|
د. لين غرير
|
|
2008-06-08 |
في لحظة تأملٍ صامتة وبينما كنتُ أراقب شاشة الكمبيوتر أمامي، شعرت بحاجةٍ لتأملٍ أعمق.. منظرٌ طبيعيٌ خلاب على خلفية الشاشة لهضبةٍ يغطيها العشب الأخضر، تلبسه الأرض لتختال مزهوة بجمالها، تقف عليها شجرة وحيدة متناسقة القوام شامخة الأغصان، ترتفع أوراقها معلنةً استقبالها للشمس، تنشر على الأرض ظلها، فكأنه طرحة العروس تختال خلفها.
أسرني هذا المنظر البديع وبدأتُ أدخل في تفاصيله.. في أعماقه، وقفز قلبي عندما سمعت صوتاً، صوتاً هادئاً حزيناً يناديني. أمعنت النظر أكثر في الشاشة أمامي، وأيقنت في تلك اللحظة أنني أصبحت داخل اللوحة تناديني الشجرة لأقترب منها. اقتربتُ وخطواتي المترددة تعلن خوفها واستغرابها من شجرةٍ تتكلم. قالت لي بهدوءٍ "لماذا تترددين، ألا تعلمين أني أحتاجكِ. أحتاجُ من يسمعني.. من ينصتُ لآهاتي وآلامي؟". تشجع لساني ونطق " أنت متألمة.. معذبة!.. لماذا.. وأنت الجميلة الملكة الواقفة على هذه الهضبة تتأملين الأرض والأشجار من العُلا وهم جميعاً دونكِ؟." سمعتُ صوت قهقهتها الحزينة ثم قالت "حقاً!.. هي الصورة التي ترونها جميعاً لكنها ليست حقيقة أحاسيسي، ومن منكم ينظر في أعماق الآخرين؟. أنتم مجتهدون جداً في رؤية المظهر والحكم على الأشياء من خلاله، لكنكم تتجاهلون التطلع إلى أعماقه وكشف أغواره وحقائقه." قاطعتها مسرعةً "ها أنا الآن معك فهلاّ أخبرتني عن أحاسيسك؟ ""سأخبرك.. ليس لأنك اجتهدت قليلاً وأتيتِ إلى عالمي، بل لأنني أختنق من الوحدة وأحتاج إلى من يسمعني فلا تقاطعيني بعد الآن أيتها المتسرعة." رفعت يدي إلى فمي كأنني أعلن الصمت لأسمع. "منذ زمنٍ بعيد عندما كنت غرسةً صغيرة، رفعت رأسي إلى السماء وأنا أطلب وأرجو أن أكون متميزة.. متفردة.. أن يؤخذ بي كلُّ من يراني ويلتقط لي الصور.. كبرت على هذا الحلم ووجدت نفسي على هذه الهضبة وقد ذبلت بضع شجيراتٍ حولي وابتلعتها الأرض، فأصبحت وحدي مزهوةً بجمالي وتفردي، كأنني الملكة التي تجلس على عرشها الأخضر سعيدةً بتاجها البديع وبأن لا مثيل لها ولا شجرةٍ قربها تنافسها في الحسن ولفت الأنظار. عندما اكتشفني أول إنسان عاد مسرعاً إلي يحمل في يده آلة تصوير ليلتقط لي صورة وأخبر أصدقاءه عني، لن تصدقي.. كدت أطير من الفرح والناس تتهافت إلي لتعانقني وتأخذ قربي صورة ذكرى وأنا أقلّب أوراقي وأحرك أغصاني مع كلِّ صورة كأنني عارضة أزياءٍ تتمايل مع موسيقا آسرة.. وبقيت على هذه السعادة، أستيقظُ مع الشمس لأقبّلها وأنام مع القمر معانقةً إياه بين أغصاني.. كنت أنمو وأكبر وأصبح كل يومٍ أجمل، وكان ظلي ينمو معي فيعطي بساطاً أكبر لعشاقٍ يتفيؤون به ليجدلوا الطبيعة بالحب فتصبح أرقى وأحلى. كنتُ أسمع أحاديثهم وأحفظها في قلبي، فالأمانة من صفاتي، أنا التي أحفظ الأسرار في جذوري فلا تخرج فوق الأرض لتثير المشاكل والمتاعب كما تفعلون أنتم يا بني البشر.. يحلو لكم حديث الأسرار وإثارة الآلام والخلافات.. تحلو لكم النميمة فتشعرون بعدها بسعادةِ المنتصر الذي لا يعلم أنه قد يصبح بعد قليل طعاماً يستلذ الآخرون بتناوله. على كل حال،هذه صفةٌ بشرية ليتكم تتركونها لتصبح طبيعتكم أشبه بطبيعتنا." فتحت فمي لأتكلم.. لأدافع عن نفسي وعن بني البشر، لكنها دفعت بأحد أغصانها إليّ أي اصمتي وتابعتْ "سأعود إلى موضوعي الأهم.. لقد كنتُ كما قلتُ لك سعيدة.. فخورة بأن الجميع يرغب برؤيتي والتحدث عني، أنا الشجرة الوحيدة على هضبةٍ خضراء.. لكنني مع كلِّ ليلٍ يأتي كنتُ أبرد، أشعر بصقيعٍ لا تحسّه مثيلاتي وهن معاً في السهل، فكل شجرة تحاط بأترابها ينفخن الدفء بين أغصانها. كنّ ينمنَ بهدوءٍ وسلام وأنا مستيقظة.. صقيع الوحدة يشدّ رداء النوم مني وأنا أحاول التمسك به لكنه الأقوى يأخذ النوم ويرحل. أصبحت أحسد أشجار السهل بعد أن كنت أسخر من تجمعهنّ الغبي في مكانٍ واحد. بدأت أوراقي تذبل معلنةً رغبتها بصديق. انظري.. انظري جيداً بين أغصاني، لا تغرك تلك الوريقات الجديدة التي تظهر على سطحي، تعالي في أعماقي وشاهدي ذبول أوراقي وألمها." اقتربت منها ووجدتها على حق. "إنني أخفي أرقي وأحاسيسي المتعبة - تماماً كما يفعل كلٌ منكم- أخفيها بعيداً عن عيونكم لأنكم بجميع الأحوال لن ترونها ولا تهمكم، فأنتم تريدون مظهري فقط وهذا ما يثيركم. أريد صديقاً بل أصدقاء.. أريد أشجاراً بقربي تحدثني وأنام قربها في الليل لتدفئني. هل يمكنك مساعدتي؟ أم أني سأبقى وحيدة لأنني جميلة؟.. أعلم أنني سأفقد بعض المعجبين، لكن لا بأس سأكسب محبةً حقيقية من شجرةٍ تشبهني، وهناك أمثالك ممن ينظرون إلى أعماق اللوحة لن يبتعدوا عني. أدرك أن الدنيا ما تزال بخير، وأثق بأنك ستعودين لزيارتي بين الحين والآخر وإن لم أكن تلك الشجرة الوحيدة الحسناء على سفح الهضبة.. ساعديني أرجوك."صمتت الشجرة لأتكلم، لكني كنت خرساء في الوقت اللازم للكلام. فتحت فمي ولساني مشلولٌ لا يتحرك بجواب.. رأيت الشجرة تنظر إلي بأسى، برجاء، فقررت المحاولة. خرجت من اللوحة وعدت إلى مكاني، هممت بتنسيق بضع شجيراتٍ بجانبها، لكنني رفعت رأسي لأنظر إليها مرةً أخيرة فوجدتها مبتسمة.. جميلة بتفردها.. مميزة بشموخها، علمت أنني إذا غيرت في اللوحة فقد تخسر روعتها. تركتها لقدرها لأنني لست أقوى منه. لقد أراد لها أن تكون كما هي، وأنا لست سوى إنسانة ضعيفة جداً أمام جبروت الطبيعة وقدرتها. د. لين غرير، زاوية "بين السطور"، (الشجرة الوحيدة)
خاص: نساء سورية
|