|
"العروبة" تؤكد: المرأة ظل الرجل!! |
|
|
|
نساء سورية
|
|
2008-08-09 |
الحق يقال أن جريدة "العروبة" التي تصدر في حمص دأبت على نشر مقالات وتغطية نشاطات تستحق عليها الشكر، لما تتضمنه من رؤية جيدة لقضايا مجتمعنا. ولذلك بدا غريباً جدا ذلك المربع الملون الذي نشرته على صفحتها الأخيرة ويتضمن جملة من "الحكم" المثيرة فعلاً، والتي بينها: "المرأة ظل الرجل، عليها أن تتبعه لا أن تقوده"!
للأسف أن هذه "القيم" الثمينة التي بثتها العروبة مغفلة التوقيع. بحيث أنها توحي بأنها مطلقات لا خلاف عليها! وبالتالي لا معنى لورود اسم صاحبها تحتها! الجملة تلك: "المرأة ظل الرجل، عليها أن تتبعه لا أن تقوده"، هي جملة منتهكة لأبسط القيم الإنسانية التي تقول أن البشر متساوون فيما بعضهم، وأن أي تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو اللون أو المعتقد.. هو تمييز باطل ويعبر فقط عن أن مرتكبه هو شخص يحتاج إلى عقاب. فأن تكون المرأة ظلا للرجل، لا يعني شيئا سوى عدم الاعتراف بإنسانيتها، وبالتالي اعتبار الرجل هو "الإنسان" الوحيد الموجود، وهذا يعني أنه يحق له ما لا يحق لغيره. وطبعا من حق "صاحب الظل" أن يفعل بـ"ظله" ما يشاء! فمن ذا الذي يحق له التدخل بين "الرجل" و"ظله"؟! وأليس من الطبيعي جداً أن يتصرف المرء بظله؟ فإذا شاء احتفظ به، وإذا شاء طلقه! إذا شاء تركه على مداه، وإذا شاء مزقه كما يهوى! إذا شاء قرر له ما يريد، وإذا شاء حرمه من أي قرار يريد! هذا هو بالضبط ما تقوله الجملة التي تعبر جيداً جداً عن مدى العنف الذي تروج له ثقافة من يقول هذه الجملة وغيرها: على المرأة أن تكون ما يريد لها مالكها!
وأما ذلك الاستدراك "لا أن تقوده" والذي يهدف إلى التحريض السلبي، فهي جملة بائسة بامتياز، وتعبر فعلا عن مدى ضحالة إنسانية صاحبها. فالبنسبة له الحياة ليست سوى سيد ومسود، قائد وتابع.. لا يوجد في ثقافته كلمة اسمها المشاركة، ولا مفردة اسمها المساواة! وبالتالي فإذا لم تكن المرأة تابعاً للرجل، فهي بالضرورة تقوده! وطبعا معكوسة: على الرجل أن يقود المرأة، لا أن يتبعها! وهذا بالضبط ما يريد صاحب الجملة أن يقوله: لا يحق للمرأة أن تكون إنسانة لها ما للرجل وعليها ما عليه. لأنها مجرد "ظل" له! فهي أقل من خادمة أو جارية أو حتى عبدة.. إنها مجرد "ظل"!!وهذه الثقافة التمييزية التي تعبر تماماً عن ثقافة الغابة، حيث من يمتلك مخالب أقوى وأشد وأكثر حدة هو السيد. فكما تلاحظون في الصورة جانبا، تبدأ الأفكار العبقرية لكاتب تلك الكلمات على هذا النحو: "أن تكون إنساناً أمر سهل، أما أن تكون رجلاً فهذا صعب"! في الواقع لا نستطيع إلا أن نؤكد على الشطر الثاني من الجملة: فأن تكون رجلاً هو أمر صعب جداً، أم أن تكون ذكراً كأي ذكر آخر في الحياة، فهو سهل حقاً. وتلك الجملة لا تتحدث في الواقع عن الرجل، بل عن الذكر. لأن الرجل لا يمكن له أن يكون أصلا ما لم يكن إنساناً. والإنسانية في الذكر هي ما تصنع منه رجلاً. وأن يكون الذكر إنساناً هو صعب حقاً لأنه يقتضي أن يتخلى عن أنيابه ومخالبه، أن يتخلى عن عضلاته وهمجيته، ويتحول، ببطئ وصعوبة، إلى إنسان، وحين يصل الذكر إلى مرتبة إنسان، يكون قد صار رجلاً. والأمر نفسه طبعا بالنسبة للأنثى والمرأة. الذكر والإنثى هما صيغة الغابة البربرية، والرجل والمرأة هما صيغة الإنسانية. ولا رجل ولا امرأة إلا حين تتحقق إنسانية كل منهما. وبديهي أنه لا إنسانية عند من ينتهك إنسانية الآخر، ولا إنسانية عند من يعتبر أن الناس الآخرين أدنى منه مستوى بسبب جنسهم!ثقافة السيد والعبد، الثقافة التي صارت اليوم ثقافة منحطة وبدائية ومدانة، هي ما تروجه تلك الزاوية في جريدة العروبة، التي نؤكد مرة أخرى مدى احترامنا لما تقوم به من جهد، وربما هذا الاحترام هو ما دفعنا اليوم لنكون قاسيين في نقدنا لهذه الزاوية البائسة. ثقافة العبد والسيد تكمل مسيرتها السوداء: "عامل ابنك كأمير طوال خمس سنوات، وكعبد طوال عشر سنين، وكصديق بعد ذلك"! بئساً لهذه الثقافة! بئساً لهذا الوهم أنه يمكن لأب أن يتخذ من ابنه صديقاً بعد أن عامله كعبد لعشر سنين! وإذا كنت يا صاحب القلم الأسود تعتقد ذلك، فإننا ننصحك حقاً بأن تحمي مستقبلك من ابنك الذي سوف ينتقم لكل لحظة من اللحظات السوداء التي قررت، كذكر باطش، أن تستعبده فيها!من المؤسف أن ثقافة العنف والتمييز تتغلغل بألف شكل وشكل.بعضها بالتأكيد يندرج تحت ما يسمى "عادات وتقاليد" ضمن الأمثال المتداولة. لكن العادات والتقاليد والأمثال الدارجة ليست مطلقة الصحة. وبعضها تجاوزه الزمن وبات معيباً استمراره بأي شكل كان. ودور الإعلام ليس قبول ما هو موجود وترويجه بغض النظر عن مضمونه، بل إن جزءا لا يتجزأ من دوره الرئيسي هو نقض وتعديل الثقافة الخاطئة التي تراكمت عبر قرون. نساء سورية، ("العروبة" تؤكد: المرأة ظل الرجل!!)
خاص: نساء سورية
|