|
التعامل مع المدمنين وفق القانون السوري، دراسة تحليلية |
|
|
|
د.كنده الشماط
|
|
2008-08-04 |
|
صفحة 1 من 2 تعتبر المخدرات وتجارتها من أهم الجرائم التي تستأثر باهتمام العالم بأسره، فهي تهدد كيان المجتمعات والأفراد، وغالباً ما تتحول إلى وسيلة من وسائل هدم هذه المجتمعات وبكافة أنماط الحياة الاجتماعية والصحية والاقتصادية.
وقد تعاملت الدول مع هذه الجرائم بقوانين نظرت إلى الاتجار بالمخدرات على أنه جناية تستحق عقوبات مشددة، وبالمقابل فإنه، وفي مثل هذه الجرائم لابد من وجود طرف ثانٍ هو المتعاطي أو المدمن، والذي تطاله العقوبة أيضا، إلا أن النظرة إلى المدمن قد تغيرت في هذا العصر، وأضحى العلاج وإعادة التأهيل والتكيف مع المجتمع في لمقام الأول. وفي سوريا صدر قانون مكافحة المخدرات في عام 1993، والذي حل محل قانون المخدرات المطبق منذ عام 1960، وقد شدد هذا القانون- القانون رقم 2 لعام 19993- عقوبات جرائم الاتجار بالمخدرات وبحسب خطورتها وأثارها الاجتماعية، وبالمقابل فإنه ينظر إلى المدمن على أنه مريض يحتاج إلى المعالجة لضمان عودته للمجتمع عضواً سوياً. وفي هذه الدراسة سنعرض لأبرز النقاط التي وردت في القانون السوري لعام 1993، وللنقاط التي سها عنها القانون، وفق ما يلي: - ما هو تعريف المدمن؟ - هيكلية اللجان المختصة بالإشراف على المدمنين - طرق الإحالة إلى المصحات للعلاج( سلطة رجال الشرطة والقضاء)- الحالات التي لا تحرك فيها الدعوى العامة على المدمن - حالات إسقاط الحق بالعلاج عن المدمن - قواعد العلاج( السرية-العلاج المجاني) - مقترحات لتطوير عمل إدارة مكافحة المخدرات- والتعاون الدولي لمعالجة المدمنينأولاً- التعريف بالمدمن: كما سبق وقدمنا فإن الإدمان يعتبر من ابرز المخاطر التي تتهدد المجتمعات،وككل جريمة لا بد من وجود ضحية لها،والمدمن في جرائم المخدرات هو الطرف المقابل لتاجر المخدرات، وهذه المسألة ليست بالبساطة التي يتصورها البعض،فالمدمن هنا ليس مجرد شخص وجهت إليه أسلحة الجريمة وإنما هو، وكما ينظر إليه الكثيرون،مجرم أخر ويجب أن يعامل بالسوية ذاتها. وهنا تبرز المعضلة الحقيقة في مسألة التعامل مع المدمن، فهو من جهة قد اعتاد المخدرات وربما يكون لإرادته العامل الحاسم في الإدمان، وهو ما يحصل كثيراً، وقد يكون ضحية تغرير أو استغلال ودون معرفة منه. ولا بد لنا من الوقوف عند التعريف بالمخدرات كمدخل للتعريف بالمدمن، وما المقصود بحالة الإدمان كظاهرة اجتماعية وقانونية؟ عرف القانون السوري المخدرات بأنها:"كل مادة طبيعية أو تركيبية من المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية المدرجة في الجدول رقم(1) الملحق بهذا القانون."(1) وقد عرفتها لجنة المخدرات بالأمم المتحدة: بأنها كل مادة خام أو مستحضر تحتوي على عناصر منومه أو مسكنه من شأنها، عند استخدامها في غير الإغراض الطبية أو الصناعية، أن تؤدي إلى حالة من التعود أو الإدمان عليها مما يضر بالفرد والمجتمع، جسمانياً ونفسياً واجتماعياً. بالمقابل فإن المشرع السوري لم يورد تعريفاً للإدمان وللمدمن، وهو ما يعني ترك الباب مفتوحاً لتحديد مفهوم الإدمان والمدمن من خلال التعريف الطبي والاجتماعي. وفي حقيقة الأمر يمكن القول بأن تعريف المدمن ليس من السهولة بمكان، وذلك لاختلاف طريقة ونوع المخدرات التي يتعاطاها المدمن، فمدمن الهيروين يختلف عن مدمن الحشيش أو مدمن الأفيون، وذلك من حيث مرات التعاطي مدته وكيفية وأسلوب التعاطي. ولا بد لنا من التعريف بالإدمان والتعود ومن ثم نحدد مفهوم المدمن. 1- الإدمــــان (Addiction) (2): هو حالة دورية أو مزمنة تلحق الضرر بالفرد والمجتمع، وتنتج من تكرار عقار طبيعي أو مصنع، ويتميز برغبة قهرية أو ملحة تدفع المدمن للحصول على العقار والاستمرار في تعاطيه، وبأي وسيلة مع زيادة الجرعة، ويطلق عليه الاعتماد على المواد المخدرة والحاجة إليها بشكل دوري ومنتظم. 2 - الاعتمـــاد (Dependence): هو حالة نفسية وأحياناً تكون عضوية، تنتج عن التفاعل بين الكائن الحي، ومادة نفسية، وتتسم بصدور استجابات، أو سلوكيات تحتوي دائما على عنصر الرغبة القهرية في تعاطي الكائن مادة نفسيه معينة على أساس مستمر أو دوري (أي من حين لأخر )، وذلك لكي يخبر الكائن أثارها النفسية وأحيانا لكي يتحاشى متاعب افتقادها، وقد يصاحبها تحمل أو لا يصاحبها، ويعتمد الشخص على مادة أو أكثر. و يتضح مما سبق أن الإدمان ينطوي على عنصري: 1- الرغبة القهرية أو الملحة والتي تدفع المدمن للحصول على العقار. 2- الاستمرار. و الاعتماد يقوم، أيضاً، على عنصري الرغبة والاستمرار، مما يعني أنه لا توجد من الناحية العملية فائدة من التمييز بينهما، وإن كان البعض يرى بأن الاعتماد يرتبط بالحاجة النفسية فقط (3). وقد أوصت هيئة الصحة العالمية باستخدام مصطلح هو الاعتماد كبديل لمصطلحي ( الإدمان، والتعود ). ومن تعريف الإدمان يمكن القول بأن المدمن هو الذي يعتاد تعاطي نوع من أنواع المخدرات تحت تأثير الرغبة الملحة، وبصورة دورية،حسب نوع المخدر الذي يتعاطاه. وهذا يقودنا إلى البحث، من الناحية القانونية، عن مفهوم المدمن، فمن المعروف أن تعريف مدمن الهيروين: هو الشخص الذي يتعاطى الهيروين بأي أسلوب ( استنشاق، حقن، بلع) لعدد يتراوح من 2- 6 مرات يومياً ولمدة أسبوع. و أما مدمن الحشيش: فهو الشخص الذي يتعاطى الحشيش بأي أسلوب (سجاير، مضغ) ولعدد يتراوح من 2-4 مرات يومياً ولمدة لا تقل عن أربع سنوات. وبالتالي فإن المتعاطي الحشيش لا يكون مدمناً إلا إذا كانت فترة التعاطي لا تقل عن أربع سنوات، وهو ما يعني بأن ضبط مادة الحشيش مع شخص ودون تحقق المدة اللازمة لا يصنفه ضمن فئة المتعاطين. وبالرغم من أن القانون السوري لم يتعرض لمفهوم الإدمان والمدمن، إلا أنه ومن نص المادة43/أ"يعاقب بالاعتقال المؤقت وبغرامة من مائة ألف إلى خمسمائة ألف ليرو كل من حاز أو أحرز أو اشترى أو نقل أو سلم أو تسلم مواد مخدرة وكان ذلك بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي في غير الأحوال المصرح بها قانوناً". يتضح لنا، من نص المادة السابقة، بأن المشرع السوري قد عاقب على التعاطي ابتداءً ودون اشتراط الإدمان، بحيث يمكن القول بأن مجرد حيازة المخدرات أو نقلها يعتبر جرماً يعاقب عليه القانون، وقد وضع المشرع معياراً لتقرير العقوبة يتمثل بأن يكون الهدف من حيازة المخدرات هو التعاطي أو الاستعمال الشخصي.والعقوبة المقررة هنا تقل عن العقوبة التي تنص عليها المادة40/أ والتي تعاقب على حيازة المخدرات بقصد الاتجار. بالمقابل فإن المشرع السوري قد عامل المدمن معاملة خاصة، وذلك بنص المادة43/ب حيث يوقف تنفيذ العقوبة الواردة في الفقرة أ من المادة 43، متى ثبت بأن المتعاطي مدمن على المخدرات. إذاً وفق نص القانون السوري فإن المشرع قد ميز بين التعاطي والإدمان، وذلك من خلال تطبيق العقوبة، وبالتالي فإنه متى ثبت أن الشخص يتعاطى المخدرات، وبغض النظر عن عدد المرات والجرعات، فإنه يعاقب بالاعتقال المؤقت وبالغرامة، وأما في الحالة التي يكون فيها المتعاطي مدمناً فالحالة تختلف من حيث إيقاع العقوبة. ثانياً - هيكلية اللجان المختصة بالإشراف على المدمنين: كما سبق وأشرنا، فإن المشرع السوري ينظر إلى المدمن على انه ضحية ومريض وليس مجرماً، ودون أخذ نية التعاطي أو الإدمان بعين الاعتبار، وتماشياً مع هذه النظرة فقد نص المشرع السوري في المادة43/ج على تشكيل لجنة مختصة بالإشراف على المودعين بالمصحة، وقد روعي في تشكيل هذه اللجنة تمثيل الجهات المعنية بقضايا المخدرات( وزارة الداخلية، العدل، الصحة)، وقد شكلت هذه اللجان كالتالي: 1- معاون الوزير أو مدير الصحة بالمحافظة رئيساً 2- قاضي نيابة يسميه وزير العدل عضواً 3- مدير إدارة مكافحة المخدرات أو من ينوب عنه عضواً 4- طبيب مختص تسميه نقابة الأطباء عضواً وبموجب هذا القانون تم أيضاً إحداث اللجنة الوطنية لشؤون المخدرات برئاسة وزير الداخلية وعضوية ممثلين عن الوزارات الأخرى والمنظمات الشعبية والنقابات المهنية، مهمتها وضع السياسة العامة المتعلقة بالمخدرات، وتنسيق التعاون بين مختلف الجهات المعنية داخل سورية، ومع الجهات المماثلة عربياً ودولياَ لوضع خطط الوقاية والعلاج. كما انبثقت عن هذه اللجنة لجنة إعلامية تعنى بوضع برامج التوعية والتعريف بإخطار المخدرات وإنتاج الأفلام واستخدام الوسائل المتاحة لنشر الوعي الأمني ولتكوين حصانة اجتماعية قائمة على العلم والقناعة الذاتية. وتولي وزارة الداخلية اهتماما بالغا بموضوع مكافحة المخدرات حيث أحدثت إدارة خاصة بها عام 1996، ووفرت لها كافة المتطلبات ومساعدات تنفيذ الخدمة وقامت بإعداد ضباط وعناصر متخصصين تم تأهيلهم عبر إخضاعهم لدورات تدريبية خارجية وداخلية إضافة إلى انه يتم حاليا تجهيز المبنى الجديد المخصص لها بإحداث التقنيات الحديثة من مخابر وقاعات تدريس وتدريب وأجهزة مختلفة خاصة بالمخدرات. ومن الملاحظ بأن سوريا قد خطت خطوة رائدة في مجال التعامل مع قضايا المخدرات والإدمان، بحيث يمكن القول بأن مكافحة المخدرات وتجارتها توازت مع الاهتمام بالمدمنين كأشخاص بحاجة إلى العلاج والاهتمام.ثالثاً- الحالات التي لا تحرك فيها الدعوى العامة على المدمن: وفقاً لأحام المادة من المعروف بأن الدعوى العامة تحرك بناءً على ارتكاب فعل يعاقب عليه القانون، وفي جرائم المخدرات فإن الدعوى العامة تحرك في الحالات التي نص عليها القانون،ويشمل ذلك الحالة التي يكون فيها المدعى عليه مدمناً، إلا أن المشرع استثنى حالات من إقامة الدعوى العامة، وذلك بنص المادة 43/و:" مع مراعاة الفقرة(د) من هذه المادة لا تقام الدعوى العامة على من تقدم من متعاطي المواد المخدرة إلى سلطة رسمية للعلاج في المصحة من تلقاء نفسه أو بطلب من زوجه أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية ولا يشمل ذلك من ضبط بجرم تعاطي المخدرات مشهود أو حركت عليه الدعوى العامة بهذه الجريمة". من حيث المبدأ فإن تحريك الدعوى العامة يتم بتقديم القضية إلى قضاء التحقيق أو الحكم ووضعها بين يديه ليفصل فيها (4)، وتختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها، وهو ما نصت عليه المادة1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري. إلا أن المشرع السوري قد أورد حالات لا تحرك فيها الدعوى العامة من قبل النيابة متى وصل إلى علمها خبر وقوع أي جريمة، ومن نص المادة 43/و، يمكن القول بأن هناك حالات لا تحرك فيها الدعوى العامة على مدمن المخدرات وذلك في الأحوال التالية: 1- أن يتقدم متعاطي المخدرات إلى أي سلطة رسمية للعلاج في المصحة، وقد تكون هذه الجهة الشرطة، أو القضاء. 2- أن يتقدم زوج المتعاطي بطلب علاجه، وبغض النظر عن رضا المتعاطي. 3- أن يتقدم أحد أقارب المتعاطي من الدرجة الثانية بطلب لعلاجه، وقد حصر المشرع درجة القرابة بالدرجة الثانية، وهؤلاء هم – الوالدين، الأبناء، الأخوة والأخوات، أو أهل الزوج وإخوانه لأنهم أقارب من الدرجة الثانية مصاهرةً، ولا ريب أن المشرع قد قصر الطلب على هؤلاء الأقارب لأنه يفترض بهم أنهم أكثر الأشخاص إطلاعاً على حالة المتعاطي. ومن الملاحظ بأن الدعوى العامة لا تحرك في الحالات التي سبق وذكرناها،وذلك كخطوة من المشرع لتشجيع المتعاطين وأقربائهم للتقدم بطلب للعلاج من الإدمان، وهو ما يشكل طريقاً ممهدة أمام المتعاطي لتلقي العلاج ودون إيداعه السجن، بالإضافة إلى أن أفراد الضابطة العدلية لم يكن قد وصل إلى علمهم أمر المتعاطي، والذي لولا قيام الأشخاص السابق ذكرهم بطلب العلاج لما وصل المتعاطي إلى المص، وانكشف أمر تعاطيه. بالمقابل فإن المشرع ذكر حالات وقف تحريك الدعوى العامة بالنسبة للمتعاطي، وقد سبق وأشرنا أنه الشخص الذي لم يصل إلى مرحلة الإدمان، و هو ما يثير التساؤل التالي: هل النص يطبق على المتعاطي فقط، أم أنه يشمل كذلك المدمن؟ في الواقع فإن التعاطي هو مرحلة من مراحل الوصول إلى الإدمان، وبرأينا فإن المشرع السوري قد أعطى هذا الحق للمتعاطي ابتداءً، وذلك لتشجيعه على العلاج، وهو ما يعني بأن هذا الحق يمتد ليشمل كذلك المدمن، حيث أنه أولى بالعلاج، وهو بحاجة أثر للخلاص من المخدرات.
|