|
عمل المرأة: حق أم واجب، أم منحة؟ |
|
|
|
هنادي زحلوط
|
|
2008-08-09 |
في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية العامة لمعظم الأسر، رغم عمل الزوجة، خارج المنزل وداخله، وعدم تمكن الزوجين العاملين معا من تلبية متطلبات الأسرة، حتى مع امتهان الزوج لأكثر من مهنة وعمل،
وفي ظل نقص في عدد فرص العمل المتاحة أمام الشبان والشابات في آن معا، وارتفاع تكاليف الزواج، والمعيشة، وبحث الشبان عن المرأة الموظفة كشريكة لبناء مؤسسة الزوجية، يصبح عمل المرأة إشكالية مركبة بحد ذاته! في بحث مقارن لـ المحامية حنان نجمة بعنوان "حقوق المرأة في تشريعات العمل"، من منشورات الهيئة السورية لشؤون الأسرة، ذكر أن الدستور السوري يقول في مادته السادسة والثلاثين أن "العمل حق لكل مواطن وواجب عليه وتعمل الدولة على توفيره لجميع المواطنين"، ولأن كلمة مواطن يقصد بها في الدستور المواطن رجلا كان أو امرأة ولأنه، وحسب المادة الخامسة والعشرين منه "المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات" إذ" تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين"، فقد أكد الدستور في مادته الخامسة والأربعين على ضرورة أن "تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الاشتراكي". في قانون العمل السوري ورد في المادة مائة وثلاثون" تسري على النساء العاملات جميع النصوص المنظمة لتشغيل العمال دون تمييز في العمل الواحد"، وقد راعى القانون خصائص المرأة في بعض مواده (مائة وإحدى وثلاثون، ومائة واثنتان وثلاثون، ومائة وتسع وثلاثون) التي منعت عمل النساء ليلاً إلا بقرار من وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وكذلك عملها في الأعمال الضارة صحياً وأخلاقياً والأعمال الشاقة. وطلبت المادة مائة وتسع وثلاثون تأمين مقاعد لاستراحة العاملات في حال استدعت طبيعة العمل ذلك. كل النساء، حسب ما ورد في محاضرة أعدتها الدكتورة مية الرحبي بعنوان "المرأة العاملة، واقعها والقوانين التي تمس وضعها كامرأة أولا، وكامرأة عاملة ثانياً" هنّ عاملات، سواء داخل المنزل أو خارجه، حيث تؤدي النساء ثلثي حجم العمل العالمي، وذلك عبر: * العمل الإنتاجي: وهو عمل مدفوع الأجر. * العمل الزراعي: وهو عمل تقوم به كافة النساء في الريف وهو بدون أجر. * العمل الإنجابي: وهو إنجاب الأطفال ورعايتهم، ويستهلك من المرأة 8 ساعات في اليوم. أما العمل في المجتمع المحلي فهو نوعان: * أهلي: يتجلى في عمل المرأة في الأعراس والأفراح والأحزان والولائم وما يتبعها - وهو بدون أجر طبعاً. * مدني: وهو طوعي بدون أجر كالعمل في المنظمات المدنية لخدمة قضية المرأة والمجتمع. * قوة العمل، حسب الدكتورة ميّة، "تبلغ 15 في المائة فقط من مجموع القوى العاملة. و أن عدد النساء العاملات دون أجر يبلغ ثلث عدد النساء العاملات"! ورغم أن ذلك يعني أن النساء في الريف يعملن أكثر منهنّ في المدينة، فإن ذلك يعني أيضا أن النساء في الريف هنّ مستغلّات أكثر في أعمال يجني الرجل وحده ثمارها اقتصاديا، بالإضافة إلى أن العمل الزراعي من الأعمال الأكثر صعوبة بسبب عدم حماية العاملين فيه من الظروف الجوية، وعدم وجود أي نوع من الضمان الصحي أو التأمين حتى لمن تعملن بأجر!وفي ظل التطور وثورة المعرفة التي اجتاحت العالم، كان لابد لذلك أن يترك أثرا في ميدان العمل، عبر رفع سوية الوعي، كما في زيادة احتياجات الفرد الاستهلاكية، فكان أن ارتفعت نسبة قوة العمل بمقدار 4،9% بين عامي 1994 حيث كانت 10% مقابل 14،9% في العام 2006 ورغم الارتفاع النسبي فإنها ما زالت منحازة لصالح الذكور ومتدنية مقارنة بنظيراتها في الدول المتقدمة، ذلك بسبب الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع، واقتناع معظم النساء بأن مكانهنّ الطبيعي هو في المنزل، و قوة العمل هي القوة الفاعلة الحقيقية في الاقتصاد وبمقدار ما يتقلص حجم من هم خارج قوة العمل وينخفض معدل البطالة يتأثر الاقتصاد إيجابا"ً. ومرة أخرى نوّه هذا التقرير بأن قطاع الزراعة هو القطاع الثاني من حيث عدد النساء العاملات بعد قطاع الخدمات، مشيرا إلى زيادة عدد النساء العاملات في القطاع الخاص بنسبة تقارب 4% بين عامي 1994 و 2006. وبالنظر إلى أن القطاع الخاص غير ملزم بقوانين محددة فيما يخص فرص العمل والأجور والإجازات والضمان الصحي والتقاعد، فإن ذلك جميعه يعرّض النساء العاملات فيه إلى الكثير من الغبن والاستغلال.ورغم أن الدستور قد كفل للمرأة حقها كمواطنة في العمل، كما قانون العاملين الموحد، فإن قانون الأحوال الشخصية قد جعل ذلك مشروطا بموافقة الزوج، إذ يستطيع الزوج أن يمنع الزوجة من العمل، مهددا إياها بالطلاق وسواه، ومؤكدا على أن دور المرأة هو إنجابي، تربوي، ومنزلي بالدرجة الأولى! وحين يرضى الزوج، ويوافق على أن تعمل المرأة خارج المنزل وداخله، لتساعده في تحمل أعباء الأسرة في زمن وصل فيه متوسط دخل الفرد إلى 200 دولار شهريا، فإنه كثيرا ما يفعل ذلك وكأنه يقدّم لها منحة ما، فيشترط عليها عدم التقصير في أعمال المنزل، وتربية الأطفال، وخدمته!حسب التقرير الوطني حول أوضاع المرأة في سورية لعام 2005 فإن معدل الخصوبة بالمتوسط بلغ 3،8 مولود للمرأة الواحدة، وبالنظر إلى غلاء أجور الروضات وانخفاض مستوى الخدمات التي تقدمها الروضات للأطفال، وعدم تأمين العناية الكافية، فإن المرأة تذهب إلى عملها بعد أن تترك أطفالها في الروضة غير مطمئنة، ولكنها مضطرة لذلك، لأنه لا خيارات كثيرة أمامها، إن كانت تريد العمل وإعالة أسرتها!هكذا يضحي العمل عبئا ثقيلا على كاهل المرأة، بعد أن كان مطلبا وحقا لها، وبعد أن كانت تناضل على أنه حق بديهي من حقوق مواطنتها أصبح يمنح لها على أنه هبة تكرّم به عليها الرجل، فيما هي كانت بالأصل عاملة طوال الوقت في المنزل! ومع ارتباط عمل المرأة بمستوى الدخل، والتربية، والاقتصاد الوطني، وتطوّر المجتمع، فإنه يصبح من واجب الجميع العمل لرفع الظلم الذي يلحق بالمرأة التي تعمل الآن بكامل طاقتها، وفي ظروف لا تعاني صحتها في أحيان كثيرة! العمل حق للمرأة، ولكن ذلك لا يكتمل إلا بتمكينها من ممارسة هذا الحق بالشكل الأمثل، من اجل مجتمع أفضل، اقتصاديا وتربويا واجتماعيا. هنادي زحلوط، عضوة فريق عمل نساء سورية، (عمل المرأة: حق أم واجب، أم منحة؟)
خاص: نساء سورية
|