|
"الجندر" إشكالية مُصطلح، أم رُهاب التنوير؟ |
|
|
|
رامي نخلة
|
|
2008-05-31 |
هل نرهب التنوير؟ أم أننا نرفضه أصلا على اعتبار أننا لازلنا مركز الإشعاع الحضاري، ومنا تستقي كل الأمم علومها وفكرها؟ وهل سبق ورفضنا "السيارة" خوفا على فروسيتنا! أم أن حضارتنا هي من أوجدت الكهرباء والكمبيوتر والموبايل والانترنت والأقمار الصناعية، وهي من قادت الحضارة الإنسانية إلى ما هي عليه؟ إن كان ذلك على الصعيد الفكري أو التكنولوجي والتقاني.
وطالما أننا لسنا بغنى عن هذا التقدم، ألم يحن الوقت بعد لاستراق النظر إلى تلك الحضارات!؟ بعد أن أنهكنا التخلف في جميع الميادين الفكرية والعلمية والاقتصادية. وهل من المعيب على حضارة ما أن تتأثر بحضارة أخرى سبقتها بكثير!؟ ألم يكن أحد أهم أسباب النهضة الأوربية تأثرها بالحضارة الإسلامية فهل ذابت بحضارتنا! أم أنها رغم تأثرها بها خلصت لفصل الدين عن الدولة وتحجيم الكنيسة (أو إعطائها حجمها الطبيعي)؟ لا زلنا وفي كل يوم ومع كل اتفاقية دولية إن كانت تخص حقوق الإنسان أو حقوق الطفل أو حقوق المرأة نسمع أصوات تنادي "تنبهوا واستفيقوا! أنها محاولة جديدة لاختراقنا وتفكيكنا من الداخل وهدم قيمنا وعادتنا وتقاليدنا"! "الجندر"، وكغيره من المصطلحات، التي أثارت معها العواصف الهوجاء في عالمنا العربي والتي لا تبدأ بالتشكيك بمعناه وأبعاده ولا تنتهي باتهامات أقلها تفكيك الأسرة العربية والتشجيع على الجنسية المثلية. وللحديث عن "الجندر" بموضوعية لابد لنا أولا من تعريفه، ثم التطرق إلى نشأته وتطوره في الفلسفة الغربية وصولا إلى اعتماده من قبل المنظمات العالمية ودخوله إلى المجتمعات العربية عن طريق المؤتمرات والمواثيق والاتفاقات الدولية، وما تبعه من تفسيرات متعددة والزوابع التي أثيرت حوله. "الجندر" بمعناه الحرفي يعود حسب القواميس الإنكليزية إلى كلمة لاتينية تعني الجنس أي الذكر والأنثى أما ترجمته بمعناه الاصطلاحي تعني "النوع الاجتماعي" وطبعا حين نتحدث عن تعريف لمصطلح ما فإننا لا نتوقع تعريفه بكلمة واحدة ولا نتوقع أبدا إجماعا على تعريف ما فقد تفرد صفحات عدة لتعريف مصطلحات كـ"السياسة" و"العولمة" و"الأيديولوجية" وغيرها. ولابد لنا من توضيح الفرق بين المصطلح بمعناه اللغوي "الجنس" ومعناه الاصطلاحي"النوع"، فالجنس هو الجنس الذي يولد عليه الإنسان من الناحية البيولوجية والأعضاء التناسلية الظاهرة فإما أن يكون بذلك ذكرا أو يكون أنثى، أما النوع فهو عبارة عن الثقافة والتربية الاجتماعية التي تعطي الذكر صفات وحقوق وواجبات وأخلاق وأدوار ذكورية وتعطي الأنثى صفات وحقوق وواجبات وأخلاق وأدوار أخرى أنثوية وتختلف هذه الأدوار والصفات استنادا إلى الجنس البيولوجي لكل منهما على اعتبار أن لكل منهما صفات بيولوجية تحتم عليه لعب دور من الأدوار, فبذلك يكون التعريف المختصر للجندر هو مجموع الصفات والأدوار التي يلعبها كل منا في هذه الحياة فنكون بذلك إما ذكورا أو إناثا.مع بداية ظهور الحركات النسوية في العالم كان لابد من إعادة قراءة التاريخ والعلم والفلسفة والدين من وجهة نظر نسائية وإعادة صياغة أو تأويل كل منهم بنظرة متوازنة تعطي كل من المرأة والرجل حقه على قدم المساواة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فكان بذلك بداية ظهور تيارات فلسفية نسوية مختلفة تنوعت بتنوع التيارات الفكرية في تلك الفترة فكان منها الماركسية والليبرالية واشتراكية والراديكالية بشقيها التحررية والثقافية وقد تولت هذه التيارات مهمة البحث والتنظير لصالح قضايا المرأة والإنسان بعد أن ثبت أنه لا مجال لتطوير دور المرأة ما لم يستند كل ذلك على أسس فلسفية فكرية علمية ومعرفية فكان لتلك الأفكار والدراسات أثرها الكبير في وضع تصورات وتعريفات ومصطلحات جديدة تعبر عن حقيقة الوضع القائم كالمجتمع البطريركي التي عرفته سلفيا والذي عرف بأنه نظام يهيمن فيه الرجال على النساء وكان كذلك كتاب "الجنس الأخر" لسيمون دي بوفوار الدور الكبير في بداية تبلور مفهوم "الجندر" حيث أشارت إلى أن صفاتنا النفسية والاجتماعية وأدوارنا لا تولد معنا بل نكتسبها من خلال التربية والثقافة المحيطة فدور المرأة والرجل قد يختلف من مكان إلى مكان باختلاف ثقافة تلك المنطقة فقالت "إننا لا نولد نساء لكنهم يجعلوننا نساء"! فيما بعد وهذه كانت الإشارة الأهم لبدأ تشكل نظرية "الجندر" التي لاقت جدالا واسعا في تلك الفترة بين أصحاب نظرية الحتمية البيولوجية إذ أنهم يرون أن الخصائص البيولوجية تؤثر في الخصائص النفسية والفكرية للأنثى والرجل وتضع الرجل في مرتبة ولي المرأة الوصي عليها, وبالمقابل كان أصحاب نظرية الحتمية الثقافية يرون أن دور المرأة لا يعود لخصائص البيولوجية التي يختلف كل من الذكر والأنثى فيها إنما يعود إلى ثقافة وتربية شب عليها كل منهما فالطفلة لا تلعب بالدمى كونها أنثى والطفل لا يقتني ألعاب تعبر عن أسلحة كونه ذكر بل أن هذا الدور هو مفروض عليهما وفق ثقافة اجتماعية تحدد لكل منها دوره في هذه الحياة. دخل مصطلح "الجندر" إلى العالم العربي لأول مرة في مؤتمر القاهرة للسكان عام 1994 حيث أتى في بيانه الختامي ذكر كلمة "الجندر" 51 مرة وتم حينها ترجمة المصطلح إلى العربية حرفيا بمعناه اللغوي أي "الجنس"، كذلك في مؤتمر بكين عام 1995 ورد مصطلح "الجندر" 233 مرة فطالبت الدول بوضع تعريف واضح لهذه الكلمة فتم تشكيل لجنة دار النقاش فيها مطولا بغية ترجمته فأصرت بعض الدول على تعريفه بأنه "الجنس" وهذا ما رفضته دول أخرى على اعتباره يمثل الصفات الاجتماعية وهذا ما حدا باللجنة للخروج دون تعريف لـ"الجندر" ليعرف بعدها بـ"النوع لاجتماعي". بعد هذا الإشكال الذي أثير حول ترجمة وتعريف "الجندر" توالت المقالات والدراسات والمحاضرات في العالم العربي حول هذا المفهوم فمنهم من أدرك أبعاده الإيجابية في مسيرة تمكين المرأة وإعطاء بعد متوازن لعلاقة الجنسين مع بعضهما البعض ومع القانون والدولة، ومنهم من ذهب إلى حد وصفه بالفكر الإجرامي الذي يشكل خطرا على مجتمعنا العربي والإسلامي مستندا بذلك إلى السيمفونية القديمة التي لا يُمل من اللعب على أوتارها، سيمفونية اختراق مجتمعاتنا العربية واستهداف حضارتنا العريقة. رامي نخلة، ("الجندر" إشكالية مُصطلح، أم رُهاب التنوير؟)
خاص: نساء سورية |