|
د.مية الرحبي
|
|
2008-08-09 |
منذ حوالي سنة بدأنا نسمع تأكيدا من الخطاب الرسمي على شعار التكامل وليس المساواة بين المرأة والرجل، وقد طرح هذا المفهوم بداية على لسان بعض المسؤولين والمسؤولات، ليتم تبنيه بعد ذلك كشعار في مؤتمرات لاحقة، عقد أحدها منذ أيام.
فما الغاية من طرح هكذا مفهوم، وهل ينسجم حقا مع مبدأ العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه، والمساواة بين المواطنين، الذي ينبغي تقوم عليه أي دولة حديثة؟ مفهوم التكامل يختلف تماما عن مفهوم المساواة، فيمكن لجزء صغير أن يكمل جزءا كبيرا ليعطي الصورة الكاملة، وليس بالضرورة أن يكون الجزءان المكملان لبعضهما على درجة واحدة من الحجم والأهمية والجدارة، وليس من الضروري أن يكونا متعادلين، بل ربما يكون أحدهما رقعة صغيرة تكمل المشهد العام، ومن هنا تنبع خطورة مفهوم التكامل، فهو لا ينطوي على المساواة التي ننادي بها. عندما نتحدث عن المساواة، نسمع في بعض الأحيان جملا تحمل سخرية وقحة: هل ترغبن أن نحمل وننجب الأطفال بدلا منكن؟ ورغم أن مثل تلك التعابير تحمل عنجهية ذكورية مستهينة بأنبل مهمة انسانية، إلا أنها تعبر عن شكل من اشكال الدفاع اللاواعي، فليس من السهل أن يخسر المرء قسرا مكاسب تاريخية ورثها على طبق من ذهب، فكيف نطلب منه أن يخسرها طوعا؟ المساواة التي نتحدث عنها هي مساواة كاملة غير منقوصة في الحقوق والواجبات، سواء أمام القانون أو الدولة أوداخل المجتمع و الأسرة، تكافؤ في الفرص، وإتاحة الظروف المهيئة لتفجير الطاقات الابداعية الخلاقة لدى كل فرد في المجتمع رجلا كان أم امرأة، وذلك وحده الحري بتطوير مجتمعاتنا، وهي المجتمعات التي لا بد من تفعيل طاقاتها الكاملة لحرق المراحل وردم الهوة الحضارية الهائلة التي تفصلنا عن المجتمعات المتقدمة، كي نقطع الطريق على القوى العظمى التي تحاول بكل قواها المشروعة وغير المشروعة السيطرة على مقدراتنا وحيواتنا وامتصاص خيراتنا وتحويلنا إلى شعوب تابعة مستعبدة. المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن عرقهم وجنسهم ودينهم، ليست مطلبا إنسانيا فحسب، تقره أخلاقنا وعاداتنا الأصيلة، بل هو أس الاتفاقيات الدولية التي صادقنا عليها، والمنبع الذي استقى منه دستورنا المواد التي تقر هذه المساواة. ولن نصل إلى تلك المساواة إلا بتغيير القوانين والأنظمة التي تحكم دولنا ومجتمعاتنا، بما يتناسب مع التغيير الذي طرأ على مجتمعاتنا المعاصرة، بتعلم المرأة، وخروجها للعمل وتحملها مسؤولية إعالة الإسرة في كثير من الأحيان، لوحدها، أو بمشاركة الرجل، فالمرأة اليوم تعمل خارج المنزل كالرجل تماما وتضطلع فوق ذلك بأعباء العمل المنزلي، وحتى لو كانت لا تعمل خارج المنزل، فهي تتولى بشكل اساسي مسؤولية إطعام الأولاد وإكسائهم ومسؤولية تربيتهم وتعليمهم وتدريسهم، ورغم ذلك فقد بقيت القوانين التي تحكم حياتها قوانين تعود للعهد العثماني، وتحمل تميزا ضدها في كثير من المواد، بما لايتناسب مع وضعها ومسؤولياتها الحالية في المنزل أو خارجه، ولا زالت الثقافة الذكورية السائدة تحكم نظرة المرأة لنفسها او نظرة الرجل إليها بدونية واضحة ظاهرة للعيان في كل مجالات الحياة. لابد من طرح موضوع تغيير القوانين التمييزية ضد المرأة بجرأة وصراحة، ودحض كل المزاعم التي تدعي عدم إمكانية تغييرها لتعارض ذلك مع الشريعة الاسلامية السمحاء، فهنالك الكثير من الدراسات الاسلامية التي قام بها علماء متنورون وأجمعوا فيها أن إنصاف المرأة قانونيا واجتماعيا لا يمكن أن يتعارض مع جوهر الشريعة الاسلامية ومقاصدها العادلة. كما أن التغيير الاجتماعي، والذي يتطلب جهدا اكبر وزمنا أطول بكثير من التغيير القانوني يتطلب تعاضد جهود المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني لتغيير النظرة الذكورية التسيدية القائمة، كما لابد من تطوير مناهج التعليم بما يخدم ذلك، وبذل جهود مخلصة من الاعلاميين والصحفيين الغيويرين على مصلحة الأمة والعدالة، لجعل وسائل الاعلام في خدمة هذا الهدف الانساني النبيل، والقضاء على جميع اشكال تسليع جسد المرأة في وسائل الإعلام. ليست المعركة معركة بين المرأة والرجل على مكاسب أكثر أو أقل، بل هي معركة من أجل العدالة، بمحاربة منظومة الثقافة الذكورية القائمة على السيطرة، والتي نجد أحيانا بعض من يتبناها من النساء بحماس اكبر بكثير من الرجال، خاصة إن أتيح لهن مواقع متميزة ضمن تلك المنظومة، كالأم التي تزغرد عندما تذبح ابنتها من قبل أحد افراد العائلة باسم الشرف، أو التي تمارس أعنف أنواع التعذيب ضد ابنتها بحجة التأديب، أو التي تحرض ابنها على الثأر من عشيرة اخرى. ما نطالب به وسنبقى نطالب به مساواة تامة غير مشروطة، تحقق مبدأ العدالة، المبدأ الذي نادت به كل الشرائع والأديان، والاتفاقيات الدولية في العصر الحديث، ولن نقبل بالالتفاف عليه أو استبداله بشعارات لا تكون العدالة هدفها ومبتغاها. د.مية الرحبي، (مساواة أم تكامل؟؟ )
تنشر بالتعاون مع كلنا شركاء، (21/7/2008)
|