|
"شرف ضائع".. الغضب الذي لا بد منه لتغيير العالم.. |
|
|
|
ردينة حيدر
|
|
2006-04-04 |
خاص: "نساء سورية"عندما يتحول الأخوة إلى "كلاب حراسة" والأب إلى جزار محترف، والمجتمع إلى مراقب متعطش للدم، والحب إلى ألم لانهائي لآلاف الطعنات في الصدر، والبلاد (الجبال) إلى مشهد موت لا نهائي، منتصب عبر الصحراء، عندها يتقن الرعب لعبته بتحريك تلك البقعة بأيادٍ خفية، حاصداًً أكبر عدد من الضحايا، ضحايا جرائم الحب، فتيات الربيع، وأرتل النساء العاشقات والبريئات في أغلب الأحيان من جرم العلاقة الجنسية!!.. شرف ضائع كتاب يتحدث عن القضية الأكثر تعقيداُ في الأردن: (جرائم الشرف)، والتي حالت الأغلبية المؤيدة لها في البرلمان الأردني دون تعديل القوانين المتعلقة بها رغم جهود العائلة المالكة! ففي بلداننا العربية تقف ديمقراطيتنا ضدنا بالدرجة الأولى!! إن ميزة الكتاب تكمن في كونه رواية أدبية من جهة وتوثيق لأحداث حقيقية حدثت وتحدث بشكل يومي في الأردن. تروي الكاتبة من خلاله قصة حب صديقتها المسلمة و(الوحيدة) لشاب كاثوليكي، وقيامها بمساعدتها بترتيب اللقاءات ودعم ذلك الحب الخارق. تلك اللقاءات التي كان يبدو ترتيبها في كل مرة أشبه بمعجزة، حلاقتان صغيرتان تتحولان إلى "آلاف الجيوش" لحماية موعد حب برئ. يترجم الكتاب كابوس الرعب المخيم منذ عصور غابرة على تلك البلاد، كابوس الشرف العربي الذي يزين (دائماً) خصره بالخنجر العربي، الخنجر الذي يصدر بين لحظة وأخرى أمر إزهاق الأرواح وتقطيع الأجساد البضة اليافعة باسم الشرف والتقاليد، في بلد غريب يعج بالمتناقضات، بلد يركب مراهقوه أحدث السيارات ويعج بمقاهي الانترنت والنوادي الليلية، وتدفن فيه النساء حيات تحت السقوف وبين الجدران، وفي السرير.. حيث مساحة صغيرة فقط لروح ممزقة تضيق وتضيق لتتلاشى مع الزمن المر، الزمن الذي لا يحمل في طياته ولا حتى بصيص أمل واحد. جاعلاً من الهرب طريق النجاة الوحيد الذي قد يودي بصاحبته إذا ما تم كشفها قبل الولوج في الخارج! فالطريق هذه المرة -إلى المطار- أطول من أي طريق آخر! طريق قد يتوقف قلب الهاربة (أو القارئ) رعباً في لحظاته الأخيرة!! تستمر اللقاءات في غمرة الحب العاصف لتقترب داليا (الفتاة المغرمة) أكثر فأكثر من شباك موت حتمي، لطالما تربص بكل فتاة تجرؤ على تحدي ذكر واحد مهما صغر سنه، فالنساء كما تقول الكاتبة يأتين في المرتبة الثانية بعد كل الرجال في الأردن وتتابع: "شأن معظم الأردنيات، لم يكن لنا الحق في أن نتجادل مع الرجال في أسرتينا، وحتى لو كنا محقتين. فالحقيقة الواضحة كوننا امرأتين تجعلنا مخطئتين في عيون المجتمع". ثم يكتشف الأخ (الحارس البطل!) أمر الشاب الكاثوليكي وشقيقته ويراقب الموضوع عن كثب ويبدأ مع أبيه وأخوته بإعداد العدة لحرب غسيل الشرف الملوث!! تشعر عندها(داليا) بحدوث أمر غريب في المنزل فيدب الرعب في أوصالها وتتحول إلى فتاة أخرى شاردة، غائبة في الزمان والمكان، فتاة ميتة!! اثنتا عشر طعنة في الصدر المورق مع الفجر أطاحت بالقلب العاشق! لم تتطلب الكثير من الوقت والتخطيط، كما لم يتطلب حكم القضاء أكثر من ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ! ساعات قليلة ويطلق القاتل منتصراً ليتابع مهمة القتل من جديد بأوسمة جديدة ودعم السلطات والمجتمع في صمت مطبق، بتعاطف وحيد وهزيل هو تعاطف الأم، التعاطف السري للمرأة مع المرأة في حلم بائد بالخلاص يوماً ما. لكن القتل لا يكفي كما تقول الكاتبة، فالمجرم لن يكتف بقتل ابنته التي كانت لا تزال عذراء، بل سيصر بعد موتها على مغادرتها الحياة إلى القبر وحيدة لتلاحقها وصمة العار حتى الممات... الغزالة تغط في نوم عميق، وتمضي مضرجة بدمائها إلى حبها المستحيل.. موغلة في عمق التفاصيل وعمق الكلمات، ممتطية الامتداد الخفي والمتواصل والآسر للأشياء.. للبشر..للألم.. للرعب.. للموت..! مشيرة إلى الهمجية القبلية الزاحفة من قلب الصحراء القاسية التي لا تمت إلى الدين أو الطبقة بصلة (فهي تحكم المسلمين والمسيحيين على حد سواء)،والتي ترفع الذكور إلى مصاف الآلهة وتزلق الإناث إلى القبر الأبدي، إما تحت الأرض أو في الحياة،تحاول الكاتبة إرسال صرخة احتجاج عجزت عن إطلاقها معظم النساء في الأردن كما عجزت عن إطلاقها وسائل الإعلام والمنظمات المحلية والدولية الناشطة في مجال المرأة والمجتمع وحقوق الإنسان، مغمدة الاثنتا عشر طعنة في صدر العالم الفاقد للعقل والحب لربما أيقظته وخزات الشرف الحقيقي) الضائع!!. لكن الجزء الأهم هو الجزء الأخير التي تورد فيه الكاتبة جرائم شرف حقيقية تم التعتيم المطلق عليها في الصحافة المحلية والعالمية، فمن الذي يجرؤ على معاداة ترسانات من المتعصبين المنتمين إلى عصر ما قبل التاريخ؟ ففي الدين الإسلامي كان إثبات الزنا يتطلب أربع شهود عيان، وهذا ما يؤكد استبعاد فكرة قتل الزانية أو الزاني، فالدين الإسلامي دين رحمة وتسامح.لكن ما يتمسك به هؤلاء لا يمت إلى الأخلاق أو الدين بصلة، وأخطر ما في الموضوع أنه تم استغلال الحق "المشرع" بجريمة الشرف في القتل من أجل الإرث أو في لحظة طيش عابرة، فالمجرم يدرك أن قتل النساء مجاني، وسهل وبطولي...! متألمة، غاضبة، يائسة، وحيدة، واجهت الكاتبة موت أعز صديقة لها بجريمة شرف لأبسط وأهم الحقوق: (الحب!) ونجحت بتحميلنا غضبها وألمها، الغضب الذي لابد منه لتغيير عالم لا يزال يغمد خنجره في قلب وردة ويذهب للصلاة. 28/5/2005
|