SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد

المعرفة حق لجميع الناس

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
مرصد العنف
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
استطلاع نساء سورية
إذا عرفت أن ابنك (ابنتك) يتعاطى الحبوب المخدرة في المدرسة، ما الذي تفعله؟
 
إخلاء..

جميع الإعلانات المنشورة على "نساء سورية" مجانية، وتقع ضمن نطاق عمله التطوعي
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


المرأة في قلب الصراع بين الهامش والمركز طباعة أخبر صديق
عماد الورداني   
2008-05-23

ينفتح المتخيل الروائي العربي على عمق العلاقات المؤسسة لبنيات المجتمع، سواء العلاقات القائمة بين النخبة المشكلة للوعي الحضاري، عبر الحفاظ على التراتبية الاجتماعية، وترسيخ التقاليد الموروثة واستنبات أخرى جديدة، أو الهامش الذي يسعى إلى ربح الرهانات اليومية.
ورواية رائحة القرفة للروائية السورية سمر يزبك(1)، تحاول استعادة الصراع الاجتماعي القائم بين قيم تنتمي إلى المركز، وقيم تنتمي إلى الهامش، مركز الرواية يوجد في منطقة قصية من دمشق، حيث تبرز العائلات التي تسكن الفيلات، وعائلة آل الهاشمي أنموذج الرواية. وهامش الرواية يتمثل في حي الرمل بكل تعفناته وصراعاته اليومية من أجل البقاء، وأسرة عليا تختصر هذه التعفنات.
مكان الفيلا تشغله حنان الهاشمي، ومكان حي الرمل تشغله عليا، وعبور عليا من حي الرمل نحو الفيلا، يعد بمثابة لقاء حقيقي بين امتدادين بكل ما يحمله من ثقل عاطفي واجتماعي، وفي فيلا الصراعات هاته تدور أحداث الرواية لتؤسس علاقة السلب والإيجاب، الأخذ والعطاء..
وقبل فهم طبيعة العلاقة بين عليا وحنان، يفرض علينا التحليل المنهجي للرواية ضبط مجال كل منهما، وتحديد العوامل المشكلة لامتداد كل شخصية، وتشريحه.

 حنان الهاشمي، الأنثى/ الذكر:
حنان طفلة تنمو في كنف عائلة ارستقراطية منحتها كل شيء، وسلبت منها إحساسها بالحنان، حيث وفرت لها أسباب الحياة الرغيدة، لكن هاجس الذكر الذي يسكن العائلة، جعل من أمها امرأة إسمنتية، لا تمنح عواطفها لابنتها، لهذا ربت ابنتها حنان تربية ذكورية صارمة، خالية من أي حب أو عطف "بالغت أمها في تجاهل مشاعر أمومتها، معتقدة أن هذا سيجعل منها شخصية استثنائية تفتخر بتربيتها، وتعوضها عن ذكر يحمل اسم العائلة"(2). هذا التعويض الذي شغل حيز غياب الذكر، أنتج لنا شخصية تتوزع بين عالمين: عالم الخنوع لرغبات العائلة، فولد لنا طفلة بمثابة تمثال جامد محط إثراء من الآخر (العائلة، الوسط الاجتماعي)، ومحط اشمئزاز من طرف الذات.
وعالم الرفض الذي يسكن داخلها، ولا تجد لزوابعها مجالا لتفريغها "كانت مستعدة للصراخ حتى ينفجر قلبها في وجه أمها"(3). مكون الرفض الذي شغل نفسية حنان، ظل حبيس حواراتها الداخلية، فلم يجرأ أن يتحول إلى فعل مادي، ويعود الأمر إلى قوة  الترويض الذي مارسته الأم على بنتها، لم يكن لها خيار أخر سوى أن تتمنى الرحيل للجميع "كانت تتمنى أن يزور الموت البيت، ويرحل بصحبة أحد ما، فالموت هو الحل الوحيد القادر على جعل حياتها أقل تعاسة"(4)، لأن الرحيل وحده من سيخفف عنها حدة الخضوع التي تتحكم في إرادتها، وهو بمثابة انتقام من لعنة الذكر/ الهاجس المؤرق لعائلة آل الهاشمي. ستصبح حنان كبش فداء سيقدم وليمة للآخرين: شهادة الإطراء على حسن التربية، ووسيلة موازية لتزين المجالس النسائية، وحلما للتفريخ فيما سيأتي.
إن لعنة الذكر حولت حنان إلى ذكر في جميع سلوكاته،  ومحنة العائلة في تحقيق حلمها، سينمو حينما قررت الأم والعائلة تطليق أنور من زوجته، وعقد قرانه على ابنة عمه حنان. ومرة أخرى تخضع حنان لرغبة العائلة، وداخلها يلعن أنور والأسرة والهواجس المدمرة.
تغير حنان غرفة نومها، وتعتلي فراش أنور، الرجل الذي تحول من أخ إلى ابن عم إلى زوج إلى تمساح، وهي التحولات التي خضعت لها نفسية حنان، فبعدما كانت تنظر إلى أنور بوصفه أخا تفتح لها صدرها، ويمنحها بعض الحنان الذي افتقدته من أمها، سيصبح هو الآخر من يعمق مأساتها. فكل لحظة في فراش أنور تجعلها أكثر برودا وذهولا، وإحساسها بالبرودة لن يصبح احتجاجا بقدر ما سيظل حبيس هواجسها الداخلية "لم تشتك أبدا من الإذلال الذي عاشته مع ابن عمها، حين كانت تشعر أنها تكاد تختنق تحته في الليالي"(5).
كان حلم الأم أن تتحول أعضاء حنان لتصبح ذكرا، واليوم تصبح وسيلة تفريخ بالنسبة لأنور وعائلته، لا يهمه في ذلك مشاعرها أو وجودها، وهي الآخر بادلته نفس الشعور، فلم تهتم إن كانت له علاقات مشبوهة مع نساء أخريات.
إن حنان طاقة اختزالية لكل أنواع العذاب النفسية التي يمكن أن تصادفها الأنثى، وخوفا من التقاليد والأعراف، تصبح حنان خاضعة لأهواء الآخرين ورغباتهم، وحولها يتوحد حلم العائلة: الذكر/اللعنة.
ومقابل ذلك فرغت حنان شعور الفقدان إلى نوع من التبذير، حيث كانت تقتني مشترياتها دون حساب، وإضافة أملاك جديدة لحسابها. ومع أنور ستتحول إلى تمثال آخر غير ذاك الذي جسمته الأم، تمثال يصطنع السعادة أمام الآخرين لجني صفقات مشبوهة، وفيها يراكم أنور الثروة والجاه، وتراكم حنان الخيبة والأسى. تزداد هذه الخيبة تراكما يوم تعرفت على نازك، المرأة التي ستحول مجرى حياتها وستدخلها في متاهات جديدة لا حد لها. في مجلس نازك ستتعرف حنان على هشاشتها يوم قادتها إلى الفراش، وأقنعتها أن أصابع النساء تختزل جميع أصناف الرجال "عندما يتملكك الشغف والانجراف الحارق، وتغرقين في قبلة حبيبتك، تحصلين على كل هؤلاء الرجال" (6).
الأصابع تحول حياة حنان، إذ تجد فيها نوعا من التعويض الذي افتقدتها في أمها وزوجها وعائلتها، وكأن اعتناقها للمدنس وانهزامها أمام رغبة نازك، يعوض حرمانها التاريخي، ويجعلها في مواجهة مباشرة لتاريخ اللعنة الذي صاحبها منذ الطفولة، وكبر معها، وحدها البطن التي لم تنتفخ. وحينما تتذكر تفاصيل الخضوع للأم الجديدة/ نازك، تتذكر كيف كانت ضئيلة لأن هذه الأخيرة اكتشفت هشاشتها واطلعت على هشاشتها تلك الهشاشة التي ورثتها عن عائلتها.

 عليا، البحث عن تلك الرائحة:
تمثل عليا الطرف الثاني من علاقة الصراع في "رائحة القرفة"، وهي نموذج شامل لمعاناة نساء وأطفال حي الرمل، تعيش في غرفة صفيحية في أسرة تتكون من أب قاس يقضي معظم أوقاته في البيت يجلد أبناءه ويفرخ مزيدا من الضحايا، وأم همها الوحيد توفير القوت اللازم لعائلة تتكون من خمسة أفراد، استراح بعضهم إلى الأبد نتيجة المرض أو الانتحار، واستمر الآخرون في رحلة العذابات اليومية. تلك العذابات التي تبدأ من البيت، وفي حركة دائرية تمتم إلى حي الرمل وتنتهي في أماكن العمل، ثم سرعان ما تعود إلى البيت ليكمل العذاب دورته.
هذا العنف الدائري الذي يمارس على عليا وعبرها على كل نساء الهامش، هو خليط من الضرب والتعنيف والتحرش، الأمر الذي ولد لنا شخصية حادة في طباعها وسلوكاتها، حيث لا تتوانى في إعلان شراستها  وتحديها السافر "رجل ابن رجل يلحق بي"، وإن كانت هي الخاسر الأكبر في هذا التحدي إلا أنها كانت تشم مصارعيها بعاهات تصبح علامات على قوتها وعدم استسلامها.
إن صورة عليا كما تجسدت عبر فعل التذكر، تتأسس لوعي مبكر بالصراع في الهامش بين الرجل والمرأة، فإذا كان الرجل هو سبب عذاباتها، سواء أكان أبا أو أولاد الحارة أو من يشغلها، فإنها قررت في هذا الهامش أن تتحدى الرجل، عبر مستويات: المواجهة كما وقع لها مع أطفال حي الرمل، أو العبث كما وقع مع أنور، أو تمني الرحيل كما وقع مع أبيها. ولعل هذه المستويات مجتمعة، استطاعت أن ترصد لنا التحولات الداخلية لأنثى تسعى إلى الانتقام من الآخرين حسب طبيعة العلاقة بين كل قوة عاملة تواجهها. فالأب مثلا كانت تتمنى له الرحيل "وكان والدها أول أولائك الذين تمنت رحيلهم"(7)، أما علاقة بالمرأة فكانت هامشية هي الأخرى، صداقة الطفولة مع بعض الفتيات التي وفرن هلا الدعم في صراعاتها مع الأولاد، ومشاعر التجاهل التي مارستها الأم عليها، ولحظات قليلة كانت تتدخل الأم لتمنع زوجها من ضرب أبنائه.
إن عليا تنجح في الحفاظ على بقائها، وتحول صورة الطفلة القصيرة القامة، والأطراف النحيلة، والبطن المنفوخ، والأسنان النتئة، إلى حيوان مفترس جعلنا لا نفرق بينها شراستها، وبين شراسة أطفال الحارة. إن الواقع حول امتدادها وجعلها تتماهى مع صورة الذكر، بكل ما تحمله من عنف رمزي تجاه الأنثى.
إن صور عليا لا تكتمل سوى برحيلها من حي الرمل متجهة نحو فيلا حنان، ذاك اليوم الذي باعها أبوها وقبض ثمنها من أسرة آل الهاشمي، وأوصى وصيته العجول، وخرج دون رجعة. هناك سنتعرف على صورة أخرى من الانحرافات النفسية، حيث ستلتقي حنان نموذج الطبقة المترفة، بعليا نموذج العالم السفلي، ولكل نموذج نمط حرمانه، لهذا سيعمل كل واحد منهما تعويض الحرمان عبر ملء الفراغ العاطفي، واقتناص لحظات اللذة، سواء عبر استعادة صورة الأنثى الضائعة بالنسبة لعليا، أو إيجاد لذة مفتقدة من طرف حنان.

 حنان/ عليا: لقاء المختلفات
إن التفاصيل الموازية لامتداد حنان وامتداد عليا، ستتشكل من خلال اقتحام عليا عالم حنان، حيث ستستغل طفولتها وحرمانها العاطفي، لتجرها إلى الحمام، وهناك ستكتشف عليا عنفا آخر غير ذاك الذي جربته في حي الرمل، وستبدأ أولى مناورات حنان في جسد عليا "كانت عليا خائفة منها ومذعورة، وهي تتفحص جسمها بهدوء. تلعب حنان أصابعها فوق الجسد الصغير، وتحركها أمام عينيها، مثل عازفة بيانو، تفتل يديها، تنظر إلى أصابعها بشهوة"(8)، وهو الخوف الذي تبدد بعدما تعودت عليا على لغة الأصابع برائحة القرفة، تلك الرائحة التي تمنح اللذة لحنان.
غير أن اقتناص اللذة المحرمة سرعان ما سينغصه حدث مكاشفة حنان لعليا وهي تلعب بجسد أنور المترهل، فلم يكن أمامها سوى طردها استجابة لغرورها.
إن لحظة خروج عليا من الفيلا هي بمثابة البؤرة التي ستولد الأحداث. وتجلى ذلك من خلال دخول الشخصيات في لحظات من التداعي، حيث تسافر حنان عبر الزمن، وبعدسة كاشفة تروي تفاصيل حياتها، وفي هذا التداعي تعرفنا على حنان الطفلة المحرومة من صدر الأم، وهو التداعي الذي كشف لنا أسرار العائلة، ومعه أسرار حنان نفسها بعلاقتها المثلية. لكن هذا الماضي سرعان ما ينفتح على الحاضر لتعلن فيه الذات وأنور، ومن هناك تحلق نحو المستقبل لتتمنى عودة عليا "أريدها فقط أن تعود"(9). وهي نفس الصورة التي تتحقق مع عليا، غذ ظل شريط طفولتها يمر أمامها، كيف مورس عليها شتى أنواع العنف، والخروج من الفيلا معناه العودة إلى الحارة، وعذابتها، تتذكر أنها ملكة الليل، والليل مازال في بدايته، فلماذا لا تعود وترمي بنفسها على حضن سيدتها، غير أنها تتراجع عن قرارها "لن أعود"(10).
بين ما هو كائن وبين ما هو محتمل، تعيش الشخصيتان فصول الصراع النفسي، وعبر ستار نافذة الفيلا، مكان مراقبة حنان لعليا،  والشارع الطويل الذي تمشي فيه، تجري عملية الاسترجاع والاستباق، وبين العمليتين تتكرر المشاهد، لتغدو عبارة عن مشهد واحد متناسل.
إن حنان وعليا نسجتا علاقة غريبة تتجاوز الممارسة الجنسية إلى نوع من التعويض، الأولى تؤمن اللذة، والثانية تؤمن العيش الكريم، وفي كلا الحالتين، تتحول المواقع بينهما، لتصبح حنان سيدة النهار، وعليا سيدة الليل.
رائحة القرفة رواية جريئة، عبرها استطاعت سمر يزبك أن تجسد ملامح علاقة بين الهامش والمركز، وتكشف عناصر الصراع القائم بينهما، ومحور هذا الصراع هو المرأةن ضحية الواقع الاجتماعي بأمراضه وتقاليده، وقد تم ذلك عن طريق لغة اهتمت بالتفاصيل الجزئية، والتدقيق في تجسيدها.

هوامش:
1 - رائحة القرفة: سمر يزبك، دار الآداب، ط 1، 2008.
2 - نفسه: ص68.
3 - نفسه: ص69.
4- نفسه: ص47.
5- نفسه: ص70 .
6- نفسه: ص96 .
7- نفسه: ص62 .
8-  نفسه: ص76 .
9- نفسه: ص25 .
10- نفسه: ص 77.


عماد الورداني، (المرأة في قلب الصراع بين الهامش والمركز)، هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته

عن القدس العربي، (1/5/2008)

 
< سابق   تال >

أبواب نساء سورية
الصفحة الرئيسية
مرصد العنف
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
قالت لي العصفورة
مواطنيات..
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
أرشيف الافتتاحية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 6152
عدد القراء: 4032517



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.