|
محمد أمين أبو جوهر
|
|
2006-04-03 |
|
صفحة 1 من 2
مقدمة تميز الإنسان، من بين جميع الكائنات الحية، بأنه الأكثر قدرة، على معرفة محيطه، ومحاولة فهم أسرار الكون، وتفسير ما يتعرض له، سواء في علاقته مع أبناء جنسه، أو في صراعه مع الطبيعة. ونجم عن مسيرته الطويلة، أمران رئيسان، هما: 1ـ معرفة الكثير من قوانين الطبيعة والمجتمع. 2ـ خلق مجموعة لا حصر لها من الأعراف والتقاليد، منها تقديس بعض مظاهر الطبيعة والأمكنة والأشخاص، فجعل منهم آلة، كما قدس أجزاء من جسده! اللباس إنه أحد أقدم مكتشفات الإنسان، التي مكنته من التلاؤم مع البيئة. وبسبب تنوع العملية الإنتاجية وتعدد أدواتها، اختلفت أشكاله وتنوعت. وكان يحدد الهوية الشخصية لكل فرد. فالزعيم الإفريقي ارتدى جلد الأسد. وكان يتم التعرف على كهنة مصر القديمة (3000ق.م ـ 500 ق.م) بوساطة ارتدائهم عباءة مصنوعة من جلد الفهد. حرّمت بعض المجتمعات ألواناً معينة، كاللون الأزرق، فالصابئة المندائيون حرَّموه لأنه لون أصحاب الردهة (روح شريرة تجسد المادة والحياة والطبيعة). أما الدين الإسلامي فقد حرم على الرجال لبس الحرير. وخير الألوان عند أهل السنة هو الأبيض. شعر الرأس رأى فيه الإنسان، رمزاً للقوة، والجمال (أسطورة شمشون الجبار). وتقررت إزاءه أمور، منها: ـ حلق الكهنة المصريون القدماء رؤوسهم تذللاً للآلهة، ونسج المصريون على منوالهم. ـ حضر يوليوس قيصر (120 ق.م ـ 44 ق.م) إلى مصر، فتأثر بالفكرة. ولما غزا فرنسا لاحظ أن أهلها يرسلون شعورهم، فأمر بقصها تدليلاً على خضوعهم لسلطته! ـ يحلق الكهنة البوذيون رؤوسهم، ففي ذلك إشارة إلى وضعهم الديني ومركزهم. ـ أما في الهند، فتقوم أصول الدين عند طائفة السيخ على خمسة أركان، أولها: ترك الشعر مرسلاً دون قصٍ من المهد إلى اللحد. وإن استحق (البرهمي) القتل، لم يجز للحاكم إلا أن يحلق له رأسه، أما غيره فيُقتل. ـ يغطي اليهود رؤوسهم في الصلاة. وتضع النسوة أخمرة أثناءها، أو عند دخولهنَّ المعبد، في حين يضع المتطرفون منهم الطاقية على رؤوسهم، داخل المعبد وخارجه، عادّين ذلك أمراً دينياً. ـ كان رجال الدين المسيحي في العصور الوسطى يحلقون رؤوسهم، وقد انفرد القديس بولس بالقول: على المرأة وحدها تغطية شعرها في الصلاة، وإذا لم تفعل فالبديل عنده القص! ـ كانت المرأة قبل الإسلام تحلق شعرها إذا وقعت في مصيبة. قال صخر شقيق الخنساء الشاعرة: تاللهِ لا أمنعُها شرارَها وهيَ حَصانٌ قد كفَتْني عارَها فإنْ هلكتُ مزَّقَتْ خمارَها واتخذَتْ من شَعَرٍ صِدارَها ـ تثير الرسائل المحتوية على شيء من شعر المرأة النخوة والحمية في صدور المرسلة إليهم، فيهبون لنجدة مرسليها. ـ إن حلق الشعر أو تقصيره، هو أحد أركان الحج عند المسلمين. ـ وعندما بُشّر النبي (ص) بفتح مكة، جاءت الآية القرآنية (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين) (سورة الفتح ـ 27). ـ حرّم المذهب الشافعي على الحاج تغطية الرأس، إلا من عذر، كما حرّم على الرجال، والنساء صبغ الشعر باللون الأسود. العورة ورد في القرآن الكريم: (فلما ذاقا (آدم وحواء) الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) (سورة الأعراف ـ الآية22). و(فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) (سورة طه ـ الآية 121). و(يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم) (الأعراف ـ الآية 26). إن السوءة ـ حسب معاجم اللغة ـ هي: العورة، والفاحشة، والعمل الشائن. وجاء في (شرح العمدة): السوءة هي القُبُل والدُّبُر. وأكد ذلك كثيرون، منهم: ابن الأثير، والزجاج، وأهل الظاهر والباطن، وابن علية، والطبري، والشيخ محيي الدين بن عربي. وأجمع الفقهاء، على أن ما يجب ستره عند الرجل في الصلاة هما القبل والدبر. إن الحياء هو انقباض النفس من شيء، وتركه حذراً من اللوم، وهو نوعان: (نفساني كالحياء من كشف العورة، وإيماني أن يمنع المؤمن فعل المعاصي. والعورة هي سوءة الإنسان، وذلك كناية، وأصلها من العار، لما يلحق ظهورها من العار، أي المذمة) (كتاب التعريفات). وعلى عكس من قال إن العورة هي القبل والدبر فقط، وجد من قال: (عورة الرجل من السُّرة، إلى الركبة، وإن المرأة كلها عورة، عدا وجهها وكفيها. وقال ابن حنبل: (لا يحل للحرة المسلمة أن تكشف رأسها عند نساء أهل الذمة). (زاد المسير ـ ج6 ـ ص 32). استند الذين عدُّوا المرأة كلها عورة، إلى حديث روته عائشة زوج النبي (ص)، يقول: (لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت (أي بلغت)، أن تظهر إلا وجهها ويديها ههنا (وأشار إلى نصف المرفق). وقالت عائشة: (إن شقيقتها أسماء دخلت على رسول الله (ص)، وعليها ثياب رقاق، فقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى فيها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفه). يثير هذا الحديث ملاحظات كثيرة، منها: ـ بدأ أهل السنة بتدوين الحديث بعد ثمانين سنة من وفاة النبي (ص)، وكانت عائشة عند وفاته في الثامنة عشرة من عمرها. ـ لم ترو عائشة الحديثين المذكورين، وإنما رواهما عنها شخص لم يعاصرها قط. وقال أبو داود: لم يثبت صدور الحديثين عن عائشة إلا عن طريق هذا الراوي. ـ ورد الحديثان في (سنن أبي داود فقط، وهو واحد من ستة كتب الأحاديث، ولا يعدّ أصحها، وأخرجه أبو داود في القرن الثالث الهجري. ولم يردا في صحيح البخاري، أو صحيح مسلم، كما لم يردا في مسند ابن حنبل! ـ يعدّ ما روي عن عائشة من أحاديث الآحاد، وقد أنكرت الشيعة والمعتزلة وفرق إسلامية أخرى تلك الأحاديث. ورفض آخرون الأخذ بأحاديث الآحاد في الأمور العقائدية، ويؤخذ بها فقط في المسائل العملية، أي مسائل الحياة الجارية التي لا هي من العقيدة، ولا هي من الشريعة. كما أن الحدود لا تثبت بها. وصل الأمر بالبعض إلى الإفتاء بأن الغلام إذا بلغ مبلغ الرجال، ولم يكن صبيحاً (فحكمه حكم الرجال. وإن كان صبيحاً فحكمه حكم النساء. وهو عورة من فرقه إلى قدمه. والمراد من كونه صبيحاً، أن يكون جميلاً، بحسب طبع الناظر، ولو كان أسود، لأن الحسن يختلف باختلاف الطبائع) (حاشية ابن عابدين ـ ج1 ـ ص 407). عورة الأمة (الجارية) قرر أهل السنة، وأصحاب المذهب الجعفري، أن عورة المرأة الحرة هي كامل جسدها، عدا الوجه والكفين. أما الجارية فعورتها كعورة الرجل. روي عن النبي (ص) قوله: (إن الأَمَة قد ألقت فروة رأسها). وأضاف عمر بن الخطاب: إن الأمة لقد ألقت فروة رأسها من وراء الجدار. وحدّث وكيع: ليس على الأمة خمار وإن كانت عجوزاً. ويبدو أن تجار الرقيق وغيرهم، لم يكونوا يرون ضيراً في عرض الجواري شبه عاريات في الأسواق، وتقليبهن عند الشراء، لدرجة دفعت الإمام مالك إلى الاعتراض على عرضهن بالقرب من المسجد الحرام في مكة، أو المسجد النبوي في المدينة المنورة.
|