|
محمد أمين أبو جوهر
|
|
2006-04-03 |
|
صفحة 2 من 2 الحرام والحلال قال النبي (ص): (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه. وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه). (تفسير القرطبي ـ ج2 ـ ص 221). وردت في الكتاب آيات حرّمت: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ به لغير الله، والربا. ويبدو أن البعض قد ألحّ في السؤال، فجاءت الآية 151 من سورة الأنعام، لتجمل الآيات السابقة: (قل تعالوا أَتْلُ ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق). الخمار والجلباب والفواحش لم يكتف البعض بما بيّنه القرآن الكريم، وحدَّده، بل انطلق من فهمه الخاص لبعض الآيات القرآنية، فأمر بارتداء الخمار والجلباب، وعدّهما زياً إسلامياً يؤدي خلعهما إلى كشف للعورة، وبالتالي مخالفة للدين. ومن هذه الآيات: 1ـ (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن) (سورة النور ـ الآية 31). 2ـ (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً) (سورة الأحزاب ـ الآية 59). الآية الأولى اختلفت آراء الصحابة وغيرهم من المفسِّرين، في معنى الزينة. فقال ابن مسعود وسعيد بن جبير: ظاهرها الثياب، وزاد الأخير: الوجه. وقال عطاء والأوزاعي: الزينة هما الوجه والكفان. أما ابن عباس وقتادة والمسور بن حزمة، فقالوا ظاهر الزينة هو الكحل، والسواك، وخضاب اليدين بالحناء، ونحو ذلك فإنه يجوز للمرأة أن تبديه، وقال آخر يجب عليها أن تخفي كل شيء منها. كانت النساء قبل الإسلام يسدلن خمرهن من خلفهن، وكانت فتحات القبات واسعة، فتنكشف نحورهن، وقلائدهن، فأمرن أن يسترن ذلك. وهكذا جرى تعديل على وضع الخمار، فصار يسد على الصدر أكثر. الآية الثانية الجلباب: ثوب أوسع من الخمار، ودون الرداء. وفي المفردات، الجلابيب: القُمص، والخُمر، جمع جلباب. وقال البعض: هو ثوب يستر جميع بدن المرأة، وقيل هو الملحفة، أو القناع. اختلف الرواة، في سبب نزول الآية، منها، أن نساء النبي (ص)، وغيرهن، كن يخرجن ليلاً للتبرز، وكان رجال يجلسون على الطرق فيتحرشون بالنسوة. ويرى الطبري أنه لا يجوز للمؤمنات أن يتشبهن بالإماء في لباسهن، إذا خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليلقين عليهن جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول. وقال ابن كثير: يخرج أهل المدينة ليلاً، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب، قالوا: هذه حرّة، فكفّوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة، فوثبوا عليها! الحجاب خلط البعض بين كلمتي الجلباب، والحجاب، وجعل منهما شيئاً واحداً. ولو رجعنا إلى القرآن الكريم، ومعاجم اللغة، لوجدنا الحجاب لغة هو الساتر، الذي يحول دون رؤية المتكلم والمخاطب. وقد وردت سبع مرات في القرآن الكريم. 1ـ (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب) (الشورى ـ الآية 51). قال المفسرون حجاب: من حيث لا يراه مكلمه. 2ـ (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقرٌ، ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) (سورة فصلت ـ الآية 5). 3ـ (فقال (داود) إني أحببت الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب) (ص ـ 32). فسروها بغروب الشمس، أو بغياب الخيل عن بصره لظلمة الليل. 4ـ (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فاتخذت من دونهم حجاباً (مريم ـ 16 ـ 17). والحجاب هنا هو الساتر أيضاً. 5ـ (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) (الإسراء ـ 45). 6ـ (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كُلاًّ بسيماهم). (الأعراف ـ 46). قال المفسّرون: جعل بين أهل الجنة، وأهل النار، حاجز، أو سور (يمنع وصول لذة أهل الجنة، إلى أهل النار). 7ـ (وإذا سألتموهنَّ (أي سألتم نساء النبي ص) فاسألوهن من وراء حجاب) (الأحزاب ـ 53). يروى أن أحدهم تكلم لدى النبي (ص)، فسأله النبي: كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي وأسناني. نزل الحجاب في السنة الهجرية الخامسة، وتعددت الأقوال في أسباب نزولها. قال ابن عباس: نزل حجاب نساء رسول الله، في عمر. حيث أكل مع النبي طعاماً فأصابت يده بعض أيدي نساء النبي، فأمر بالحجاب. وقالت زينب زوج النبي: دعا النبي القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا، وبقي رهط منهم، فأطالوا القعود، فخرج وعروسه (زينب)، وعاد مرات، يظن أنهم قد خرجوا، وتُتابع: أخيراً خرجوا فضرب بيني وبينه ستراً، ونزل الحجاب. رفض كثير من الفقهاء سماع شاهد من وراء حجاب، وإن علم صوته. وإذا أقرّت المرأة من وراء حجاب، فلا يجوز لمن سمع أن يشهد على إقرارها إلا إذا رأى شخصها. سادة وعبيد ازدهرت في العصر العربي ـ الإسلامي، تجارة الرقيق، فأكثر المسؤولون والأغنياء من اقتناء الجواري والغلمان. ونجم عن ذلك أمور كثيرة، في مقدمتها: ـ تدنّي وضع المرأة. ـ ظهور قواعد واجتهادات تحكم العلاقة فيما بين العبيد وأسيادهم، منها: ـ سمح للعبيد والطوافين من الخدم، دخول بيوت أسيادهم في أي وقت، دون استئذان، بخلاف الأحرار البالغين. وتحدينا كتب التراث، أن نساء النبي (ص) كن يكلمن سائر الناس من وراء حجاب، وربما كان ستراً واحداً، إلا المملوكين والمكاتبين فإنهن كن لا يحتجبن منهم. ـ قال ابن تيمية: (كان عمر بن الخطاب إذا رأى أمة قد تقنَّعت، أو أدنت جلبابها عليها، ضربها بالدرة على رأسها، قائلاً: فيمَ الإماء يتشبهن بالحرائر، حتى يسقط غطاؤها. ـ قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد، ولا يجب عليه الحج، ولا الجهاد، ولا صلاة الجمعة. خاتمة يتبين، من كل ما سبق: 1ـ حدّد القرآن الكريم وبيّن حدود العورة والحلال والحرام. ولكن البعض توسع في ذلك، وحاول إضفاء القداسة على فتاويه، مع أن معاصريه أو لاحقيه خالفوه الرأي. 2ـ أدرك كثير من الأئمة والفقهاء محتوى القاعدة الفقهية القائلة: تتغير الأحكام بتغير الأزمان. 3ـ إن وضع الخمار، أو لبس الجلباب، هي من مسائل الحرية الشخصية للمرأة. إن نشر التعليم بين أبناء المجتمع، وتأمين فرص عمل لهم، ذكوراً وإناثاً، يساهم في تعزيز شخصية كل منهما، وبالتالي يخرج نصف المجتمع (النساء) من سجنين: البيت والجلباب، فيتعافى المجتمع، وعندها يحلق عالياً بجناحيه، نحو التقدم والازدهار، واللحاق بركب الحضارة الإنسانية. قال الزهاوي: ليس يرقى الأبناء في أمة ما لم تكنْ قد ترقَّت الأمهاتُ أخَّرَ المسلمينَ عن أُممِ الأر ضِ حجابٌ تشقى بهِ المسلماتُ. المصادر ـ لسان العرب، سير أعلام النبلاء، فتح القدير، الطبقات الكبرى، التمهيد لابن عبد البر، الفتوحات المكية، صحيح البخاري، سنن البيهقي، تفسير ابن كثير، مصنف ابن أبي شيبة، الإجماع، أبجد العلوم، تفسير الطبري، الفائق في غريب الحديث، الإسلام عقيدة وشريعة، متقنيات الدر الطهراني. 13/3/2005
|