|
بسام القاضي
|
|
2008-06-03 |
لعله من النادر جداً أن نجد في أي مشروع يطرح حول حقوق المرأة، بما في ذلك الحق الطبيعي والأساسي بمعاقبة أي شكل من أشكال العنف ضدها، دون أن نرى سببا "بسيطاً" يوضع على رأس القائمة، ما لم يكن القائمة كلها: حاجتنا إلى مساهمة المرأة في التنمية! هذا مثير حقاً! ماذا لو كان بلدنا غير "نام"؟ ماذا لو كنا في وضع اقتصادي جيد ومتحرك، نعيش رفاهية وبحبوحة؟! ماذا لو كان سوق العمل جيد يؤدي مهامه جيداً ولا يحتاج إلى قوة عمل إضافية؟ ماذا لو كان "الدخل القومي" يعبر حقاً عن مستوى معيشة مرتفع لجميع الأشخاص؟ ماذا لو كان الرجال قادرون على تلبية كافة متطلبات الحياة دون مساهمة المرأة؟.. ببساطة: لا داع إذا لوجود المرأة! طبعاً السياق يقول أنه: لا داع لوجود المرأة في الحياة الاقتصادية المنتجة. الحياة الاقتصادية المنتجة هي أساس الحياة ومجالها الرئيسي، لكن أحداً لا يقول: لا داع لوجود المرأة. هذا يعني بالضبط: نعم لوجود المرأة، لكن دون حقوق إلا ما يرى الرجال أنها "حقوقها"! ولا بأس، بصفتها كائن من مستوى أدنى من "جنس الذكور"، أن نربطها ما نتصوره عن دورها، وأن نقرر لها ما هي احتياجاتها، وأن نرسم القوانين والثقافة والممارسات المؤسساتية، وفق تصورنا هذه، وحتى أن "نؤدبها" إذا خرجت عن قواعدنا وتصوراتنا وقيمنا ومتطلباتنا! وفي خدمة ذلك لا نرى مانعاً أبداً من الاختباء خلف قبعة "الخصوصية"، لنلقي التهم جزافاً على المجتمعات التي تقدمت خطوات على هذا المستوى، وحصدت نتائج جيدة فعلاً على كافة الصعد، رغم بعض الثغرات الموجودة فيها. ولا مانع أيضاً من أن نتشدق بالقول أن "ثقافتنا" كانت من أولى الثقافات التي قدمت تشريعات جيدة في وضع المرأة في زمانها. وهذا صحيح، باستثناء أن الجميع ينسى "في زمانها"، وأن زماننا قد اختلف كثيراً إلى حد باتت معه الكثير من هذه التشريعات تشكل تمييزاً فاضحاً ضد المرأة- الإنسان، وتشكل إعاقة جدية لوجودها الإنساني في المجتمع.
التنمية إذا ليست هدف إلغاء التمييز ضد المرأة في الثقافة والقوانين والواقع. الهدف هو ببساطة: من حق المرأة كإنسان أن تحظى بكافة الحقوق والواجبات التي لشريكها في الحياة: الرجل. فالأمر لا يحتاج إلى الكثير من المعادلات الحسابية: إما أن المرأة والرجل ينتميان إلى الجنس النوع نفسه: الإنسان، وهذا يعني أنه تحق لهما الحقوق نفسها والواجبات نفسها، وتبقى الفروق هي فروق فردية متعلقة بكفاءات واهتمامات وإمكانيات كل شخص بذاته. وإما أن أحدهما ينتمي إلى هذا النوع، ويستحق كل حقوقه وواجباته، بينما ينتمي الآخر إلى نوع آخر أقل مستوى، وبالتالي يجب أن تكون حقوقه وواجباته مختلفة عما هي عليه لدى الجنس الأول! وهذا ما لا يجد أحداً يدافع عنه صراحة إلا قلة قليلة، بينما يدافع عنه مواربة عدد كبير من الناس تحت مسميات مختلفة! وهؤلاء هم من يحلو لهم أن يستدعوا الأسئلة المضحكة مثل: هل ستعمل المرأة عتالة؟ أو هل ستتزوج المرأة من أربعة رجال في وقت واحد؟ وهي أسئلة لا تستحق عناء الرد عليها، رغم أنها تستحق نظرة شفقة عن من يمكن أن يصل به الأمر إلى حد الاعتقاد أنها أمثلة أصلاً!والتنمية في الواقع ليس قضية أفراد، أو جنس. بل هي قضية كل فرد في المجتمع، وقبل ذلك قضية الجهة الموكلة بإدارة هذا المجتمع والتي هي الدولة. فقد بات واضحاً أن الدول هي التي تمتلك المفاتيح الأساسية في موضوع التنمية. ليس فقط من خلال إمكانياتها الهائلة وأدواتها الكثيرة وسلطتها متعددة الأوجه.. إنما أيضاً لأنها الجهة الوحيدة التي لها حضور فاعل وأساسي في كل جوانب الحياة. وهذا ما يجعل من قضية التمييز ضد المرأة قضية في ملعب الحكومات أولاً قبل أن تكون في أي ملعب آخر. لا يعني هذا أن قوانين مساوية ستعني بالضرورة ومباشرة حياة متساوية بين الرجال والنساء في المجتمع. لكنه يعني أن أفق التغير بهذا الإتجاه بات مفتوحاً، وعلى المجتمع ممثلاً بمؤسساته ومنظماته وجمعياته ومثقفيه و.. أن يخوض عملية التغيير البطيئة ولكن الثابتة في اتجاه تثبيت هذه المساواة في الواقع.التنمية إذا هي نتيجة للمساواة الإنسانية والمواطنية بين المرأة والرجل، نتيجة نرغب بها جميعا، وتنعكس آثارها الإيجابية على الجميع، وليست أساساً لهذه المساواة. أساس هذه المساواة هو حق المرأة الإنساني البسيط والثابت بحياة متساوية.
بسام القاضي، (المرأة.. والتنمية)
مجلة تجارة وأعمال، (3/2008)
|