|
ربا الحمود
|
|
2008-06-14 |
كانت قد تعرضت لحادث بيتي.. أو هكذا اعتقدنا! فقد كان هناك جرح عرضي بأسفل رأسها وصل إلى ستة سنتيمترات، وكانت بعض الكدمات بادية على وجهها.. وكان زوجها وأولادها الذكور الثلاثة إلى جانبها..
تبادلنا عبارات المجاملة التي تتداول في مناسبة زيارة مريض. لكن.. لماذا أنت في المشفى؟! لما لم يتم إخراجكِ؟! المنزل أفضل من جلوسك هنا (خاصة أننا كنا في مشفى حكومي)! أجاب ابنها الذي يبدو انه تجاوز المرحلة الإعدادية: "الطبيب قال أنها تعرضت لارتجاج دماغي وعليها أن تبقى تحت المراقبة".
وكيف وقعت هكذا؟! سألت صديقتنا؟ وأعدت السؤال ورائها!!وأردفتُ ساخرة: لابد أن الشرطة هنا سألوك سين وجيم امتقع لون زوجها حين ضحكت بصعوبة.. " دائما اشتم رائحة عملك" ولم تجبني على سؤالي.. كررت السؤال من جديد وتبين لي شيء من الحقيقة حيث كنت أراقب ملامح أولادها وزوجها الذي قطع هدوء اللحظة معتذرا: "عليها أن ترتاح رجاء.. هذه أوامر الطبيب" انصرفنا وفي ذهني أن أعود، وهكذا فعلت.. عدت إليها مساء فانا اعلم بأننا (بمشفى حكومي ولامكان ليبقى احدهم إلى جانبها). مع أن الزيارات ممنوعة بعد السادسة (لكننا في مشفى حكومي أيضا). دخلت إلى غرفتها لم تكن وحدها طبعا كان هناك أربعة أو خمسة أسرة إلى جانبها. تذرعتُ باني نسيت شيئا صباحا وكانت كذبتي مفضوحة أمام عينيها. كانت امرأة قاربت الخمسين وقد خطت الأيام في وجها الكثير.. نظرت في عينيها اللتين أتعبتهما قساوة أيامها.. استجررت حديثا معها وفرضت سؤالي عليها كمغامرة صغيرة: "هل ضربك" مرت لحظة كانت قاسية وطويلة جدا بيننا، حاولت خلالها أن تخفي دموعا غزيرة جدا كانت قد بدأت تتجمع في مجرى دمعها، لم تكن إلا لحظات وأطلقت العنان لدموعها، عندما غامرت من جديد: كيف ضربك؟ولماذا؟!لكم المني بكائها وقصتها التي بدأت بسردها ولم تتوانى عند كل فصل منها أن تذكرني: (وينك هاد سر بيني وبينك) (والله بيدبحني...والله يرميني بالشارع). كانت تتكلم وتبكي... تصرخ تارة ليلتفت كل من في الغرفة نحونا.. ثم تهدأ قليلا. عندما تم إسعافها إلى المشفى من قبل زوجها على اثر تعرضها لحادث في المنزل أسرت لي إن مفتاح اسطوانة الغاز كان وسيلة الضرب والسبب كان إن الطعام لم يجهز بعد!! كلمة رمت بها إمامه ليقرر بأنها بحاجة إلى ترباية من جديد سألتها عن الشرطي (منظم الضبط) عندما سألها عن سبب إصابتها برأسها ووجهها أجاب زوجها بالنيابة عنها بأنها وقعت على الأرض أثناء الشطف. وكان أثناء ذلك... الزوج يصافح الشرطي بحرارة (ضاغطا يده على راحة كف الشرطي)! مع أن الطبيب الذي عاينها يستطيع أن يعرف ببساطة بأنها تعرضت للضرب بأداة حادة الذي كان من الممكن أن يفضي إلى الموت أو العاهة المستديمة. كانت جريمة متقنة الحبكة أبطالها ثلاثة رجال الزوج، الشرطي، الطبيب. اتفقوا على دفن الحقيقة مقابل ورقة نقدية من فئة الألف. أخبرتني بأنها ترغب بان تترك زوجها وأولادها الثلاثة اللذين وقفوا ساكنين حيال مشهد ضربها وإهانتها. رغبت بان ترمي حياتها البالية المجردة من كل قيم ومعان وإنسانية، وأن تبدأ حياة جديدة تشعر فيها بآدميتها ودت لو أنها تصرخ في وجه الشرطي وتقول له كذب رواية الحادث وإنها تعرضت للضرب...لكنها صمتت.. ولسبب خفي على نفسيتها المكسورة. لكن لن يخفى على احدنا الآن. لماذا فضلت الصمت! اعتقد أن هذا المثال هو واحد من عشرات الأمثلة ولن أقول المئات حتى لا أتهم بالمبالغة. عندما تكون المرأة في قانوننا وشريعتنا لا معيل ولا منزل يأويها سوى منزل زوجها مع التقيد بتعليماته وشروطه. وان فكرت بترك مؤسسته تطرد إلى الشارع. فلا أب ولا أخ وليس هناك حتى من مؤسسات فعلية وحقيقة لرعاية النساء المطلقات كانت تفكر بان تشتكي زوجها إلى الشرطة وشجعتها على ذلك برغم أني اعلم بان هذه الخطوة هي بداية لهدم أسرة (بفرض أنها أسرة). في اليوم الثاني زرتها بناء على طلبها لتقديم طلب شكوى ولم أفاجأ ابدأ بردها عن الموضوع: أين ستذهب بعد أن تشتكي؟! ليس لها احد!! حتى الجحيم لن يستقبلها!! ليس أمامها إلا الشارع!! سألتني قبل أن تحجم عن خطوتها: "هل أستطيع أن احظي ببيتي الذي أمضيت فيه سبعة عشر عاما لأربي فيه أولادي بعيدا عن ظلم أبيهم". وأجبتها: "بالتأكيد صديقتي لن تحظي بشيء إلا بما قد كتبه لك يوما في مؤجل مهرك وكان للأسف عبارة عن خمسة ألاف ليرة". عادت صديقتي إلى عملها من جديد، لتمارس حياتها من جديد، ولتضرب من جديد فلم تكن المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. جديد علاقتنا كان بأنها قد تقلصت جدا..... لأنها في ساعة ألم أسرت لي بما ليس من حقها أن تبوح به... ربا الحمود، (حالة عنف اسري)
خاص: نساء سورية |