|
اتفاقية حقوق الطفل من تاريخ المصادقة وحتى اليوم.. ماذا قدمت للطفل.. |
|
|
|
ربا الحمود
|
|
2008-08-16 |
شعر بإساءة أهله تجاهه مرارا.. أمسك الهاتف واتصل بالرقم الذي تم تلقينه له في المدرسة ليتصل بالشرطة ويبلغ عن الإساءة أو سوء المعاملة التي يتعرض لها.. طبعا لا يحدث هذا في سورية. بل فقط في البلدان التي اعتبرت توقيعها على اتفاقية حقوق الطفل أمراً يتعلق حقاً بحقوق الإنسان، وتسعى إلى احترام توقيعها ذاك.
ففي الكثير من البلدان "الغربية" تحترم حقوق الطفل ويمنع الأهل من ضربه أو شتمه أو تعنيفه تحت طائلة مساءلتهم قانونياً وحرمانهم من حضانة الطفل فيما لو تكررت هذه الأحداث.أما في سورية وباقي الدول العربية، فالطفل ينشأ منذ نعومة أظفاره على تقديم فروض الطاعة والولاء! ابتداء من العائلة التي عليه أن يكون لها المطيع الذي لا يكف عن تنفيذ الأوامر والتعليمات وبدون أي اعتراض أو تفكير! وانتهاء بأوامر المدرسين وقوانين المدارس! مع "مراعاة" تعرض الطفل للضرب والإهانة والشتم والتجريح وغير ذلك من الأساليب التي تندرج تحت بند "التأديب" المسموح به في العرف والقانون، سواء داخل العائلة أو في المدرسة التي باتت لا تعطي طفلنا إلا المزيد من الإحباط والفشل في مستقبله بسبب كل هذا القمع والكبت النفسي الذي يتعرض له على مدار الساعة من بين كل الظروف الحياتية المحيطة به . ومع ذلك لا تجد هذه الدول غضاضة في التوقيع على اتفاقية حقوق الطفل مع التحفظ على بعض بنودها الأساسية! مثلما فعلت سورية مع المواد 14-21-22 بحجة أنها مواد تتعارض مع الدين!
ورغم أن فكرة إتاحة حق التحفظ للدول على بعض بنود الاتفاقيات يهدف إلى تحقيق ما يمكن تحقيقه من تقدم على صعيد حقوق الطفل، إلا أنها محاولة بائسة في الواقع، لأن هذه التحفظات خلقت فجوة تتسع باستمرار، إضافة إلى الفجوة الموجودة أصلاً بين واقع الطفل وحقوقه في العالم المتقدم وواقعه وحقوقه في باقي العالم. فكما نعرف لم يتغير شيء في القوانين المتعلقة بالطفولة في سورية منذ توقيع سورية على الاتفاقية وتصديقها. فبينما اعتبرت المادة الأولى من الاتفاقية كل من هو دون الثامنة عشرة من عمره طفلا. وهو الاعتبار العالمي والمنطقي والإنساني وفق تطور معطيات الحياة التي تزداد تعقيداً وتشعباً، ما زالت قوانيننا التي تعتمد سن الرشد المعتمد على سن الثامنة عشرة في الكثير من المعاملات، ما زالت تستثني ذلك العمر في الامور الأكثر خطورة والأكثر احتياجا للوعي والتجربة وهي قضايا الزواج. إذ يمكن للأطفال أن يتزوجوا بحماية القانون في سورية! ويكفي أن يرى المشرع "علامات البلوغ" حتى يسمح بالزواج! وهي ثغرة نعرف جميعا أن ما يحدث تحتها هو أن الكثير من الآباء يزوجون بناتهم وأبناءهم أطفالاً ضامنين المعاملات القانونية!
ما يزال التمييز بين الأطفال الذكور والطفلات الإناث قائم في كل أوجه التربية وفق الثقافة السائدة والتي لا يجري أي عمل ملموس لإعادة بنائها وفق رؤية المساواة. كما تبدو الفوارق واضحة بين الأطفال الميسورين وغير الميسورين، لا سيما في المدارس. ولم تطرأ تعديلات هامة على مناهجنا المدرسية تهدف إلى شرح وترسيخ مفاهيم الاتفاقية، ونشر ثقافة حقوق الطفل. بل إن تداولها في البرامج الإعلامية يتم بشكل عرضي بعيد عن أية منهجية. رغم أن المادة 42 من الاتفاقية تؤكد ضرورة ذلك.وما زال الأطفال في سورية هم الضحية الأولى لقانون الجنسية التمييزي الذي يحرم المرأة السورية جوراً من حقها الأساسي بمنح جنسيتها لأطفالها بغض النظر عن جنسية الزوج. كما يمكن له أن يبقى مجهول النسب إذا قرر والده عدم الإقرار به، دون أن تتبنى المحاكم السورية اختبار DNA حتى الآن كإثبات علمي معتمد. وفي هذا تناقض مع المادة السابعة من الاتفاقية.وأما عن قاعدة "مصلحة الطفل هي العليا" فإنها ملغاة تماماً في الواقع السوري. فلا يؤخذ رأيه ولا مصلحته في أي من المنازعات بين الأب والأم. وهو يذهب وفق نصوص القانون إلى الحاضن، دون أن تؤخذ المصلحة الحقيقية له والتي قد تكون متعارضة في هذه الحالة أو تلك مع نص القانون. وحتى حين تكون الحضانة من حق الأم، لا تؤخذ مصلحته في الحسبان، بما في ذلك مصلحته الأساسية بسكن ملائم ونفقة ملائمة. بل حتى في حياة الطفل العادية في أسرة على وئام، كم من الحقوق يحرم منها بأشكال مختلفة؟ سواء حق اللعب أو حق التعليم أو الصحة أو..؟ هذه الأمثلة السريعة هي غيض من فيض لا يدل إلا على عدم انسجام القوانين مع ما يتم المصادقة عليه. وفي الأساس يدل على أن التوقيع لم ينبع من رغبة صادقة في تحسين واقع الطفل في سورية. بل مجرد نوع من الهروب إلى الأمام عبر الادعاء أننا قد وقعنا على اتفاقية كذا! وما نحتاجه هو إعادة بناء هيكلية جديدة في التعامل مع حقوق الطفل على كافة المستويات وفي كل المجالات. ومن ذلك: - يجب منع استخدام و تشغيل الأطفال تحت أي ظرف أو عمل كان وتحت أي مسمى كان، وخاصة تلك الأعمال التي تستوجب من الطفل العمل حتى ساعات متأخرة من الليل (كمحلات الألبسة) والأعمال التي تحتاج إلى قوة بدنية (محلات الحدادة والنجارة) وغيرها من الأعمال التي تحاول استخدام الأطفال كونهم أصحاب يد عاملة رخيصة أو شبه مجانية، ومراقبة مدى تنفيذ ذلك مراقبة جدية، حيث إن استصدار القوانين لا يكفي ما لم تدعم بعقوبة ملائمة لمن يخالفها.- الإسراع بإعادة تغيير المناهج المدرسية وتضمينها بنود الاتفاقية ونشر ثقافة حقوق الطفل بين الأطفال والكادر التدريسي أيضا بما يلائم المجتمع وتطوره. مع ضرورة أن تتضمن المناهج أجوبة علمية ومنطقية عن أسئلة الطفل التي يقوم بطرحها على والديه ومعلميه والتي غالبا ما تكون الإجابة عليها بطريقة قمعية لمنعه من إعادة طرح هذه الأسئلة "الحساسة"! وتضمين المناهج مواد خاصة بالتربية الجنسية، والتي بغيابها كمادة تعليمية، يضطر الطفل غالبا إلى التوجه بعيدا ليحصل على الأجوبة من مصادر غالباً ما تكون غير علمية وتؤدي إلى تشوه في معرفته وبالتالي في سلوكه وقيمه، مما يجعله عرضة سهلة للانحراف والاستغلال الجنسي.- إتاحة الحرية الكاملة للطفل في التعبير عن أرائه وأفكاره لأن الحرية في التعبير هي الطريق الصحيح للتفكير السليم للوصول إلى التجديد في تفكير الطفل بعيدا عن أي كبت، وهذه الحرية هي ما يفسح الطريق أمامه لإيجاد أفكار إبداعية تناسب الطفل. مع ضرورة تنمية القدرة على الإبداع والعطاء عند الطفل وحثه دائما على الإنتاج لان ذلك يعزز الشعور بالمسؤولية لدى الطفل .- إقامة المحاضرات الدورية والمتتالية في المدارس والمنظمات والمؤسسات والهيئات الإعلامية المرئية والمسموعة ضمن برامج منظمة ودورية، وصولا إلى تعريف الأهل والأطفال معا بحقوقهم وواجبا تهم وتضمين هذه المحاضرات تعريف كامل عن اتفاقية الطفل وطرق تطبيقها .- إعادة التأكيد على التعليم الإلزامي للأطفال ومتابعة الزاميته في الأماكن والقرى النائية وخاصة للإناث، وإعادة النظر في إلزامية التعليم فلا ينبغي أن تقتصر على المرحلة الأساسية فقط.. بل يجب أن تمتد لتشمل المرحلة الإعدادية وخاصة للإناث، للحيلولة دون حدوث التسرب من المدارس أو ترك المدرسة للعمل في الأرض أو للزواج .- التأكيد على إلزامية التعليم، خاصة للمعوقين والفتيات، ومنع التمييز بين الذكور والإناث من الأطفال، والتنسيق الفعال بين الجهات الحكومية المسؤولة والمنظمات غير الحكومية للوصول إلى كل طفل ومعاق إينما تواجد، وتقديم الخدمات الملائمة له. وتأمين الموارد المالية للأسر غير الاقدرة على تلبية مستلزمات هؤلاء الأطفال.- نشر التوعية بين أهالي الأطفال المعوقين حول أفضل الأساليب للتعامل مع أطفالهم. وتغيير المفاهيم السائدة التي تهمش المعاق وتعتبره عارا يجب إخفاؤه عن المجتمع. خاصة حين يتعلق الأمر بالبنات المعاقات اللواتي كثيرا ما يحبسن في بيوتهن دون محاولة تقديم أي علاج أو تأهيل لهن خوفا من التعرض للاستغلال الجنسي. - وكل ذلك يجب أن ينضوي تحت قانون خاص بالطفل يخرج من إطار اعتبار الأطفال ملكية لأهاليهم، ويعترف بأنهم مسؤولية المجتمع ككل. وهذا القانون لا بد أن يكون جزء من قانون الأسرة حتى يكون التعامل مع قضايا الطفل متكاملاً مع بيئته (الأسرة). ووسائل تطبيق هذا القانون يجب أن تكون مبرمجة ومؤهلة بشكل صحيح للتعامل مع الأطفال بطريقة صحيحة تعتمد أحدث منجزات علم النفس وعلم الاجتماع في هذا المجال. وتأخذ مصلحة الطفل في كل جزء من أجزائها. خاصة أن القانون السوري يكاد لا يلحظ الطفل إلا كجزء من معاملات الطلاق، أو بصفته "جانحاً"! وأخيرا.. يجب أن تكون كافة المعلومات والإحصائيات والتقارير التي تلتزم الحكومة بتقديمها إلى اللجنة الخاصة في الأمم المتحدة، وفق المادة 44 من الاتفاقية، متاحة للجميع وقابلة للمناقشة العلنية المفتوحة. وهذا ما لا يتم أبداً. بل تحاط هذه التقارير بالسرية والكتمان وتمنع حتى الجهات المختصة من المشاركة فيها، عدا عن الاطلاع عليها ومناقشتها. وهذا ما يترك أسئلة كثيرة حول مضمون هذه التقارير وآلية صياغتها والرؤية المتضمنة فيها..
ومن ثم لا بد من التذكير دائماً بضرورة إعادة النظر بجميع التحفظات السورية على اتفاقية حقوق الطفل، فهذه الاتفاقية هي خلاصة ما وصلت إليه البشرية من تطور وحضارة، مستندة فيها إلى تجارب الشعوب جميعا. ولا مبرر أبداً لوضع الدين دائما ذريعة بحيث يبدو الدين مؤيداً للعنف والتمييز في كل مرة يوضع كذريعة للتحفظ. بما في ذلك المادة 14 من الاتفاقية التي تنسجم أصلا مع كافة الأديان التي تعتبر أن الانتماء إلى دين ما هو خيار شخصي (وهو شرط ضروري للمحاسبة وفق رؤية الأديان السماوية). ومن الطبيعي أن يؤيد هذا الحق بشروط منها مثلا اعتماد سن الرشد كسن أساسية للاختيار الديني.ولا بد من أن نتذكر دائما أن الطفل هو إنسان المستقبل. وضمان حقوقه هو أساسي من أجل مجتمع يقوم على مفاهيم المواطنة. وأن الطفل هو أساساً نواة الأسرة التي تشكل البيئة الطبيعية لنمو ورفاهية أطفالها. وهو ما أكدت عليه ديباجة الاتفاقية. ربا الحمود، عضوة فريق عمل نساء سورية، (اتفاقية حقوق الطفل من تاريخ المصادقة وحتى اليوم.. ماذا قدمت للطفل..)
خاص: نساء سورية
|