال والعمل المنزلي. وفي مكان اخر قال على المرأة العراقية ان تفخر بزوجها أو ان يكون زوجها مقاتل أو عسكري وان لا تطلب من الرجل الملابس الفاخرة والمكياج وتمارس الضغوط عليه.. الخ وكما ذكرنا قبل قليل فأن الحكومة البعثية قد جندت جماعات الوهابيين في حملتها الايمانية ضد النساء، حيث وجهت تلك الجماعات تهديداتها بشكل علني ضد كل امرأة سفور برش ماء النار عليها، وبالفعل نفذت تهديداتها وقد هوجمت عشرات النساء من قبل هذه الجماعات. والملفت للنظر ان الحكومة البعثية غضت النظر بشكل كلي عن نشاط هذه الجماعات سواء من حيث عرض كتبهم الدينية والتبشيرية أو عن دعاياتها وتحريضها ضد العلمانيين والمثقفين والنساء السفور من على منابر المساجد والجوامع، اضافة إلى ان العديد من رموز هذه الجماعات كانوا ضباط متقاعدين عملوا سابقا في سلك المخابرات والشرطة والامن والجيش. ورافق كل هذه الاعمال الارهابية لهذه الجماعات التعتيم الاعلامي الكبير سواء من لدن المعارضة العراقية أو من قبل السلطة العراقية. اي خلال سنوات الجوع والمرض وقمع النظام الحاكم، كانت الجماعات الاسلامية المدعومة من النظام قد نظمت حملتها الهمجية المنظمة ضد النساء في العراق على غرار اخوانهم في الجزائر ومصر وتونس.. وكانت الحملة التي قام بها فدائي صدام بالتنسيق مع الاتحاد العام للنساء العراق في المدن بصرة وبغداد والموصل بقطع رؤوس اكثر من 170 امراة بشكل علني بتهمة "عاهرات" وفي جو من الرقص الهستيري والموسيقى والهتافات تشيد بصدام حسين، تتويجا للاعمال الارهابية التي قام بها حلفائها من تلك العصابات الاسلامية. والذي زاد على ذلك المشهد دراما عندما علق زعيم المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق محمد باقر الحكيم من الكويت بأن العمل الذي قام به صدام في قطع رؤوس أؤلئك النسوة هو بدعة. فالاسلام اقر رجمهن بالحجارة حتى الموت وليس قطعها بالسيف. وهذا يضيف مسألة اخرى على عاتق الحركة النسوية في العراق إلى جانب نضالها ضد الحرب التي تلقي بضلالها على المجتمع العراقي وويلاتها القادمة، حيث ان المعارضة العراقية والتي يعتبر المجلس الاعلى احد فصائلها الرئيسية، تجتمع اليوم في اربيل عشية بدء الحرب الامريكية، لا تحمل في اجندتها للنساء العراق غير اعادة انتاج القهر والعبودية على المرأة. ولقد عبرت عنها في مؤتمرها الذي انعقد في كانون الاول من العام المنصرم في لندن من خلال الاقرار بدين الاسلام هو دين الدولة. اي بعبارة اخرى التكريس من جديد لدونية المرأة. الحركة النسوية في خندق الدفاع: ليست الحركة النسوية في العراق ما عدا "كردستان العراق في عقد التسعينات" فحسب بل في مجمل العالم العربي رزخت وترزخ تحت وطأة افكار وافاق الحركة القومية العربية واليسار التقليدي المتمثلة بالاحزاب الشيوعية العربية سواء من الناحية الحقوقية أو على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. ان البرجوازية العربية الصاعدة في بدايات القرن العشرين كانت لها مصالح مادية في زج قوى المجتمع في نضالها ضد الاستعمار. وبعد استقلال بلدانها كانت تحتاج إلى قوى بشرية في تنفيذ مشاريعها الاقتصادية. لذلك كان لا بد للمرأة ان تدفع في خوض هذا الميدان. ان حدود تحسن اوضاع المرأة انحصرت في حق التعليم "وان كان مازال يرواح في عدد من البلدان العربية" وخروجها للعمل والمشاركة الشكلية في الانتخابات، رغم انه ما زالت في بعض بلدان الخليج العربي مثل الكويت والسعودية تحرم المرأة من حق الانتخاب والترشيح. اي ان المكتسبات التي حصلت عليها المراة لم تتجاوز حدود استفادة البرجوازية العربية الصاعدة منها. لا شك ان الحركة المساواتية والتحررية للمرأة كانت تدفع وتضغط للمضي قدما في تحقيق المطالب العادلة للنساء في المجتمع. ويمكن سوق بعض الاحداث على سبيل المثال لا الحصر مثل التظاهرات التي نظمتها وقادتها نساء مثل هدى الشعرواي وسيزا النبراوي عام 1919 لدعم ثورة سعد زغلول حيث استغلتا هذه المناسبات و نزلتا إلى الشارع دون حجاب احتجاجا على عدم السماح للمرأة بممارسة حقوقها السياسية والاجتماعية كاملة. كانت الحركة المناهضة للحجاب تقودها منذ الثلاثينات العديد من الناشطات النسوية في العالم العربي. وحيث جادلت نظيرة زين العابدين من سورية عبر كتابيها "السفور والحجاب" و"الفتاة والشيوخ" الذين يريدون فرض الحجاب على النساء رغم استناد جدلها ومناظرتها على الشريعة الاسلامية في دحضها لدعاة الحجاب. وانظم لهذه الحركة العديد من المثقفين و الشعراء والادباء في البلدان العربية. لكن لم تستطع الحركة النسوية بخطها العام بفصل افاقها عن الحركة المناهضة للاستعمار ولم تتمكن من ان تمضي قدما بطرح اهدافها ومطالبها بشكل مستقل. بل الادهى من هذا راحت هذه الحركة تردد نفس شعارات وكلمات البرجوازية العربية التي مفادها ان تحرر المرأة بكمن بتحرر البلدان العربية من الاستعمار. وان معركتنا الان هو ضد الاستعمار ومن اجل التنمية واستقلال مواردنا الاقتصادية. والكتاب الاخير لسعاد خيري عن المرأة العراقية فأن مجمل المقاطع المهمة من تاريخ الحركة النسوية في العراق يلخص بنضالها ضد الاستعمار والصهيونية. ومع استكمال البلدان العربية استقلالها، ورويدا رويدا اعلن فشل المشروع القومي العربي الذي ساتناول تبعاته على كاهل المرأة فيما بعد، بدأت البرجوازية في شن حملة لاعادة المرأة إلى مكانها القديم. وعبرت عن هذه المسألة بوضوح "ليندا مطر" رئيسة لجنة حقوق المرأة اللبنانية: هي ان المجتمع العربي يسمح للمرأة بل يشجعها على الانخراط بالثورات وحتى الحروب وتنال قسطا من الاعتقال والتعذيب.. وعندما يحل السلام يعود هذا المجتمع ذاته إلى وضع القوانين والمحاذير التي تقف حاجزا بوجه المرأة وتحول بينها وبين ممارسة حقها الذي اكتسبته بنضالها، فتعود إلى البيت لتزاول عملها التقليدي وبأحسن الحالات تعمل ضمن جمعيات خيرية.. "((الثقافة الجديدة العدد 263 – ملف المرأة)). وفلم "حكايات شرف وعار" انتاج بريطاني يستعرض واقع المرأة قبل تشكيل السلطة الفلسطينية وبعدها. ويروي الفلم بأن المرأة الفلسطينية ناضلت واعتقلت وعذبت وزجت في القتال ضد الاحتلال الاسرائيلي مثل الرجل الفلسطيني لكن عندما تأسست السلطة الفلسطينية اركنت جانبا وبدأت تطبق قوانين تسجل دونيتها عن الرجل وذهبت جماعات حماس بتنظيم حملات اسوة بحملات الوهابيين في العراق ضدهن دون اي رادع من قبل السلطة الفلسطينية. لا شك ان العمل بقانون الطوارئ من قبل الانظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي تحت يافطة محاربة الصهوينية والامبريالية تمكن من احتواء وقمع اي صوت ينادي بالتحرر والمساواة في البلدان العربية. تحت هذه اليافطة جندت الاف من الممسوخين انسانيتهم ليعملوا كجلادين وفتحت اكبر المتعقلات واستوردت احدث اجهزة التعذيب لتأديب المعارضين السياسين و سلب الاعترافات واعادة مسخ الهوية الانسانية. وسقفت هذه المؤسسة القمعية بأنتاج واعادة انتاج منظومة الدين والخرافات والتقاليد المتعفنة للحيلولة دون انفلات عيار التحرر. ان الحركة القومية العربية لم تقف حائلا دون تطور الحركة النسوية كجزء من حركة تحررية بالقمع فقط بل حاولت احتوائها وتفريغها من محتواها المساواتي. فعلاوة على تشكيل أو الحاق المنظمات النسوية بالانظمة القومية الحاكمة وترديد شعاراتها ضد الاستعمار والصهيونية، فراحت تحرف نضالاتها من اجل حقوقها المستقلة عن طريق تنظيم مؤتمرات مثل مؤتمر زوجات زعماء العرب الذي انعقد في العام الفائت رددن نفس الخطابات الجوفاء التي تردد في مؤتمرات القمة العربية لازواجهن. لقد ساهم بحق ممثلي الحركة القومية العربية وممثلي اليسار التقليدي في وضع عصا غليضة في عجلة تطور الحركة النسوية. ونتيجة نفاذ محتوى مقولة "التحرر" و"الحرية" من وجهة نظر هذين التيارين مع رحيل الاستعمار وان كانت تجادل الان بوجود الصهيونية والعولمة، ومع تزايد نفوذ التيار الاسلامي، تحولت الحركة النسوية كجزء من حركة تحررية واسعة إلى حركة دفاعية، تحاول ان تحافظ على مكتسباتها الضئيلة. والابعد من هذا حاولت ناشطات الحركة النسوية مثل ناشطات الدفاع عن حرية الكتابة والابداع والفكر في العالم العربي ان يستمدن قوتهن بالاستناد على عكازة الدين الاسلامي ومحاولة البحث عن الثغرات والفجوات في القرآن وحياة محمد واحاديثه. فعدد كبير من ناشطات الحركة النسوية ودعاة الدفاع عن حقوق المرأة يحاولن من خلال الاسلام ان يجدن أو يبررن مكانة مرموقة للنساء في المجتمع. الشرق المحتشم والغرب الفاسد: وعلى هذا الاساس اصبحت مقولة "التحرر" بكل ما تحملها هذه الكلمة من معاني، بالنسبة لممثلي الحركة النسوية ناقصة ومشوهة. فمثلا "حرية اللبس" هذه المقولة الواضحة البسيطة الفهم، تعرضت إلى سفسطات يساروية كثيرة لاختزالها وتكيفها مع "الواقع العربي". ويجب ان اذكر نقطة هنا هي ان حقوق الانسان كما معرفة في وثائق جنيف هي حقوق عالمية. اي ليس هناك واقع متخلف لا يقبل بتطبيق هذه الحقوق وواقع متطور يمكن ان تطبق فيها. هذه هي تنظيرات دعاة القوميين العرب واليسار التقليدي وممثلي الحكومات العربية للحيلولة دون توقف دولايب القمع الفكري والسياسي. واذا ما رجعنا إلى مقولة "حرية اللبس" فأن بعض ممثلي الحركة النسوية العربية تنظر: ان جمال المرأة في عقلها وتصرفاتها. وان اللبس العاري أو كما يقلن "استعراض الجسد" هي من تقاليد الغرب الفاسد الذي لا ينظر للمرأة الا كجسد. ويضيف اليسار إلى تلك التنظيرات ان الغرب الرأسمالي يتعامل مع المرأة كسلعة لذلك يبيح حرية اللبس. ولا ادري هل ان الشرق ينظر إلى المرأة كأنسانة! أليس هذا اجحاف ومحاولة للتملص من مواجهة الواقع ومن ثم تقديس ذلك الواقع المتعفن وتفريغ مقولة الحرية من محتواها، هذا اذا لم نستنتج منها ايضا بأنها كانت مجاملة لمن تقشعر ابدانهم من تحرير المرأة تحريرا كاملا! وفي الحقيقة ان التيار الاسلامي كأحد الاجنحة المتطرفة واكثر تخلفا داخل العائلة البرجوازية العربية، يشترك كليا مع الرأسمالية في الغرب في نظرته للمرأة من حيث المحتوى. ومفاده بأن المرأة ليس اكثر من جسد أو اداة جنسية. لكن الفارق الوحيد بينهما هو في كيفية توظيف هذا التصور والتعامل بهذه الاداة. فبالنسبة للتيار الاسلامي بتصوره المتخلف عن السوق وأليات عمله وعدم قدرته عن اللحاق بركب العصر لم يستطع ان يتجاوز اعادة انتاج فرض الحجاب على المرأة ووضعها بين اربعة جدران. اي يوضع المرأة "كأداة جنسية" في المتحف المنزلي وليس لاحد الحق بالتمتع بتلك الاداة الا من دفع ثمنها بشكل نهائي. اما في الغرب فأن تطور الرأسمالية ووحشيتها تنظر إلى كل شيء كسلعة و لو كان بامكانها لعملت على تعليب الهواء وبيعه من جديد في الاسواق. ومن خلال هذا التصور حولت المرأة إلى سلعة لدر الارباح. اي بعبارة اخرى ان جسد المرأة عند التيار الاسلامي والعقلية الشرقية هو اداة جنسية مع انتفائها بتحويلها إلى "سلعة" تجلب النقد. في حين ان الراسمالية في الغرب اذكى ممن في الشرق. لهذا ان "الشرق المحتشم" ليس اشرف ولا اكثر انسانية من "الغرب الفاسد" في نظرته للمرأة كما يحاول ان يصورها دعاة القوميين العرب وممثلي اليساروية والتيار الاسلامي. بيد ان مقولة "حرية اللبس" ليس لها علاقة من بعيد أو من قريب بالغرب الفاسد أو الشرق المحتشم. ان المرأة هي التي تقرر ماذا تلبس وكيف تخرج وكيف تسير ولها الحق لوحدها بعرض اي جزء من جسدها. ويمكن ان نلاحظ لوحة ديلاكرو بعنوان "الحرية تقود الشعوب" والتي تعرض امرأة نصف عارية الصدر واقفة ومن حولها جثث المضحين من اجل الثورة وهي ترفع راية فرنسا التي كانت يومها رمزا للحرية والمساواة والاخاء كما جاء في شعار الثورة الفرنسية. وهذه اللوحة رسمت في عام 1831 اي بعد الثورة الثانية عام 1830. اي عندما كانت الراسمالية في بداياتها لم تبلغ من التطور كما هو في عالمنا اليوم . وكما تعبر الحركة النسوية في الغرب: ان جسد المرأة ملكها وهي حرة في لبس اي شيء. اما اولئك الذين يقولون يجب ان تحترموا غرائز الرجال فأن هذا اللبس يستفزهم، فبالحقيقة هذه مشكلتهم وعليهم حلها بانفسهم وليس لهم الحق في مصادرة حقوق النساء في اللبس لانهم يستفزون. وماذا عن النساء الا يستفزين عندما تصادر حريتهن في اختيار نوع الملابس لارتدائها!
|