|
اغتصاب الزوجات بين صمت الجدران ومباركة القوانين! |
|
|
|
ربا الحمود
|
|
2008-08-09 |
كيف لي أن أبدأ بحديثي لكم الذي ختمته قبل ساعات..معها؟! أي حزن، أم عار، أم أنها نوع من الكآبة المبطنة بعدة قناعات اعتدنا أن نجعلها أمرا واقعا؟! بل معتادا؟!
وربما محرم علي وعليكم أن أبدأه كحديث.. أو ربما قد يلومني البعض أو يتهمني بجرأة فجة عندما أطرح ما قد اطرحه الآن. وقبل أن افقد جرأتي.. سأسارع بأن اطرح ما آلمني وارتجف له كياني من كوني ورغم كل ما حققته، إلا أنني أقف عند ذلك النوع البشري الذي تتدنى لديه كل المقاييس ويتم تجاوز كل الحريات عند جنسه! كوني "امرأة" صار شبحاً يخيفني.. يؤلم حريتي التي تخطو بخطى خجولة متثاقلة تمشي بعدة سلاسل اعتقدت أني فككتها منذ زمن. وهذا ليس ألمها فقط، بل هو ألمي وألم الكثير من النساء.. وربما كل النساء اللواتي فضلن الصمت! ولكنها صديقتي أرادت أن تتكلم، أن تصرخ ويصل صوتها إلى كل من سيقرأ حروفي وكلماتي. السيدة (س) امرأة متزوجة منذ أكثر منذ خمسة عشر عاما، حصلت على شهادتها الجامعية، وتزوجت به مذ كانت امرأة صغيرة، اعتادت أن تتقمص أفكاره وأرائه، وان تمشي حسب أهواءه ورغباته. ولم يكن هو ذلك الشخص السيئ فهو أيضا رجل ناجح، ناضج، هادىء. ويملك تلك القدرة الكبيرة على إقناعها طوال هذه السنوات بأنه دائما على صواب وهي دائما على خطأ. لعل قصتي حتى الآن عادية واعتيادية ولاشيء يحرك الغبار الراكد في هذه العائلة الصغيرة التي انضم إليها لاحقا طفلين. خبرتها التي بدأت تكتسبها من تجربتها في الحياة والتقدم في العمر والعمل، جعل السيدة (س) تقارن بين أراء زوجها ومدى التقائها مع وجهة نظرها ورغبتها في أن تقوم بما تملي عليها قناعاتها وإرادتها الحرة التي اعتقدت أنها كذلك. ومنذ قررت أن تبدي رأيها في حياتها وخياراتها تحولت تلك العائلة الصغيرة المسالمة إلى منزل يسوده الصقيع أحيانا، والمشاحنات أحيانا أخرى. فقد كبرت طفلته الصغيرة كما كان يراها وأصبحت تفكر وتقرر وحدها دون اللجوء إليه. أياما مضت عندما أصبحت حياتهما صامتة، باردة، تحاول معه استجرار حديث لكسر ذلك الحاجز الذي يصر على وضعه مادامت تصر على تلك الآراء والأفكار التي لا تعجب عقله. كل ما كان يمر لم يكن يؤثر على ذلك الود والاحترام الذي كانت تكنه له، حتى ذلك اليوم الذي احتدم به النقاش، ووصلت بهما أصواتهما العالية، ورغبتها الشديدة في أن تقنعه بخطوة بخصوص عملها التي ستقدم عليها، إلى أن أمسكها من يدها بقسوة، جرها إلى السرير حيث رمى بها عليه، وارتمى على جسدها مهمهاً: "أنا الزلمي هون"! "وأنا اللي بقرر أيمت وكيف وشلون"! والعديد من الألفاظ.. التي لا تشعر إلا بضعف هذا الرجل الذي فشل هذه المرة في فرض سيطرته، فلجأ إلى "إثبات" رجولته عن طريق "الذكورة"؟! توقفت مختنقة بغصة عميقة تلاها بكاء عميق وصامت.. وشعور طاغ بالذل والمهانة! لم يضربها؟! وربما ليته فعل! فهل ما فعله من اغتصاب صريح وواضح إلا عنفاً لا يقل قسوة عن أي عنف آخر، بما فيه الضرب؟! أليس هو "الذكر" الذي يستطيع أن يفعل بـ"أنثاه" ما يريد ويرغب، وفي الوقت والساعة التي يحددها هو، وبالطريقة التي يريدها هو، بغض النظر عن أية إرادة أو مشاعر تخصها؟! كانت تعرف أن الجنس بينهما قد يخفف التوتر. ولكنه لم يكن يطلب الجنس. بل كان يثبت لمن القرار النهائي بوجه من تجرأت على نقاشه! وأي إثبات أهم من أن يثبت لها أنه حتى جسدها ليس إلى مجالا لذكورته المسيطرة؟! لعل ما سردته قد لا يلقى بالا من احد وربما قد لا ترونه كما أراه كارثة الحياة المشتركة. فالرجل يحق له دائما كل شيء وفي كل وقت وليس بحاجة إلى تبرير أفعاله. وربما يرى البعض أن هذا حق من حقوقه الزوجية على زوجته، ولا يحق لها ممانعته! حتى لو لجأ إلى أن يفرض عليها معاشرته قسرا وعنوة عنها إرضاء لرغبته الآنية التي لا تندرج إلا تحت مسمى واحد فقط: (الاغتصاب). مضى يومان قبل أن أعود لأراها واطمئن عليها.. ولم افاجأ بأنها كانت كما عهدتها دائما: قوية في أعماقها، وقادرة على تجاوز الصعاب.. لكن كانت، من جديد،تفكر بصوت مسموع.. ماذا تفعل الآن؟ لم يكلف زوجها نفسه عناء أي شيء سوى اعتذار عابر عن ممارسته الدنيئة تلك! اعتذار عابر لأنه لم يقف عنده ولم يبن عليه أي سلوك جديد.. وطبعا، وكالعادة، كان عليها قبول اعتذاره، وقبول الإهانة التي تغلغلت إلى عمقها، والشعور بالكراهية لجسدها الذي لم يكن قادرا على حماية نفسه من اعتداء سافر! وعليها أيضا أن تتأقلم مع إحساسها الجديد أن "زوجها" بات غريب عنها بعد أن اغتصبها اغتصاباً! وهي اليوم تخاف أن يعيد الكرّة.. فما الذي سيردعه عن تكرارها؟! فالقانون يسمح للزوج باغتصاب زوجته التي ليست سوى "متعة" له! بل ويستثني صراحة الزوجة من تجريم "الاغتصاب"! والمجتمع ما زال يقبل كل ما يفعله الزوج الذي هو "سي السيد"! لعل هذا الزوج شعر بخطاه واعتذر، على الأقل هذه المرة.. لكن ماذا عن النسبة الأكبر من الأزواج ممن يتعاملون مع زوجاتهن بهذه الطريقة يوميا وبدون أي إحساس بالأذى الواقع عليهن. لعل هذه المرأة قد تكلمت، عبرت عن استيائها، لكن ماذا عمن اخترن الصمت ملاذا لفصول اغتصابهن على مدى سنوات طويلة من زواجهن؟! القصة تبدأ أصلا مع عقد الزواج الذي هو عقد إذعان من المرأة للرجل في الواقع. فبموجبه المرأة هي ملك للرجل! فأي عدالة أو تكافؤ أو تكامل سيكون هنا بين الأشخاص غير المتساوين في الحقوق والواجبات؟ أليست النتيجة الطبيعية إذا أن تتحول المرأة إلى شيء ما يمتلكه الرجل؟ ابتداء من السرير الذي يجعلها متلقية دائماً، والذي تُنتهك فيه أدنى حقوقها الجسدية والإنسانية، ولا تنتهي عند اعتبار أفكارها وأرائها مجرد نزوات يجب ان تنتهي بقبول رأي الرجل؟ فكيف إذا ستكون المراة متساوية بالحقوق والواجبات أمام الرجل، بعلاقة قائمة على المودة والتكافؤ مادامت أسس هذه العلاقة غير متوفرة؟! وهل يمكن أصلا أن تكون المودة ويكون التكافؤ بين السيد والعبد؟ فكيف إذا كانت محرومة حتى من حق أن تقرر ببساطة أنها غير راغبة بالمضاجعة؟ طبعا البعض يعتبر أن علاقة الزوج بزوجته هي حق مطلق للزوج! حتى في هذه الحالة، أليس الإكراه هنا تعسف في استخدام "الحق" ذاك نفسه؟! والقانون السوري لا يعاقب الزوج الذي يتعرض لزوجته بالضرب أو الإيذاء إلا إذا ترك ذلك الضرب والإيذاء علائم على جسدها يقرها ويؤكد وقوعها من قبل الزوج طبيب شرعي يخضع بعمله أصلا لوزارة الداخلية! فمن الطبيعي إذا أن لا يأخذ الاغتصاب الزوجي بحسبانه، بل يتركه "كحق" من حقوق الزوج أيضاً! فهذا ما يعتبره القانون والثقافة العامة شأنا "أسرياً" داخلياً، بينما هو تعد سافر من قبل إنسان ضد إنسان آخر، ولا تشفع له أية علاقة خاصة تقوم بينهما. فالجريمة هي الاعتداء الذي وقع والذي لا يجب أن يشفه لها عقد ما، حتى عقد الزوجية. فكيف بالاغتصاب الذي هو واحد من أسوأ أنواع الإيذاء البدني والنفسي؟! القوانين العربية لا تعاقب على اغتصاب الرجل لزوجته، وقد أعدت (مصر) مشروع قانون يعاقب الأزواج الذين يقدمون على اغتصاب زوجاتهم. إلا أن المشروع توقف عند طريقة الإثبات القائمة فقط على شهادة الزوجة، مما اعتبر عائقا قضائيا لاتخاذ أحكام قائمة على شهادة واحدة، لكن تلك حجة باطلة. فحين تؤخذ العلوم النفسية والاجتماعية بالحسبان، وحين تكون المحاكم مؤهلة جيدا، بما في ذلك القضاة، فإنه لا يصعب الوصول إلى معرفة صحة الشهادة من كذبها، على الأقل بالمستوى نفسه الذي يمكن الوصول إليه بالنسبة لأية شهادة أخرى. كذلك وقف رجال الدين عائقا آخر أمام مشروع القانون، فهؤلاء ما زالوا يعتبرون أن العلاقة الزوجية هي حق كامل للرجل، في موقف ذكوري بحت يثبت التمييز ضد البشر على أساس الجنس، وهو ما يتناقض تماماً مع أي ادعاء بأن هذا الدين هو عادل. فاين العدل مع التمييز الذي يمنح طرفاً حقوقاً بممارسة العنف تجاه طرف آخر؟ لذلك على رجال الدين هؤلاء أن يحسموا خياراتهم: إما أن الدين عادل، وبالتالي يجب أن يقفوا بقوة ضد أي عنف زوجي، أو أنهم مع هذا العنف بصفته حقا للرجل، وأيا كان المبررات، وبالتالي فإن دينهم يقول بالتمييز لا بالعدل؟ فقط (القانون التونسي) يعاقب على اغتصاب الرجل لزوجته بالمادة/227/. فالقانون التونسي لا يكسب الزوج أي حصانة أو أي عذر مخفف على المعتدي ويعتبر الفعل اغتصابا حالما تتوافر عدم موافقة المرأة. وفي هذه الناحية يشكل القانون التونسي أكثر القوانين العربية انسجاماً مع روح ونص حقوق الإنسان، ويشكل أفضل القوانين اقتراباً من محتوى القيم السامية للأديان والمعتقدات السامية جميعاً. وهو ما نأمل أن نصل إليه جميعا ذات يوم، بل ونتجاوزه إلى عال خال من العنف بكافة أشكاله ومسمياته. ربا الحمود، عضوة فريق عمل نساء سورية، (اغتصاب الزوجات بين صمت الجدران ومباركة القوانين!)
خاص: نساء سورية
|