|
سوزان صالح
|
|
2008-08-04 |
لا أظن أن شبلي سمع بالتغريب باعتباره مؤامرة ترمي إلى هدم عاداتنا وأخلاقنا العربية الأصيلة وتروج للعادات الغربية الفاسدة، وواثقة من أنه لم يقرأ عن تغريب الفتيات المهددات بالقتل، للحفاظ على حياتهن، ولا ينتهي نسب شبلي إلى بني هلال.
تغريبة شبلي حكاية طفل لا يملك إلا قبعة وابتسامة، وغربة طويلة عن طفولة قصيرة . إنه جزء من حالة عامة تستدعي التغريب بمعناه الذي نسيناه عندما نسينا المسرح ونسينا برخت، التغريب بمعناه اللغوي البسيط: أي جعل الشيء العادي غريبا، أو فلنقل: تسليط الضوء على الغرابة الكامنة في أفعال وأحداث تبدو لنا اعتيادية وهي ليست كذلك. نحن الآن بحاجة إلى هذا التغريب أكثر من أي وقت مضى، لأن ما يحدث في مجتمعنا الآن هو التعويد أي جعل الحدث الغريب والمنفر والمستنكر إنسانيا واجتماعيا وقانونيا أيضا، حدثا عاديا مألوفا نتقبله ونسكت عنه. لا أعرف من يخطط وينفذ ويعمم تعويدنا على قبول الأفعال الشائنة، ولكنني اعرف جيدا أنني مهما حاولت الحفاظ على استقلالية فكري ونظرتي إلى الأمور إلا أنني بت كغيري من الناس واقعة تحت تأثير التعويد. ولأنني كذلك، أمر كل صباح أمام صديقي شبلي، وأراه والشمس تتابع إنضاج وجه الشهي كرغيف خبز، تحت أشعتها الحارقة، فلا يهتز لي جفن، ولا تدمع لي عين. لقد اعتدت أن أرى صديقي يجلس على منصف الطريق، اعتدت أن أراه يركض بين السيارات ليبيع أصحابها علب السجائر ثم يعود إلى جلسته السابقة منتظرا الفرج الذي لم يلوح له بيده بعد. اعتدت أن أرى الربيع يذوي في عينيه الخضراوين، واعتدت أن أقبل أنه مهدد بالخطر في كل لحظة، واعتدت أنه سيكون في الثامنة صباحا على قارعة الطريق بدل مقعد الدراسة. وكما اعتدت حالة شبلي، اعتدت أن أشاهد الأطفال يقتلون في كل مكان وأن أتابع تقليب المحطات وكأن ما شاهدته ليس أكثر من فلم خيالي لا يمت إلى الواقع بصلة. اعتدت التجاوز عن اليمين، واعتدت سماع الشتائم، وسماع الصراخ والبكاء من بيوت الجيران. اعتدت الشوارع المغلقة بخيم الأعراس والمآتم، والضجيج المستمر ليل نهار، اعتدت الأعمال الفنية السخيفة، وأصوات المذيعات والمذيعين التي تجرح السمع، وأخطاءهم اللغوية المخجلة. كل شيء عادي ومقبول، ولهذا لم أتعجب عندما قرأت موضوعا في منتدى نساء سوريا، ومررت على هذه العبارة كغيري مرور الكرام: موضوع : ليتني لم أصرخ ولم أطلب النجدة من أحد: رامي نخلة) (فبدأوا جميعا بضربه! في البداية كنت أحس أنني أود مشاركهتم والانتقام منه على ما فعل. لكنهم لم يتوقفوا عن ضربه بالرغم من الدماء التي غطت وجهه! وبالرغم من صراخه الذي ملأ المكان! حتى أني في النهاية كنت أرجوهم أن يتوقفوا................. أخيرا تمكن بعض الناس من إخراج الشاب وإسعافه قبل أن تصل الشرطة، لأن حالته لم تكن تحتمل الانتظار) عادي أن تكون هذه العبارات متضمنة في مقال وأن يناقش هذا المقال عدد لا بأس به من المثقفين ، وأن تمر أيام وأيام ومشاركات ومشاركات دون أن تستوقف هذه العبارة أحدا . عادي ألا يتساءل أحد: من نصب هؤلاء الناس قضاة ليقوموا بضرب هذا الشاب بكل هذا العنف دون أن يمنحوه فرصة الدفاع عن نفسه؟ بأي حق يحكمون عليه وينفذون الحكم وكأنهم وجدوا الضحية التي يمكنهم إفراغ أحقادهم الدفينة فيها دون حساب. وعادي أيضا أن يرى هؤلاء الرجال أنفسهم شابا يقتل أخته بحجة الشرف فلا يهبون للدفاع عنها وإنقاذها، ومع ذلك هناك شيء واحد فقط لم أعد أجده عاديا، وهو كم الأشياء الغريبة التي ألفناها كيف لا أجد نفسي غريبة عن نفسي عندما ألقي السلام على صديقي شبلي، الذي يبتسم ببراءة طفل في الحادية عشرة من عمره ويرد السلام كعجوز عركته الحياة وقلبته بين أسنانها. - كيفك ياشبلي؟ - منيح، مابدك دخان اليوم؟ - والله بطلته ياشبلي - يي على حظي بطلتيه؟؟ - خلص برجع بدخن كرمالك أهذا صديقك؟ قيل لي ، فقلت نعم، يجمعني بشبلي ما لا يجمعني مع كثير جدا من الناس فأنا وهو نستيقظ في السادسة صباحا ونبدأ العمل دون إفطار، أنا وهو نأكل لقيمات لإسكات جوعنا ونحن نتابع العمل، أنا وشبلي نعيش على الأمل وندرك أن لا أمل لنا نختلف بشيء واحد فقط، هو أنه يعمل أضعاف ما هو مطلوب منه، وليس من واجبه أن يهتم بي وأنا أعمل أجزاء مما هو مطلوب مني ، ويجب علي أن أفعل شيئا من أجله يعرف كل منا ما ذا يريد، ولهذا ظل يرفض طويلا النقود الزائدة التي أدفعها له، فهو يريد بسطة أكبر، ويريدها من كده وعرق جبينه، دون منّة من أحد. وأنا أصر على أن أعطيه المزيد ربما لأنني أريد أن أشتري راحة بالي، وأن أسكت ضميري الذي يرفض وقوفه في الشارع، ويعترض على عدم إتمامه لدراسته. فما الذي أفعله أنا دون قصد؟ هل أدفعه على اعتياد التسول؟ هل أشارك الآن في هذه الجريمة؟ فاجأت نفسي بالسؤال، ولم أعرف الإجابة. ما أعرفه فقط هو أنه ربما يكون لشبلي يوما ما أراد، بسطة أكبر، دكان صغير، زوجة وأطفال أما عن راحة البال لي، ولنا جميعا... فهيهات. سوزان صالح، "زاوية حادة"، (تغريبة شبلي)
خاص: نساء سورية
|