|
أ. د. عبد العزيز بايندر
|
|
2006-04-04 |
خاص: "نساء سورية"البقرة، الآية الثانية والثلاثون بعد المئتين: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف). قولُه تعالى: (أزواجهن) في الآية مَجازٌ يُقصَد به الذين يَتقَدَّمون لخِطبتِهن، لأن المرأةَ هي في ذاتها زوجٌ لزوجها. ويقول تعالى في آية أخرى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف)(البقرة 2/234). وخيرُ ما تفعله المرأةُ حِينَئذٍ هو أن تُعيدَ الزواجَ، إلا أنَّ اتِّفاقَها مع رجلٍ على ذلك غيرُ كافٍ لعَقدِه. فكلُّ مجتمعٍ له أصولُه التي يَضَعُها تَنبُعُ من عقيدتِه، وعاداتِه، وتقاليدِه. وعبارةُ المعروف في الآية تَحمِل هذا المعنى. وكان العربُ قديمًا يَخطُبون المرأةَ مِن أبيها أو وَلِيِّها، فتُعطَى صَداقَها،1 ويُعقَدُ نِكاحُها. والنصارَى يَعقِدونه في الكنيسة، واليهودُ في البِيعة. وفي المُجتَمعات العَلمانيّة يُعقد بإشراف السُلُطاتِ المَعنِيّة. والآيةُ تُحَرِّم منعَ المرأةِ مِن العمل بقَرارها إذا كانت قد اتَّخَذَته بالمَعروف. والمعروفُ اسمٌ لكلِّ فِعلٍ يُعرَف بالعقل أو الشرعِ حُسنُه.2 وفي القرآن والسنة أحكامٌ تتعلق بهذا الموضوع، منها أقوالُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي تبين أنَّ الوَلِيَّ يُشرِف على النكاح بالمعروف. فعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاحَ إلا بولي».3 وعن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَت بغير إذن مَواليها فنِكاحها باطلٌ، ثلاثَ مراتٍ. فإنْ دَخَلَ بها فالمَهرُ لها بما أَصاب منها، فإنْ تَشاجَروا فالسُلطانُ وَلِيُّ مَن لا وَلِيَّ له».4 والوَلايةُ: «قولٌ مُلزِمٌ على الغَيرِ ابتداءًا».5 وعن خَنْساءَ بنتِ خِذامٍ الأنصاريّةِ أنَّ أباها زَوَّجَها وهي ثَيِّبٌ فكَرِهَتْ ذلك، فجاءَت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذَكَرَتْ له فرَدَّ عليها نكاحَ أبيها. فنَكَحَتْ أبا لُبابةَ بنَ عبدِ المُنذِرِ.6 وعن عائشةَ أنَّ فتاةً دَخَلتْ عليها فقالت: «إنَّ أبي زَوَّجني ابنَ أخيه ليَرفَعَ بي خَسِيستَه وأنا كارهة»، قالت: «اجلِسي حتى يأتيَ النبيُّ» صلى الله عليه وسلم، فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأَخبَرتْه، فأرسلَ إلى أبيها فدَعاه، فجَعَلَ الأمرَ إليها، فقالت: «يا رسولَ الله! قد أَجَزْتُ ما صَنَعَ أبي، ولكنْ أردتُّ أنْ أَعلَمَ أللنساءِ من الأمر شيءٌ».7 والكثيرُ من البنات لا يُعجِبُهنَّ أنْ يَكُنَّ طَرَفا في عَقد النكاحِ، بل يَصعُب في بعض الأحيان معرفةُ رأيِهن في الموضوع، فجاء في هذا الشأن عن النبيِّ: «الأيِّمُ أَحَقُّ بنفسها من وليِّها، والبكرُ تُستَأذَنُ في نفسها». قيل يا رسول الله! إن البِكر تستحيي أن تتكلم». قال: «إذنُها سكوتُها».8 «الثَيِّبُ تُعرِب عن نفسها، والبكرُ رضاها صَمتُها».9 وتَعَرَّض أصحابُ المذاهبِ المشهورةِ للآيات والأحاديث بأحكام مُسْبَقةٍ، ثم أَبْدَوا آراءَهم فيها. أما الحنفية فمِن مِنظارِ الحُرِّيّة رَأَوْا للمرأة حقَّ مباشرةِ العقدِ بنفسِها دُونَ وليِّها.10 أما المالكية والشافعية والحنابلة فاعتمادا على رُؤية العُرف أَخرَجُوا الوليَّ من دائرة الإشرافِ على عقد النكاح إلى أنْ يكون طَرَفًا فيه بنفسه، لأنهم يَرَونَ أنَّ الوليَّ إذا لم يكن طرفا في العقد كان العقدُ باطلا، وأنَّ المرأةَ لا تُمَثِّل لا نفسَها ولا غيرَها في العقد. قالوا: «النكاح لا يَصَحُّ إلا بولي. ولا تَملِكُ المرأةُ تزويجَ نفسِها ولا غيرِها، ولا توكيلَ غيرِ وليِّها في تزويجها، فإن فَعَلَتْ لم يَصِحَّ النكاحُ. وللأب تزويجُ ابنتِه البكرِ دون استئذانها».11 والظاهريةُ قَدَّموا الحديثَ وبَنَوا عليه ما ذهبوا إليه فقالوا: «ولا يَحِلُّ للمرأة نكاحٌ –ثَيِّبًا كانت أو بكرًا– إلا بإذن وَلِيِّها … فإنْ أَبَى أولياؤُها مِن الإذن لها زَوَّجها السلطانُ».12 «وأما البكرُ فلا يجوز لها نكاحٌ إلا باجتماع إذنِها وإذنِ أبيها».13 وهذه الآنَ أدلةُ القائلين بهذه الأقوال: أدلة الحنفية إتَّخذَ المذهبُ قولَ أبي حنيفة أساسا يَعتمِدُ عليه. وقولُ أبي حنيفةَ نفسُه يَعتمِدُ على هذه الآياتِ الثلاثِ: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)(البقرة 2/230). (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف)(البقرة 2/234). (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)(البقرة 2/232). إعتبَرَ أبو حنيفةَ المرأةَ طَرَفًا في العقد لأنها جاءت فاعلا لفِعلِ النكاحِ في الآياتِ المذكورةِ، إلا أنه لم يَتَنَبَّه إلى ما اشتُرِط من المعروف في الآيتين الأخيرتين فبَقَيَ بعيدا عن الأحاديث المتعلقة بالموضوع، فتسبَّب في فَتح باب التأويل التالي: «أضافَ العقدَ إليهنَّ في هذه الآياتِ فدَلَّ على أنها تَملكُ المباشرةَ. والمُرادُ بالعَضْل المَنعُ حِسًّا، بأنْ يَحبِسَها في بيتٍ ويَمنَعَها مِن أنْ تَتَزوَّجَ. وهذا خِطابٌ للأزواجِ، فإنَّه قال في أَوَّلِ الآيةِ: (وإذا طلقتم النساء)».14 والمرأة إذا انقَضَت عدتُها فقد انقطع كلُّ شيءٍ بينها وبينَ زوجها، وليس له الحقُّ في الإشراف على زواجِها الجديد. لهذا لا يُمكن قَبولُ قول أبي حنيفة. يقول الحنفيةُ في المرأة التي تُزَوِّج نفسَها دون إذن وليِّها: «وإذا زَوَّجَت نفسَها مِن غير كُفءٍ فقد أَلحقَتْ الضررَ بالأولياء فيَثبُتُ لهم حقُّ الاِعتراض … وإنْ كانت قَصَّرَت في مَهرها فزَوَّجت نفسَها بدون صَداق مِثلِها كان للأولياء حقُّ الاعتراض حتى يُبلَغَ بها مَهرُ مِثلِها أو يُفَرَّقَ بينهما … إنها أَلحَقَت الضررَ بالأولياء فيكونُ لهم حقُّ الاعتراض … وبيانُ ذلك أنَّ الأولياءَ يَتَفاخَرون بكَمال مهرِها ويُعَيَّرونَ بنُقصان مَهرِها … ومع لُحُوق الضرر بالأولياء فيه إلحاقُ الضرر بنِساءِ العَشِيرةِ أيضا، فإنَّ مَن تَزَوَّج منهن بعدَ هذا بغير مهرِها فإنما يُقَدِّرُ مهرَها بمهر هذه، فعَرَفنا أنَّ في ذلك ضررًا عليهن، وإنما يَذُبُّ عن نساء العشيرة رجالُها فكان لهم حقُّ الاعتراض».15 أدلة المالكية والشافعية والحنابلة إعتمد أصحابُ هذه المذاهبِ على العُرف في فهم الآيات والأحاديث. وفي المجتمعات العربية يَخطُب الرجلُ إلى الرجل وَلِيَّتَه أو ابنتَه فيُصدِقها ثم يَنكِحُها.16 وكان يكون الرجلُ طَرَفا في عقد النكاح مِمّا لم يَكن يَحِقُّ للمرأةِ؛ فوَلِيُّها هو الذي كان يُباشره عنها فيَعقِدُه. ودليلُ هؤلاءِ قولُه تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف). قالوا: « … فإنَّ عَضْلَها الاِمتناعُ مِن تَزويجِها، وهذا يدل على أنَّ نِكاحَها إلى الوَلِيِّ».17 ولو لم يكن لديهم المبدأُ المُسبَقُ السالِفُ الذكرِ لَما فهموا الآية على هذا النَحو، لأن الله تعالى يقول: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)، وعَضلُ الإنسان إنما يكون فيما يَقدِرُ على فِعلِه، وفاعلُ النِكاحِ النساءُ، مِمَّا يَعنِي جَوازَ أنْ تكون طرفا في العقد. ومَنعُ شَيءٍ مِن أنْ يُفعَلَ غيرُ الامتناع عن فعلِه، فلا يكون العضلُ الامتناعَ. ويقولون في قوله تعالى: (أن ينكحن أزواجهن): «أضافه إليها لأنها مَحَلٌّ له. إذا ثَبَتَ هذا، فإنه لا يَجوز لها تزويجُ أحد».18 والذي جَعَل المرأةَ فاعلَ النكاحِ هو اللهُ تعالى، إلا أن عُرفَ العربِ هو الذي جعل منها موضوعَه. وحين اتُّخِذ العُرفُ أساسًا جُعل قولُ الله تعالى الواضِحُ مَجازًا، فبُنِيَ على الخطأِ خطأٌ آخَرُ. والذين نَظَرُوا إلى المرأة على أنها موضوعُ النكاح جعلوا الصداقَ المَدفوعَ كالبَدَل عنها، وبَنَوا كلَّ مذهبِهم مِن النكاح إلى الطلاق على هذا الأساس المُخطِئ. ولم يَرَ أحدٌ من هذه المذاهبِ للمرأة حقًّا في الافتداء، أي حقَّها في إيقاع الفِراق، واستعاضُوا بنظام الخُلع وتَعَرَّضُوا له بالدراسة والبحثِ. والخلعُ فِراقٌ يوقِعه الزوجُ مُقابلَ مالٍ تَدفعُه له زوجتُه لهذا الغَرَضِ. وما جاء مِن آراءَ في الخلع يُسَلِّطُ الضوءَ على الموضوع حتى يُفهَم على وجهٍ أفضلَ. فمن الشافعية الشِربينيُّ الذي يقول: «والمعنى فيه أنه لمَّا جاز أن يَملِكَ الزوجُ الانتفاعَ بالبُضْع بعِوَضٍ، جاز أن يُزيلَ ذلك المِلكَ بعوض كالشراء والبيع، فالنكاحُ كالشراء، والخلعُ كالبيع».19 وقال ابنُ تيمية ليثبت أن الخلع غير الطلاق: «هو فِداءٌ تَفتدي به المرأةُ نفسَها مِن زوجِها كما تفتدي الأسيرةُ نفسَها من أَسرِها؛ وهذا الفداءُ ليس من الطلاق الثلاثِ … ولهذا جاز عند الأئمة الأربعة والجُمهورِ من الأجنَبيِّ: فيَجوز للأجنبي أن يَختلِعَها، كما يجوز أن يَفتديَ الأسيرةَ؛ كما يَجوز أن يَبذُلَ الأجنبيُّ لسَيِّدِ العبدِ عِوَضًا ليُعتِقَه؛ ولهذا ينبغي أن يكون ذك مشروطا بما إذا كان قَصدُه تخليصَها من رِقِّ الزوجِ؛ لمصلحتِها في ذلك، كما يُفتَدَى الأسيرُ … فإنّ المقصودَ به رفعُ مِلك الزوج عن رِقِّ المرأة لتَعود خالصةً من رِقِّه، ليس المقصودُ منه نقلَ ملك إليها».20 وقد أَنزَل هؤلاء المرأةَ إلى أَحَطَّ من درجةِ العبدِ، فالعبدُ إذا أُعتِق مَلَكَ نفسَه، أما هي إذا تَخلَّصَتْ مِن رِقِّ زوجِها –على قولهم– دَخَلَتْ في رِقِّ وَليِّها. فجعلُ المرأة مَوضوعَ النكاحِ، وإعطاؤُها الصَداقَ كأنه بَدَلٌ عن سلعةٍ، كلُّ هذا لا يُمكن قَبولُه لأن المرأةَ ليست سلعةً تُباعُ وتُشتَرى. قال الله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)(البقرة 2/228). هذه الآيةُ تَنفي أن تكون المرأةُ أَمَةً لزوجها لأن العبدَ لا يُكمنه أن يُساويَ سَيِّدَه في الحقوق أبدًا. وقال الله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة). والصَدُقات جمع صَدُقة، وهي ما تُعطاه المرأةُ من مَهرِها. وهي مُشتَقَّةٌ من الصِدقِ، والصدقُ مُطابَقةُ القول الضميرَ والمُخبَرَ عنه معا.21 والصدقات مِقدارٌ من المال يَدفعه الأزواجُ لأزواجهن دليلاً على ما يُولُونَهُنَّ مِن تَقديرٍ. وفي الآية قولُه تعالى: (نحلة)، والنِحلةُ عَطِيّةٌ على سبيل التَبَرُّع.22 فعلى هذا كلِّه، لا يُمكن أن يُجعل الصَداقُ بَدَلاً عن شيء ما. وهم إذ أَلزَمُوا أنفسَهم بفهم مُسْبَقٍ للآيات وَقَعُوا في تمييزٍ لا مَفَرَّ منه بين الأحاديث فأغفلوا منها هذا: صلى الله عليه وسلم عن عائشةَ أنَّ فتاةً دَخَلَتْ عليها فقالت: «إنَّ أبي زَوَّجَني ابنَ أخيه ليَرفعَ بي خَسِيستَه وأنا كارهةٌ»، قالت: اجلِسي حتى يأتيَ النبيُّ صلى عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَخبرَتْه، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله! قد أَجَزتُ ما صَنَعَ أبي، ولكنْ أَردتُّ أنْ أعلمَ أَلِلنساء من الأمر شيءٌ.23 ومن الأحاديث التي اعتمدتها المذاهبُ الثلاثة هذا الحديثُ الذي جاءت فيه المرأةُ فاعلَ النكاح أيضا، وهو ما نَقلتْه عائشةُ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ بغير إذنِ مَوالِيها فنكاحُها باطلٌ، ثلاثَ مراتٍ. فإن دَخَلَ بها فالمَهرُ لها بما أصاب منها، فإن تَشاجَرُوا فالسُلطانُ وَليُّ مَن لا وَلِيَّ له».24 وآراءُ المالكية أيضا لا يمكن قبولُها إذ يَرَونَ إجبارَ الأبِ ابنتَه البكرَ على الزواج فيقولون: «وله الجَبرُ ولو لأَعمَى أو أقلَّ حالاً أو مَآلاً منها، أو قَبيحِ مَنظَرٍ أو برُبُعِ دينارٍ، ولو كان مَهرُ مِثلِها قِنطارًا … (و) جَبرُ (البِكر ولو عانِسًا) بَلغتْ ستينَ سنةً أو أكثرَ (?لا ?) ذي عاهةٍ (كخَصِيٍّ) مَقطوعِ ذَكَرٍ أو أُنثَيَيْنِ قائمِ الذكرِ حيث كان لا يُمني فلا يُجبِرُها (على الأَصَحِّ). ودَخَلَ تحتَ الكافِ المَجنونُ والمبرص والمجذم أو العِنِّين والمَجبُوبُ والمُعترَضُ».25 وكذلك الحالُ في المذهب الشافعي؛ فهو يرى تزويجَ البنتِ حقًا للأب، وأنَّ تكليمَها واستشارتَها استِئمارَها طَيب، إلا أنه ليس بشرط. وكذا استئذانُ أمِّ البنتِ طَيِّب.26 أدلة الظاهرية لم يَعتَمد هذا المذهبُ على الآياتِ في موضوع الإشراف على النكاح، وإنما على الأحاديث، فكانت النتيجةُ أنْ صار هذا مانعا من فهم الأحاديث فهما صحيحا. ومَنطِقُهم أو أُصولُهم في هذا: « ... لَمَّا بَيَّنَّا أنَّ القرآنَ هو الأصلُ المَرجوعُ إليه في الشرائع، نَظَرْنا فوَجَدنا فيه إيجابَ طاعةِ ما أَمَرَنا به رسولُ الله، ووَجَدْنا أنَّ الله عز وجل بقوله فيه واصِفا لرسوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) أَفصَحَ لنا بذلك بأنَّ الوحيَ ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما: وَحيٌ مَتلُوٌّ مُؤَلَّفٌ تأليفا مُعجِزَ النظامِ وهو القرآنُ، والثاني: وحي مَروِيٌّ مَنقولٌ غيرُ مُؤَلَّفٍ ولا معجزُِ النظام، ولا متلوٌٍّ، لكنّه مَقروءٌ، وهو الخبر الوارد عن رسول الله، وهو المُبَيِّن عن الله عز وجل مُرادَه».27 لو كانت السُّنةُ تَشرحُ لنا كلَّ ما أراده الله تعالى مِنَّا لَمَا بَقِيَتْ لنا حاجةٌ إلى القرآن. وهذا هو سببُ عدمِ التَفَطُّن إلى الفرقِ بينَ الكتابِ وبين السنةِ. وقد قال الله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم)(النحل 16/44)، ولم يَقُلْ: «لتُبَيِّنَ للناس ما يَجبُ تَبيِينُه». وقد جَرَّ هذا الخطأُ إلى أخطاءَ أُخَرَ كثيرةٍ. أما عن موضوعنا فيقول ابن حزم: «معنَى قولِه عليه الصلاة والسلام: «والثَيِّبُ أَحَقُّ بنفسِها مِن وليِّها»28 أنه لا يَنفُذُ عليها أَمرُه بغير إذنِها، ولا تَنكِحُ إلا مَن شاءت. فإذا أرادتِ النكاحَ لم يَجُزْ لها إلا بإذنِ وليِّها، فإن أَبَى أَنكَحَها السلطانُ على رَغمِ الوليِّ الآبِي».29 إنه إذا لم يَكُنْ للوَلِيِّ حقُّ الاِعتراضِ فما معنَى كونِه وليّا ؟ أيكون في دين الله تعالى ما ليس له معنًى ولا حِكمةٌ ؟ ويقول في موضِعٍ آخَرَ: «وأما البِكرُ فلا يجوز لها نكاحٌ إلا باجتماع إذنِها وإذنِ وليِّها».30 فيُفهَم من هذا أنه إذا لم يَجتمعْ إذنُها وإذنُ أبيها على رجل واحد لم يَقعْ نكاحٌ. هذه هي النتائجُ التي لا مَفَرَّ منها إذا أُهمِلَ ميزانُ المعروف. ولو أنَّ ابنَ حَزمٍ نظر إلى الآيات أَوَّلاً ثم إلى الأحاديثِ على أنها شارحةٌ للآيات ثانيًا لَعَرَفَ معنَى وُجودِ الوليِّ، ولَبَنَى مَذهبَه على هذا في النكاح. ولكنَّه حين عُدِمَ مثلَ هذه المَنهَجِيّةِ لم يُعطِ للآيات المتعلقة بالموضوع حقَّها من البحث. الخاتمة الآياتُ والأحاديثُ المَذكورةُ أعلاه تُوجِب الإشرافَ على النكاح على ما يَقتضيه المَعروفُ، وهذا الإشرافُ مَوكولٌ إلى الولي. وإذا ما حَدَثَ سُوءُ تَفاهُمٍ تَدَخَّلت السُلُطاتُ المَعنِيّةُ بالأمر، فإذا لم يوجَد مانعٌ من زواج الشَخصَينِ عُقِدَ نكاحُهما بإعرابهما عن اتخاذِهما هذا القرارَ بحُضورِ الشهود. لكنَِّ المذاهبَ حينَ تَناولت الموضوعَ مِن زَوايَا مختلفةٍ تَوَلَّدَ عن ذلك الكثيرُ مِن الضَِيق والحَرَج. وحين سَمَحَ مذهبُ الحنفيّةِ بعَقد النكاح بحضور شاهدين دون أن يكون عليه مُشرِفٌ، تَسَبَّبَ هذا في التوَسُّع في عقده في المَدارِس، والمَعامِل، وغيرِها من الأماكنِ سِرًّا وتَسَبَّبَ في تَهريبِ البَناتِ. فإذا ما رَضِيَت البنت فأقرت النكاح بقولها «نعم» بحضور شاهدَينِ كان ذلك كافيا لعقدِه. أمَّا مذهبُ الشافعيةِ والمالكيةِ والحنابلةِ فكان السببَ في وجود مالٍ يُبذَلُ على وجه خاصٍّ للوليِّ (Ba?l?k paras?) عند النكاح. وبما أنَّ العقدَ باطلٌ إذا لم يكن الوليُّ طَرَفًا فيه وَجَبَ إقناعُه بأَسهلِ أُسلوبٍ هو ذلك المالُ المَبذول له. وهنا يَجِب عدمُ الخَلْطِ بين هذا المالِ وبينَ الصَداقِ، فالصداقُ يُعطَى للمرأة، بينما المالُ المذكور يكون لوليِّها مِن أبٍ أو أخٍ أو عَمٍّ أو غيرِهم … ولو أنَّ الآياتِ والأحاديثَ تُتَّبَع لما وَقَعَ ما وقع مِن تَهريبِ البناتِ، واستِغلالِ عَواطَفِهِنَّ وجَرِّهِنَّ مِن حَرَجٍ إلى حَرَجٍ بواسطة النكاحِ، ولا عُرِفَ أيضا مالٌ يُبذَلُ للولي خاصةً دُون وَلِيَّتِه. المراجع: 1 الصَداق أو المَهر هو ما على الرجل أن يدفعه إلى الزوجة أثناء الزواج. 2 المفردات للراغب الأصفهاني، مادة [عرف]. 3 الترمذي، النكاح، باب 14 رقم 1101؛ إبن ماجه، النكاح، باب 15 رقم 1880؛ مسند أحمد 6/260. 4 أبو داود، النكاح، باب 20 رقم 2083؛ الترمذي، النكاح، باب 14 رقم 1102؛ إبن ماجه، النكاح، باب 15 رقم 1879؛ مسند أحمد 6/66. 5 المبسوط للسرخسي، 16/124. 6 إبن ماجه، النكاح باب 12 رقم 1873 واللفظ له؛ النسائي، النكاح، باب 35 واللفظ له. أبو داود، النكاح، باب 26 رقم 2101. واسم الخنساء ورد ذكره عند النسائي وأبي داود. 7 النسائي، النكاح، باب 36 واللفظ له؛ إبن ماجه، النكاح، باب 12 رقم 1874؛ أبو داود، النكاح، باب 26 رقم 2096؛ مسند أحمد 4/136. 8 مسلم، النكاح، 66، 67، 68- (1421)؛ أبو داود، النكاح، باب 26 رقم 2098، 2099؛ إبن ماجه، النكاح باب 11 رقم 1870؛ النسائي، النكاح، باب 33، 34. 9 إبن ماجه، النكاح، باب 11 رقم 1872. 10 المبسوط للسرخسي، 5/13. ?mer Nasuhi B?LMEN, Hukuki ?slamiyye ve Ist?lahat? F?khiyye Kamusu, ?st. 1967, c. ??, s. 49. Paragraf 175, (ويستعمل هنا عمر ناصوحي بيلمان عبارة: «الولي الأقرب». وواضح أن المقصود بها الأب والجد). 11 المغني لابن قدامة 7/337. 12 المحلى لابن حزم 9/25. 13 المرجع نفسه 7/25-38. 14 المرجع نفسه 5/11-12. 15 المرجع نفسه 5/13-14. 16 البخاري، النكاح، باب 36. 17 المغني لابن قدامة 7/338. 18 المرجع نفسه 7/338. 19 مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني 3/262. مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر 1377هـ/1958م. 20 مجموع الفتاوى لابن تيمية 32/306-307. 21 المفردات، مادة صدق. 22 المفردات، مادة [نحل]. 23 النسائي، النكاح، باب 36 واللفظ له؛ إبن ماجه، النكاح، باب 12 رقم 1874؛ أبو داود، النكاح، باب 26 رقم 2096؛ مسند أحمد 4/136. 24 أبو داود، النكاح، باب 20 رقم 2083؛ الترمذي، النكاح، باب 14 رقم 1102؛ إبن ماجه، النكاح، باب 15 رقم 1879؛ مسند أحمد 6/66. 25 الشرح الكبير لسيدي أحمد الدردير بحاشية الدسوقي 2/222-223. 26 الأم للشافعي 5/13-15. 27 الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 1/93. 28 مسلم، النكاح، 66، 67، 68- (1421)؛ أبو داود، النكاح، باب 26 رقم 2098، 2099؛ إبن ماجه، النكاح باب 11 رقم 1870؛ النسائي، النكاح، باب 33، 34. 29 المحلى لابن حزم 9/25-38. 30 المحلى لابن حزم 9/25-38. أ.د. عبد العزيز بايندر- مدرس في كلية الإلهيات بجامعة استنبول 5/2005
|