|
الجندر وقضايا المرأة".. على هامش ورشة عمل الاتحاد العام النسائي |
|
|
|
زينب نبّوه
|
|
2006-04-04 |
تستمر الورشات المختلفة حول قضايا النوع الاجتماعي ودمج هذا المفهوم في المؤسسات والمجتمع. ومن بين هذه الورشات كانت الورشة التي عقدها الاتحاد العام النسائي بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة في أواخر شهر آذار الماضي، تحت عنوان (دمج منظور النوع الاجتماعي في المؤسسات- نموذج عملي). وقد حضرت الندوة جهات عدة حكومية وغير حكومية. وضمت أيضاً رابطة النساء السوريات وجريدة (النور) وموقع (نساء سورية). وقد طرحت في الورشة تساؤلات تتعلق بمفهوم (الجندر) وما قدمه هذا المفهوم للمرأة في المجتمعات العربية، بحيث بدا أن هذا المفهوم يطرح للمرة الأولى في المنطقة العربية. وهذا الأمر غير صحيح. إذ طرحت هنا المفهوم أوساط واسعة من العلماء والمفكرين والثوريين منذ فجر النهضة الأوربية. وفعل الأمر ذاته فلاسفة وعلماء عصر النهضة العربية كرفاعة الطهطاوي وقاسم أمين والشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي والطاهر حداد وغيرهم.. فقد قدم هؤلاء مساهمات جدية في تحسين أوضاع المرأة، ودعوا إلى تحريرها.. لقد بدأت النضالات الفعلية للاعتراف بحقوق المرأة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع نضال النساء الاشتراكيات اللواتي كان من أبرزهن المناضلة الألمانية كلارا زايتكين وروزا لوكسمبورغ. وتجسد ذلك في النظرية الماركسية التي قدمت رؤى واضحة وعميقة لما يمكن أن تكون عليه المرأة. ويذكر أن أحد المرسومين اللذين صدرا بعيد ثورة أكتوبر الاشتراكية في عام 1917 كان مرسوم المرأة.. وفي السياق ذاته يمكننا أن نتذكر نضالات هدى شعراوي ولبيبة هاشم وماري عجمي ونازك العابد وعادلة بيهم ونظيرة زين الدين وزينب فواز.. وغيرهن كثيرات. كما أن النصف الأول من القرن العشرين كان قد شهد تشكل منظمات نسائية عربية رسمية وأهلية، استجابة تاريخية للحاجة المجتمعية التي كانت تتطلبها المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية. وقد لعبت هذه المنظمات دوراً متميزاً في الدفاع عن حقوق المرأة والمطالبة بدمجها في عمليتي التنمية الاجتماعية والسياسية. وقد اعتبرت هذه المنظمات من أبرز مؤشرات الاندماج الاجتماعي. ودعت النساء في سورية إلى العلم والعمل خارج المنزل. كما دافعت هذه المنظمات عن حقوق النساء وعنيت بقضاياهن الاجتماعية والسياسية، مما أدى إلى تدعيم الحركة المطالبة بحقوق المرأة. ومن أبرز هذه المنظمات كان الاتحاد العام النسائي في سورية، ورابطة النساء السوريات، والنادي النسائي العربي، ودوحة الأدب، والندوة الثقافية، وغيرها.. إلا أن الكثير من العقبات واجهت هذه المنظمات في سياق عملها، وحالت دون تحقيق الكثير من النتائج التي كانت تطمح إليها. سردنا شيئاً من تاريخ الحركة النسائية لنتساءل: لماذا أهمل ذكر هذا الإرث التاريخي الكبير من النضال الوطني والإنساني العالمي المتعلق بالمرأة من كل الأدبيات والنشاطات التي تجري حالياً؟! وهي نشاطات تدعمها منظمات غربية وأمريكية، إلى جانب بعض الهيئات التابعة للأمم المتحدة. ولماذا كان لهذه الإنكليزية (واضعة نظرية الجندر) الحظ الأوفر في تبني الأمم المتحدة لفلسفتها وإغداق الأموال دون حساب، في العالم كله، على النشاط الجندري ومفاهيمه؟! لا شك أن أشكال النضال تتغير وتتبدل بتبدل الظروف والأوضاع. إلا أن السؤال عما يقدمه هذا المفهوم من جديد يبقى قائماً. منذ سنوات يجري في العالم، وسورية بضمنه، نشاطات وورشات عمل وتدريبات تحت عنوان (الجندر)، تتناول موضوعات مثل: - بناء القدرات في مجال تقييم وضع المرأة من منظور النوع الاجتماعي (الجندر) من أجل إعداد استراتيجية لإدماج النوع الاجتماعي في التنمية. - مفاهيم النوع الاجتماعي والجنس والفروق بينهما وآليات التحليل والاستنتاج ورسم الخطط العملية والاستراتيجية. - كيفية التعامل مع مفهوم النوع الاجتماعي ودراسته وتحليله. - ارتفاع حرارة قضايا النوع الاجتماعي وقضايا المرأة. اصطلاحات وشعارات غير مفهومة وغير واضحة! بل وغير محددة، على الأقل بالنسبة لجماهير النساء في بلادنا! مما يطرح التساؤل حول توافق هذه النشاطات والطروح مع أولويات العمل النسائي في بلادنا! أوليس من حقنا كمنظمات أهلية إعطاء الرأي بما يجري من قضايا حيوية وهامة تخص نصف مجتمعاتنا؟! ولماذا نتجاهل الأولويات ونكرّس جهودنا لقضايا ليست ذات أولوية في قضايا المرأة؟! ألا يساعد هذا الطرح في إبعاد المنظمات الأهلية تدريجياً عن مواقعها وعلاقاتها بالفئات الشعبية ويحولها إلى مجموعة من النخب الثقافية المتأثرة والمستلبة، وفاقدة للمبادرة؟! إن الحلول التي تطرحها الجهات الأمريكية والأوربية حول (تمكين المرأة) لا تقدم تصورات واضحة لسبل إخراج المرأة العربية من محنتها. بل تضع تصوراً نظرياً لهذا الواقع، وحلولاً وهمية لا علاقة لها بها لأنها لا تنطلق من واقع مجتمعاتنا العربية. فقبل دورات (التمكين وطرح استراتيجيات وإدخال مفهوم النوع الاجتماعي إلى مؤسسات الدولة، وقياس المساواة بين الجنسين..) هناك أولويات لا بد من التوقف عندها مثل: 1- حالة الأمية المتفشية تفشياً واسعاً في المجتمعات العربية. إذ يشير تقرير اليونيسيف عن العالم العربي في 11/4/2005 إلى أن أكثر من نصف النساء في العالم العربي يجهلن القراءة والكتابة! الأمر الذي يحول بينهن وبين الوصول إلى مصادر المعلومات والمعرفة. 2- البطالة التي تجثم بثقلها على الألوف من العائلات التي تعيش تحت خط الفقر. 3- التشريعات المختلفة المتعلّقة بالمرأة. 4- قضية الديمقراطية. فالنضال من أجل حقوق المرأة جزء لا يتجزأ من النضال الديمقراطي. 5- امتداد التيارات الأصولية التي لعبت دوراً في عرقلة حركة تحرر المرأة. 6- الحروب والنزاعات المسلحة في المنطقة (فلسطين والعراق)، وانعكاس ذلك على أوضاع المرأة. 7- عدم السماح لمؤسسات المجتمع المدني بممارسة دورها في دعم قضايا المرأة. كل هذا يدفعني إلى القول إن تمكين المرأة، برأيي، لا يتم إلا عبر ثلاثة عوامل: العلم والعمل والسند القانوني المتمثل بالتشريعات التي تخص المرأة. وإذا أخذنا في هذا السياق موضوع الورشة أعلاه، أي (دمج منظور النوع الاجتماعي في المؤسسات)، فإننا نلاحظ أنه في هذا الوسط بالذات تعمل أعداد من الموظفين والموظفات متساوين أو متقاربين من حيث المستوى الثقافي والاجتماعي والكفاءات المهنية. أي أن عملية الدمج تجري بشكل طبيعي باستثناء بعض الظاهرات السلبية، كالموقف من المرأة من التكليف أو التقييم.. وهذا ما يجب معالجته. لكن ما هو موجود في المؤسسات التي تضم أوسع الشرائح النسائية، أي في المؤسسات العمالية، خاصة في القطاع الخاص، أي أوضاع هؤلاء العاملات وظروفهن ومستواهن العلمي والمهني، وكذلك في القطاع الزراعي، الفلاحات والعاملات الزراعيات، فإن الوضع مختلف. وفي هذه القطاعات نحتاج فعلاً إلى بحث وإلى (قياس المساواة بين الجنسين) حسب مفهوم الجندر. ثم لماذا استخدام كلمات واصطلاحات يلفها الغموض مثل (الجندر)؟! ألا يمكن القول بالمساواة أو تكافؤ الفرص، أو توزيع الأدوار، أو غير ذلك؟! وهذه جميعها تعابير شائعة ومفهومة تاريخياً. وكما لاحظت في الندوة كان هناك نساء مشاركات من وزارات مختلفة يطلق عليهن اسم (ضباط اتصال الجندر) في المؤسسات! لماذا عسكرة العمل؟ ألا توجد تعابير أخرى مثل مشرفات أو منسقات أو أية كلمة أخرى تدل على المهمة الموكلة إليهن؟! في كلمة أخيرة أريد أن أوجهها إلى كل العاملين والخبراء، خاصة من الدول العربية، في هيئات منظمة الأمم المتحدة، لا بد أن نأخذ ما يلي بالحسبان: 1- إعادة النظر في البرامج التي تضعها المنظمة الدولية، والتدقيق في كل أشكال النشاط الموجه إلى المجتمعات العربية ومجتمعات العالم. وعدم نقل الأشكال بشكل آلي، والأخذ بالحسبان أوضاع هذه المجتمعات بواقعية وملموسية. وكذلك لا بد أن لا ننسى التأثير والضغط الأمريكي على المنظمة الدولية، والتغلغل في هيئاتها، والانتباه لكل ما يصدّر إلينا من اصطلاحات من تطوير وتمكين.. يكون ثمنه مزيداً من الارتهان والتبعية للخارج. 2- أن تساعد منظمات الأمم المتحدة البلدان النامية للنهوض بالمرأة. وذلك من خلال مكافحة الفقر، بدلاً من هدر المال والوقت على مفاهيم وطروح نخبوية ضيقة.25/5/2005
|