|
إشكاليات التخصص في الفكر العربي الحديث (1- 2) |
|
|
|
محمد حسام الأثري
|
|
2006-04-04 |
تداركات منهجية على مقال السيدة بلقيس حسن "في الرد على شيوخ السلفية" خاص: "نساء سورية" بسم الله القائل –قل هل يستوي اللذين يعلمون والذين لا يعلمون-؛ أما بعد، فاني قليلاً ما أعرج على المقالات الداعية للسفور ولتخريب المرأة -عفوا تحرير! لأن الله كفانا شرهم بخير بيان، فقال عز وجل: -إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ-. ولكن اجتذبني كثيرا مقالة بعنوان: "في الرد على شيوخ السلفية" للكاتبة بلقيس حسن (اقرأ المقالة..) فتخيلتها بداءة مقالة تحوي في طياتها بحثاً علمياً أكاديمياً مؤيداً بحجج تلزم المخالف –أي هي حجة عند السلفية، وطبعا لا حجة إلا في صريح المنقول الموافق لسليم المعقول عندنا-، ومؤيدة بروح تقبل تعدد الأفكار، وخصوصاً تلك الأفكار السائدة في مجتمعنا التقليدي (والاصالة منقبة وليست بمثلبة)، ولا تتخذ الإقصائية منهجاً في الرد والتعامل مع الآخر. وتحوي فكراً لا يلزم أحداً بفكرة معينة، أو يوجب عليه الظهور بهيئة معينة. فلكل شخص ذوق معين –اقصد اللحية التي نالت منها الأخت في المقالة-. ولكنني رأيتها مقالة بعيدة عن روح التفكير العلمي! وبعيدة عن أدنى إنسانية في لهجة التعامل مع المخالفين! واعتقد أن هذا نابع عن إشكالية في فكرنا العربي الحديث. وهي إشكالية التخصص. فكلٌ يتكلم ويقرر مسائل، ويفرض آراء كما يشاء، مع كونه ليس من أهل الاختصاص. بل يتعدى ذلك لان يلصق هذا بالموضوع الأصلي كجزء لا يتجزأ منه. فكما ننصح نحن الإسلاميين أن لا يتكلموا في السياسة وغيرها حتى يبلغوا رتبة في التخصص، وهم قمة في مبدأ التخصص. فعندنا قاعدة أن الكلام لا يكون حجة حتى يكون من مقال المخالف، وليس من لوازم كلامه. والرد لا يكون إلا بما هو حجة عنده. وقاعدة أن لكل فن أهله يرجع فيه إليهم. لهذا رأينا كبار العلماء، أمثال الألباني، قليل التكلم في السياسة وغيرها لأنه ليس من أهل الاختصاص. ورأينا سفر الحوالي مبدع في ردوده العلمية على المخالفين من أصحاب الفكر الغربي ودعوات التحرر والبنائية والتنوير والحداثة. وحسب استفتاء BCC، احتل كتاب الشيخ عوض القرني حول الحداثة المرتبة الأولى بين أكثر الكتب انتشارا في القرن العشرين. والسابق ذكرهم هم من مشائخ السلفية أما أدعياؤها فكثر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأنا، كي لا أخالف ما انتقدته على الكاتبة، سوف أقوم بالاستدلال عليها من كتاب للدكتور العلماني فواد زكريا (التفكير العلمي). وسوف أسوق النقاط التي خالفت فيها المنهج العلمي للرد من مقالها نفسه. 1-تقول الكاتبة: "شاهدت كمن يشاهد كابوسا عجيبا, لا يمت لعالمنا بصلة, رجالا ملتحين بطريقة مرعبة مدعين أنهم أولياء وظل الله على الأرض, وأنهم أحبابه"! إن من عنده أدنى مسحة من معرفة حال مجتمعاتنا فانه سيدرك أن الحجاب وقوامة الرجل على المرأة هي السمة العامة لهذه المجتمعات العربية. أما دعوات تخريب المرأة فإنها صيحات في فضاء. ثم من قال إن اللحية مرعبة؟! مع العلم أنها صبغة للعلماء والمثقفين والفنانين قديما وحديثا في المجتمع الغربي-الذي أقطن في وسطه-! وأنا اقسم على الكاتبة أن تنقل لي متى قالوا إنهم ظل الله في الأرض؟! أم حرام على الإسلاميين طرح أفكارهم، وحلال لكم ذلك؟! وقبل هذا كله، هل يصلح التعميم على الجماعات بتصرفات أفرادها؟! أم هذا التعميم مقصود حسب مبدأ الميكفالية؟! يقول الدكتور فؤاد "المعرفة العلمية معرفة شاملة،. بمعنى أنها تسري على جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها العلم. ولا شأن لها بالظواهر في صورتها الفردية". و يقول "أما في العلم فمن غير المقبول أن تترك عبارة واحدة دون تحديد دقيق، أو تستخدم قضية يشوبها الغموض أو الالتباس". 2- تقول الكاتبة: "كانوا متشنجين للدفاع عن دونية المرأة ولا مساواتها". وأنا أقول كانوا متحمسين للدفاع عن أنوثة المرأة وعدم قبول تحمليها أكثر من طاقتها البيولوجية. ومتحمسين لتسخير الرجل كحارس لعرشها الأنثوي وعدم تركها لقمة سائغة بين أنياب الرجال. فلماذا هذه النظارة السوداء على أعين البعض؟! يقول الدكتور فؤاد: "وهكذا ظل الإنسان طويلا يستعيض عن العلم بخيالاته وانفعالاته وحدسه وأفكاره المجردة". 3- تقول الكاتبة: "كان أحدهم يصرخ بالقول بوقاحة من يطرحن حقهن بالمساواة: كيف يمكن لنا أن نقارن أشياء غير متشابهة ونطلب مساواتها؟ فهل يمكن أن نساوي السيارة بالثلاجة؟ ويؤكد انه لا يجوز لان المساواة تكون بين الأشياء المتشابهة! أي تخلف هذا؟ وأية بساطة وأمية يحمل هذا الشيخ ليصرخ أمام ملايين من الناس بهذا القول الذي يغضب كل ذي عقل, كيف يمكن لهذا الشيخ أن يتجاوز أهم شيء ميز الإنسان عن الحيوان والجماد, ألا وهو العقل.. العقل, وهل اكبر منه شيئا؟ ثم يسترسل هذا الشيخ ليقول أن كل شيء في الرجل مختلف تماما عن المرأة؛ جسدها, شعرها؛ رائحتها؛ خلاياها, ولعابها. ثم يسرد اختلافات فسلجية يراها كل أعمى, ولا ينكرها أي مخلوق, بل هي لا تحتاج إلى حديث منه أمام الملأ, لأنها حقيقة تقرها كل امرأة بالعالم, بل وتفتخر بها لأنها الأمومة, وهي الرقة, وهي الجمال, وهي الأنوثة، وهي الحنان الخلاق, ولولا هذا الاختلاف الذي يراه الشيخ نقيصة للمرأة, ما تكونت البشرية ولما استوت الحياة, فما الذي جاء به الرجل من جديد؟" وأقول هدانا الله أجمعين. ثم ما تقصد الكاتبة بالتخلف: هل العودة إلى الالتزام بالإسلام على طريقة محمد بن عبد الله تخلف؟ وهل تبلورت نهضة الغرب الحديثة إلا عندما أحيوا فكر أجدادهم الإغريق وثقافة الجسد والفلسفات القديمة؟! وهل انتكسنا إلا بروح التقليد الأعمى للغرب دون النظر إلى معطيات مجتمعنا؟! إلا في حال أرادت الكاتبة أن تأتي لنا بدين جديد "على الموضة"! وأقول لكل ذي عقل -مع أني لا اعلم أنه يوجد عقل مجرد عن التراكميات- أين الخطأ في هذه الجملة: كيف يمكن لنا أن نقارن أشياء غير متشابهة ونطلب مساواتها؟ فهل يمكن أن نساوي السيارة بالثلاجة؟ ويؤكد انه لا يجوز لان المساواة تكون بين الأشياء المتشابهة- مع العلم أن الكاتبة ساقتها منفصلة مجردة. ثم أقول هل تطرق الشيخ، هداه الله، إلى الحديث أن الرجل يتميز عن المرأة بالعقل، وأنى له هذا وهو علمنا قول الله "ولقد كرمنا بني آدم"! وأقول انك إما أردت معنى آخر أو أخطأت بكلمة "فسلجية". فأولاً هي فسيولوجية. وثانيا الفسيالوجيا علم يدرس وظائف الأعضاء. ولو كنت مكانك لقلت انك أمية! ولكني سلفيّ أحترم الناس ولو خالفوني. ثم قول الكاتبة: "ولولا هذا الاختلاف الذي يراه الشيخ نقيصة للمرأة, ما تكونت البشرية ولما استوت الحياة, فما الذي جاء به الرجل من جديد؟!". وهذا دليل ضدها. فاولاً الشيخ لم يذكر أن كل هذا نقيصة للمرأة؛ بل هذا تبيين لما أكرمها الله به من خصوصية، وجعل الجنة تحت قدميها، وجعلها أحق الناس بصحبة الرجل، وسخّر الرجل لها، وكلفها بأعظم وظيفة بشرية هي التربية، تربية الأنبياء والحكماء والأجيال. ولم يكلفها أن تحتك بالرجال لتفقد حياءها وتعطل وظيفة التربية الجليلة المنوطة بها. أما مسألة القوامة التي ندافع عنها فهي شيء فطري ضروري لاستمرار البشرية؛ فمن المعلوم أن أدنى التجمعات البشرية، وحتى غير البشرية، تحتاج لقيادة حكيمة لتستمر. وهذا هو لب القضية. وليس الموضوع موضوع دونية وفوقية، بل هو مجرد قوامة وإعطاء كل صاحب كفاءة دوره الطبيعي في المجتمع. وقول الكاتبة يؤيد قولي, لأنها حقيقة تقرها كل امرأة بالعالم, بل وتفتخر بها لأنها "الأمومة, وهي الرقة, وهي الجمال, وهي الأنوثة، وهي الحنان الخلاق. ولولا هذا الاختلاف الذي يراه الشيخ نقيصة للمرأة, ما تكونت البشرية ولما استوت الحياة". ولكن عندما أنكرت هذه البديهيات اضطر العلماء لتبيينها لأصحاب الفطر المنكوسة. يقول الدكتور فؤاد: "يميل الناس إلى تصديق ما يرغبون فيه أو ما يتمنون أن يحدث. وعلى العكس من ذلك فإنهم يحاربون بشدة ما يصدم رغباتهم أو يحبط أمانيهم". ويقول: "فحين أكون متعصبا لا أكتفي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائل، بل ينبغي أيضا أن استبعد فضائل الآخرين وأنكرها وأهاجمها. بل إنني، في حالة التعصب، لا اهتدي إلى ذاتي ولا اكتشف مزاياي إلا من خلال إنكار مزايا الآخرين". أكتفي بهذا القدر من هذا القسم. وإن شاء الله ستكون المقالات القادمة تفصيلية ببحث إشكالية التخصص في الفكر العربي وما جرّته من خلق تناقضات في المجتمع لا داعي لها. وأكسبت، بنظري، نهضته روحاً من العدوانية والكراهة لمجرد اختلاف توجهاتهم وطرقهم المتبعة للرقي بمجتمع غير منفصم الشخصية بين ماضيه وحاضره. محمد حسام الاثري: كاتب سوري يعيش في روسيا 10/5/2005
|