|
محمد سعيد حسين
|
|
2008-07-16 |
الساعة الآن، التاسعة والرّبع مساءً.. مؤكّد لا غرابة في أن تكون الساعة الآن التاسعة والرّبع مساءً، فهذا الأمر يحصل كل يوم تقريباً..!! أنا الآن أقوم بنزهةٍ في سيارتي(1) مع ولديّ عبر شوارع مدينتي الجميلة طرطوس..
الولدان منشرحان ومبسوطان جدّاً، والأسباب كثيرة لاشك، أوّلها وأهمّها أنّهما يرافقانني، وهذا ما لا يتسنّى لكثير من أقرانهما، وربما لغير أقرانهما أيضاً، ولاشك أنّ أغلبكم يعلم أنّ الولدين يظنّان بي الخير ـ كل الخير ـ بل يزيدان في هذا، حيث يعتبرانني مكسباً حقيقيّاً لكل من يحالفه التوفيق ويحظى برفقتي لبعض الوقت.. وثاني أسباب ذلك البسط والانشراح، أنّهما تحرّرا للتوّ من نير العبودية والذّل الّذي رافقهما طيلة تسعة أشهر ونيّف، أمضياها بين جدران ما اصطلح على تسميته "مدرسة".. أما ثالث الأسباب، هي أنّ النّزهة هذه المرّة كانت "مؤلّلة" حيث درجت العادة فيما سبق أن تكون نزهاتنا المشتركة "على قلّتها" مشياً على الأقدام، أو عبر السرافيس في أحسن الأحوال.. الساعة الآن، التاسعة والرّبع مساءً.. نحن الآن نقف على إشارة دوار "حديقة الملجأ" الحمراء، أحزمة الأمان في مكانها الطبيعي، لي حزامٌ، ولولديّ معاً حزامٌ أيضاً(2) وثمّة شرطيّ شابّ يقف على ناصية الدّوّار، يشير باتّجاهي أن: تقدّم.. نظرت حولي، الإشارة لا تزال حمراء، وليس ثمّة سيارات أخرى متوقّفة.. خمّنت أنّ الشّرطيّ يعرف من أكون، ويدرك أهمّيّة أن يسمح لواحدٍ مثلي بتجاوز الإشارة، بل ويدرك أهمّيّة أن يمنحني هذا الشّرف بحضور ولديّ، وكم سيعزّز هذا من اعتزازهما بي.. تردّدت قبل قبولي بنيل هذا الشّرف.. لكنّ العواء الّذي خرج من صافرته جعلني أتقدّم بكل فخر واعتزاز.. أصبحت محاذياً لمكان وقوفه.. أشار إليّ بيده إشارة فهمت منها أنّه يجب عليّ أن أركن السيارة إلى يمين الطريق.. فعلت ما أمرتني به يده، ولبثت أنتظر.. عوت صافرته من جديد، بقيت جالساً على مقود السّيّارة، وحزام الآمان يزيدني شعوراً بالطمأنينة والأمان.. الشّرطي يتقدّم، وجهه متجهّمٌ، وثمّة عقدة تشكّلت بين حاجبيه، وصوته يزعق: ـ أين حزام الأمان يا سيّد؟ ـ هذا هو.. أشرت بيدي إلى حزام الأمان الّذي "أتوشّحه" من كتفي الأيسر وحتّى خصري الأيمن.. ـ لاااااااااااااااااااااا... ذكي والله!! شو مفكرني حمار ولااااك؟!!! أو مفتكر انّي أعمى؟! شو ما شفتك كيف حطّيتو وقت صفرتلك؟ بعدين كيف بتقطع الإشارة وهيي حمرا؟!! آه..؟! جاوبني لشوف؟! حاولت الإيحاء للولدين بأنّ "عمّو الشّرطي" يمزح...(3) لكنّهما كانا متأكّدين أنّ "عمّو الشّرطي" لم يكن يمزح.. لم يكن يمزح إطلاقاً..!!!(4)(1) ـ كذبة بيضاء، فالسّيارة ليست لي، بل لأخي، لكنّه يقول لي دائماً: اعتبرها سيّارتك (2) ـ السيارة من نوع بيك أب صغير "زاز دايو".. (3) ـ لازلت أحاول هدهدة جراح الولدين، عبر محاولة إقناعهما أنّ "عمّو الشرطي" كان يمزح، لكنّه مزاح ثقيل نوعاً ما.. (4) ـ أخي "مالك السيارة" الّذي حضر إلى مكان الواقعة فوراً، إثر استدعاء ولدي الكبير له، قام بحلحلة الأمور مع "عمّو الشّرطي" بعد أن دسّ له في جيبه ما جعل عقدة حاجبيه تنفرج عن ابتسامةٍ عريضة.. ** قصة حقيقية حصلت بعد انتهاء امتحانات الصفوف الانتقالية مباشرةً! محمد سعيد حسين، زاوية وإلى موعد آخر، (الّذي لم يكن يمزح..)
خاص: نساء سورية |