|
د. غادة زغبور
|
|
2008-08-04 |
عندما رسم شكلاً مخيفاً بالأسود متعرجاً...رفض في البداية لمسه.. وبعد إلحاح أمه صار يلمسه ويضربه بيديه الصغيرتين ويعمل له حذف على برنامج الرسام في الكمبيوتر.....
تركته بعد ذلك ليختار من الألوان والأشكال ما يحب بعد أن تأكدت أن حالة الخوف من صوت أتى من الشارع – في محاولته للنوم – قد زالت... كانت قد قرأت وهي المتابعة للعب التمثيلي والرسم مدى أهميته في تكوين شخصية الطفل وحالته النفسية وكانت تعرف أن الإدراك والذاكرة والتمثيل والقوة المحركة والإبداع تتأثر كلها بنشاطات الطفل التمثيلية ولا سيما أنه يدرك إمكانيته في التحكم بالأعمال التي يقوم... كانت قد أطلعت على تأثير الحلم على الطفل وأن الطفل والرضيع يحلمان أكثر مما يحلم البالغ وهو " الحلم " – هو إعادة ترتيب للذكريات حتى أنه يشبه رسم الطفل بمرحلة يدون فيها الأحداث التي تحف به فيظهرها ويقوم بعمليات تجريدية متزايدة التعقيد بدءاً من الخربشات التي ليس لها شكل ومروراً بالخطوط الأوضح التي تنتهي بالاستجابة لقوانين الرسم، ويتخلص الطفل بالرسم وبالحلم من كوابحه، فنراه يحدثنا عن مشاكله واكتشافاته ومخاوفه تحت ستار الخيال الذي يستخدمه بديلاً من الواقع، لذا فإننا نرتكب خطاً جسيماً حين نحاول تعليم الطفل على طريقة الإلزام فينفرض عليه منذ حداثة سنه القيام بعملية النسخ والنقل طبق الأصل عن صور معينة. قالت لي : هذا ما قرأته في كتاب رسوم الأطفال ومعانيها للباحثة " آنا أوليفير يوفيراريس " كنا نتناقش في ثقافة معلم الرسم بأسى حيث وجهت لنا دعوة لمعرض رسوم الأطفال في طرطوس... لم نجد في المعرض للأسف سوى" استنساخ الزهو ".... فالأم تستعرض بزهو رسوم طفلها الذي تحولت معالم وجهه لحالة من عدم الفهم لما يجري وكأنني في معرض تماثيل شمع... والمعلمة تزهو بتلاميذها لكونهم أجادوا نسخ رسومها والأطفال منصاعين دخلوا في المسرحية وأدوا دورهم على أتم وجه. نظرت الى ملامحها خفية، قرأت الأذية مباشرة... وبدورها قرأت السؤال لتقول : الرسم بالنسبة للطفل لغة أخرى غير لفظية شأنها شأن اللغة اللفظية التي يتحدث بها، وليست مجرد وسيلة من وسائل التعبير الجمالي كما يعتقدها البعض فالخربشة هي من البدء حدث حركي يؤدي الى لذة محركة وتمثل لديه شكل من أشكال اللعب والسرور فالطفل بدأً من عامه الثاني او الثالث يشرع في إعطاء أسماء لما يرسمه مما يدل على أنه يريد إسناد بعض المعاني المأخوذة من عالمه الخارجي الى رسومه ومن العام الثالث يبدأ الطفل بإعطاء معنى للخربشة حيث يعبر عن الأحاسيس الداخلية التي عاشها بعمق وخلال الفترة الأولى يتصرف الطفل مثل سائر الثدييات البدائية، فالقردة والشامبانزي والغوريلا تهوى الخربشة من أجل اللذة التي تحس بها من جراء القيام بهذه الاشارات وهي بعيدة عن كل مكافأة خارجية.... فحين قدمت مكافأة للشامبانزي مقابل التلوين كان اهتمامه بالإشارات الخطية يتضاءل موجهاً كل اهتمامه للمكافأة.. والشيء نفسه يحدث عند الأطفال... إذ يمرون بمرحلة الشفافية ممثلة انتصاراً عند الطفل في الوقت الذي يعتبره الأهل خطأ فالطفل الذي اكتشف للنبات جذراً رغم أنه مختفياً في التربة لا يتوانى عن إظهاره في رسمه ومرحلة الشفافية تكون قصيرة وعابرة عند الأطفال الذين تلقوا تربية واقعية مبكرة ولا يمر الطفل في مدارس الحضانة السوفيتية بمرحلة الشفافية إلا نادراً لأنه يتعلم النقل عن الطبيعة وكذلك الأمر في العديد من المدارس الإيطالية نتيجة تدخل الراشدين. قلت لها برأيك ما أثر انتقادات الأهل والأستاذ لرسوم الطفل؟ كان رأينا متطابقاً فالطفل يتحسس كثيراً للانتقادات لأن شجبهم له يولد لديه شعوراً بالوحدة وعدم الأمان ومن السهل نسبياً أن نحصل على رسوم مطابقة للواقع في سن مبكرة ولا سيما من قبل الأطفال الأذكياء وفي هذه الحالة يكون الخطر في أشد مراحله حيث تقتل مبادرات الأطفال........... فكيف في رأيك يكون التدخل الإيجابي ؟ قالت الطفل لا يضع حدوداً لتعبيراته ولا يتأثر بأن الورقة ليس لها سوى بعدين، البالغ يستطيع تشجيع الطفل في إيجاد روابط بين أجزاء الصورة بدعوته للطفل من خلال أسئلة غير مباشرة وحمله على الملاحظة،
فالرسم والتلوين يشكلان طرقاً للتعبير، هما إذن يعادلان المناقشة. إن أشكال اللغة الكلامية والكتابية والتصويرية وامكاناتها متعددة غير أن غايتها التوضيحية والإدراكية واحدة كالإعلام والسرد والاتصال وضرورة التمثيل تسلك دون علم الرسام جانباً إسقاطياً والرغبة في الاتصال بالعالم الخارجي وسرد التجارب الشخصية على الغير هي ترجمة للحركة الواعية التي تنشط التعبير الحر. قلت لها : جربت التكلم مع طفلتي وهي ترسم، كنت أحس أنها صماء... أجابتني على الفور : طبعاً فحالة حلم اليقظة التي يغوص الأطفال فيها حين يشرعون في الرسم أو الخربشة تعني أن هذا النشاط يمثل ميكانيكية لرد فعل وتشبيهاً لتجربة لها أهمية أساسية في نمو الشخصية وهو نشاط يلعب دوراً لا يسعنا في الوقت نفسه إلا أن نصفه بالأساسي في حال الأطفال المتخلفين عقلياً وفي هذه الحال لا يصلح الرسم لتحليل مستوى التطور العقلي والعاطفي فحسب بل يمسي بالنسبة له طريقة للمعرفة متميزة تساعده شيئاً فشيئاً على التعبير تبعاً لوسائل منطقية كما تعينه على إنهاء عمله بحذق وتمهل، الشيء الذي يولد لديه شعوراً بالرضا وبذلك يمنحه الثقة بامكانياته في التأثير الفعال في العالم الخارجي وعندئذ يتوقف الطفل عن كونه سلبياً.
قلت لها: هذا في حال تعديل السلوك، ولكن كيف يكون التدخل عند الطفل الموهوب؟ قالت إن أي شكل من أشكال الفرض الإجباري الخارجي مع عدم وجود الدافع القيم يؤذي الطفل، موقفاً قدرته الإبداعية.. إن متطلبات الفنان لينتج عملاً فنياً تتضمن متطلباته الشخصية حالات اللاشعور والحساسية والذكاء... إن الفنون المفروضة بكافة أنواعها تنتج عملاً بارداً ومصطنعاً ويولد لديهم شعوراً بالتبعية ناجم عن احترام مزيف وقد يولد عندهم إنتاجا آلياً قد يتضمن التكرار الخاطئ للوحة والذي يحمل ميزة التراجع أو التوقف... سألت مستفسرة، وهل يعني ذلك أنه لا يجوز لنا أن نتدخل مطلقاً؟.... هزت برأسها إن لعدم التدخل المطلق الآثار السلبية المشابهة لفرض المعلم لمواضيع إجبارية والتدخل يجب أن يكون من أجل تقوية العوامل المناسبة للتعبير...إن رواية تتكلم عن الشجرة ومميزات النوع النباتي والبيئة تجعل من الرسم يغدو في مستوى أعلى منه في حال رسم شجرة دون أن تسبقه حكاية وبالأخص في العمل الجماعي حيث تقفز الأفكار من طفل لآخر بسيولة أكثر مما في عقل الطفل الواحد والعمل الجماعي له ميزات كثيرة – الجو الأقل كبتاً والتعاون – كما يقود الطفل لمناقشة أفكاره وأفكار غيره بشكل تعاوني وهذه الميزة الأخيرة تعود الطفل على الرؤية والمحاكمة من وجهات نظر تغير وجهة نظره... ينبغي على البالغ أن يضع الطفل حيال مسائل جديدة الهدف منها إلغاء المختزلات القديمة وتجاوز الفكر وحيد الاتجاه وأن نقوي من ثقته بنفسه ونشجعه على الفرح وإمكاناته بالاعتراف بوجود صراع داخل شخصيته إذ شد ما تتولد الأفكار من الصراعات.. الخيال والانفعال وهذان هما اللذان يسيران استعمال اللون عند الطفل وليس الواقع... قلت لها ذلك يتطلب معلم ملم بتعليم الأطفال الرسم.. استغربت سؤالي قائلة: رسام الأطفال الناجح هو الذي تكون له علاقة قريبة بالكلمات كالمؤلف الموسيقي الذي يفكر بالموسيقى وهو يقرأ الشعر... وهنا لم أتمالك نفسي عندما قاطعتها أين المدرسة من كل هذا ؟.... ضحكت، المدرسة قليلاً ما تساهم في تشكيل الإمكانيات الإبداعية واستثمارها فالقدرة والاصالة عند الطفل تنحدران بعد العشر سنوات وأحياناً قبل هذه السن.. المدرسة تعمل على إعطاء المبادئ العقيمة أهمية كبرى وهذه المبادئ لا تترك لدى الطفل إلا أثراً واحداً غير قابل للشفاء ألا وهو ضياع الوقت ويصبح الطفل أسيراً للأشكال المتكررة التي تقف في وجه حركة تكون البحث الشخصي لديه فالطفل يرفض عملية الاختراع لأنه يحترم القوانين التي قد عرضناها عليه في حين أن في داخله ميلاً عفوياً لاستعمال الرسم كوسيلة للنضج والتعبير والاتصال مع العالم الخارجي فعملية إجبار الطفل على إتباع مجموعة من القوانين المحددة والتي تترجم معرفتها في شكل علامة جيدة أو سيئة للطفل تجرد العمل الفني من طبيعته... وعلينا أن لا ننسى أن كثيراً من الأطفال يجدون في الرسم والتلوين فرحا عظيماوشعورابالنجاح وهما عاملان لا يستغنى عنهما بخاصة لدى الأطفال الذين يبحثون عن شخصيتهم حيث من العسير أن يجدهما في مجالات أخرى... وحين يلاقي البالغ الأطفال غير العاديين ويشجعهم فإن هؤلاء يتوصلون الى تحقيق أعمال هامة إذ أنهم يشعرون بأنهم مغمورون بالعطف وهذا الشيء يخفف عنهم ما يعانونه من حرمان وهذا يساهم في أن يفضلوا وببطء الحصول على المعارف التي تعطيهم دوافع للفرح والثقة وحين يعتاد هؤلاء الاطفال جيداً على الرسم فسوف ينجحون في التعبير عن شخصيتهم وإظهار أحاسيسهم وحدسهم التي يصعب عليهم إيجادها بطريقة أخرى.إن أكثر ما نستخلصه بوضوح من رسوم الأطفال هو الرؤية الواقعية لعالم نسيه الكبار وتجتمع الأشكال والمنطق والمشاكل التي تشكل هذا العالم لدى الأطفال الذين لم يتمرنوا على إشكالنا الثقافية وهذه العوامل تنبعث ببطء لدى الطفل المتخلف مصحوبة باختيار درامي لإيصال العملية البناءة الى حقيقة عالمه المغلق المتعب والعالم مليء بالأطفال ذوي الفكر الحي والذكي، هؤلاء الذين يستطيعون بموهبتهم أن يعيدوا للحياة معناها شريطة أن لا نهدمهم بتقربنا منهم.....لم تصمت تعبا عندما ختمت حديثها.... وكان من المستحيل أن تذهب معي إلى نادي الرسم المجاني للأطفال في اللاذقية... عادت لتسكن بين طيات أوراقها في أواخر القرن الماضي... لم أشعر بالحاجة لإزالة الغبار عن كتابها وكأنها كتبته أمس.... فالباحثة " آنا يوفيراريس " ما تزال مرجعاً حتى الآن لمعاني رسوم الأطفال.....وصلت الى جمهورية الرسم " نادي الرسم المجاني للأطفال في اللاذقية" هكذا أسميته، بل جمهورية الفرح.... الأطفال على الأرصفة وفي الشارع لا تتسع الدنيا لهم وهم يلونون الكرتون والشارع بالطبشور... المشرفون والمشرفات يتنقلون بينهم بخفة خوفاً من إزعاج سكينتهم... يحرصون على إبعاد السيارات وكل ما يعرقل هذه الأيادي الصغيرة في رحلتها لتلوين اللوحة.... يتابعون بفرح لا يوصف المشرف وهو يعلق لوحتهم على الشبك لكي تجف... يبتعدون عنها وكأنهم تركوا جزءاً منهم عليها ليعودوا اليها بعيونهم مع أهاليهم وأصدقائهم... وبفخر واعتزاز يشيرون لهم عليها.. عرفوا أن وقوفهم الطويل " أحياناً مائتا طفل" في الدور لاستلام الالوان والكرتون ستكون ثمرته متعة تحقيق الذات بعيداً عن الوصاية وعن المصادرة... هذا الشارع وهم يرسمون فيه بالطبشور في نهاية العمل سيتحول في ذاكرتهم عندما يكبروا إلى زاوية حرية من زوايا منزل كبر ليكون وطناً ارتبطوا به بقوة مهما ابتعدوا عنه في الزمان والمكان.... فإذا كانت لوحتهم ضمن الخمسة التي اختارها فريق العمل فسيكون لديهم الحظوة لتنشر في النشرة الشهرية لنادي الرسم التي تتضمن قصص لهم ومعلومات مبسطة عن فنانين عالميين... وأما التقويم السنوي للنادي فيشمل 12 لوحة من إنتاجهم....-نأتي إليهم بدلاً من مجيئهم إلينا -.. يردد فنان الكاريكاتير"عصام حسن" وحوله هيام وبشرى ونوار وريم ود مجدودياسر... يلاحقون بعيونهم عن بعد تفاصيل سير العمل على مدى ثلاث سنوات وضمن الغرفة الصغيرة التي قدمتها لهم بلدية اللاذقية.... يجلسون بعد نهاية كل عمل لإجراء مراجعة ذاتية لعملهم ينتقدون بعضهم لأجل العمل بدون أن يخلق ذلك الانتقاد أي انتقاص لشخصهم... هي مراجعة ضرورية لعمل لأجل تطويره،هذا ما حقق استمراريتهم...هذا ما جعل ضاحية" بسنادا" تخرج من اللاذقية لتعمم في دمشق وطرطوس و..... هكذا أسميتها"جمهورية الرسم والفرح"بعيدة هذه الجمهورية عن المنفعة الخاصة وعن حب الظهور....من الطفل أتت، من حبـه وإليـه..... د. غادة زغبور، (جمهورية الرسم والفرح..)
خاص: نساء سورية
|