|
رنا محمد
|
|
2008-05-10 |
في هذه الحياة الغريبة غالباً ما تصادفني مواقف أغرب، فأستغرب، مع أني تصالحت مع نفسي منذ زمن بعيد واقتنعت أن الغرابة باتت الأكثر الأمور ألفةً في حياتنا...
فحين أحس بالحاجة إلى الوحدة، أصطدم بالأشخاص الذين يرغبون برؤيتي... وعند رغبتي برؤية الناس والجلوس معهم والتحدث إليهم، أكون وحيدة... وعند حاجتي لسماع نصيحة أحد، يكثر الأشخاص الذين يصمتون ويتركون لي الخيار في اتخاذ القرارات بدون أي نصيحة... وعند اتخاذي أي قرار، يكثر الأشخاص الذين يمطرونني بنصائحهم... وعند حيرتي أمام أمر ما، لا أجد من يقول لي مجرد رأي... وعند حاجتي للبكاء أمام أحد، وفوق صدر أحد... أغني أو أرقص في غرفتي دون أن يسمعني أو يراني أحد... والذين يطربنا سماع كلامهم... أولئك الذين من أجمل الأمور التي يقومون بها في الحياة هي الكلام، لا نسمع صوتهم... والذين يرتكبون في كل كلمة حماقة، هم الذين لا يتوقفون عن الكلام... والفكرة التي يرغب أحد قولها من حديثه، لا تُفهم... وفي حال فهمت، تُفهم بطريقة خاطئة... والذين يرتدون أكثر الملابس شخلعة وشياكة وهضامة هم ونساءهم من زوجات وأخوات وبنات... يكونون في الحقيقة ملتحفين بنفسية داخل نفسية داخل نفسية... إلى عدد لا نهائي من النفسيات.. متكاتفين ومتعاضدين ومتلاصقين كورق الملفوف... واللواتي يلبسن البكيني ـ بعد فتوى الوصي عليهن ـ صيفاً على شاطئ البحر، هن اللواتي يلبسن الحجاب في الشتاء، بعد أمر الوصي نفسه... والذين ينكرون وجود الله في الأيام العادية، هم الذين يصومون رمضان... والذي يضرب أخواته ويمارس كل أنواع ذكورته عليهن داخل البيت، يتحول بقدرة قادر خارج البيت إلى شخص حضاري ومتفهم وبعقل منفتح وبجسد حر، ليتمكن من النوم مع الفتاة التي يشتهيها... وكل الأمور الجوهرية التي نحب كتابتها، لا نتمكن من صياغتها... أو كتابتها!... وكل الحقائق في هذه الدنيا مشكوك في حقيقتها... نتزوج لنضمن وقوف شخص نحبه إلى جانبنا في المستقبل، حين يفر العمر من بين أصابعنا كحبات المطر، ولا يبقى معنا من مؤونة لنكمل بها الدرب غير ذكريات الحب والصبا... لكننا نكتشف بعد أن يهرب من السنين أجملها أن ذلك الشخص الذي اخترناه أيام العزّ! هو الذي أبكر وعجّل في تلك الآخرة السوداء التي وصلنا إليها... ونقضي السنين ونحن نخلص في مشاعرنا للشخص الذي اعتقدناه نصفنا الآخر... لكننا نكتشف فداحة خطأنا بعد فوات الأوان، حين نلتقي نصفنا الحقيقي، الذي اخطأ بدوره في اختيار الشخص الذي اعتقده نصفه الآخر، في وقت لم يعد ينفع فيه أي لقاء... فالوقت قد ذهب... والعمر هرب... والأحلام وأدت... والمقاييس اختلفت... وكل الذين نحبهم يدهشنا أنهم لا يحبوننا... وكل الذين نمقتهم، نتفاجأ وهم يعترفون لنا أنهم مغرمون بنا... وكل الأحباء يرحلون... ويبقى الذين لا يعنون لنا شيئاً لنعيش معهم كل حياتنا... وفرع الجامعة الذي نرغب بدراسته، والذي قد نُبدع لو ندرسه، لا نتمكن من دراسته... والفرع الذي نكرهه والذي فرضته علينا مفاضلة الجامعة هو الذي ندرسه... والعمل الذي اختصصنا به لسنوات، لا نتمكن من القيام به... والعمل الذي لا نفقه به شيء نمارسه يومياً، أي نذهب للدائرة لشرب الشاي والتسلية مع زملاء العمل وحل الكلمات المتقاطعة وتقميع البامية وحفر الكوسا وتجهيز أولويات الطبخة في حال كانت السيدة الموظفة أم لعيال كثيرين، وقراءة الجرائد اليومية في حال كان الرجل مثقف وهو مضطر ليثبت ذلك دائماً، ونفتح أمامنا أوراق وسجلات لنحتاط في حال أتى التفتيش فجأة... طبعاً كل ذلك لن يمنعنا من الاستغراب والسؤال عن سبب العجز الذي يصيب كل المؤسسات والمرافق... والذين يجلسون في بيوتهم، هم الذين يكدسون الأموال... والذين لا يجف عرقهم وهم يتنقلون من شارع إلى شارع بحثاً عن عمل، هم الذين يموتون من تجمّد العرق فوق أجسادهم... ونفرح لأن إيجار البيوت رخص ألف ليرة فنسرع للاستئجار، أو حتى للشراء الذي رخص بدوره... وننسى أنه صعد مليون ليرة قبل مدة ونزل ألف الآن!!... نشغّل زمّور السيارات ونطلق الألعاب النارية عند مرور إحدى الحسناوات، أو عندما نصادف سيارة تمشي أمامنا على مهل في حين يكون واحدنا مستعجلاً... أو عند إشارة المرور... أو عند فوز الفريق الذي نشجعه في إحدى مباريات الدوري... أو عندما يطهّر قريب أو صديق لنا ابنه ويدخله من باب الرجولة الواسع... أو... أو... ويتعطل زمورنا عندما نقف ساعات عند أحد الكازيات لملء خزان السيارة بالمازوت الذي جفّ من الآبار وفُقد من الكازيات، أو البنزين الذي ارتفع سعره!... ويعجز واحدنا عن تشغيل زموره وهو يحمل (بيدونات) المازوت الفارغة، يلهث من شارع إلى شارع ليملأها بلتر مازت ليدفئ به ليل أطفاله... أو عند ارتفاع أسعار الخضار والفواكه ومواد التنظيف، وغيرها من المنتجات التي نحتاجها يومياً بدون أي مبرر أو سبب واضح لتلك القفزات في الأسعار... ونعتذر لنيل الأمان فنتمكن من كسب ثقة الآخرين واستغلال المواقف التي تخصهم لصالحنا، دون أن نغير شيئاً من السلوك الخاطئ الذي نعتذر لأجله... ونتوسل لمجرد أننا نفعل... ونتشخلع فقط لنتشبه بالغرب، وليقول عنا الآخرون: ياي شو سبور وفري!... نربي في بيوتنا الكلاب والقطط، وننزعج من الذين لا يحبون قططنا وكلابنا، ونعطي الملاحظات عن الرفق بالحيوان وكيفية تأمين الغذاء والضمان الصحي وورقة النسب لهم... وننسى آلاف الأطفال الذين يموتون جوعاً في بلدان العالم الثالث، والفتيات اللواتي يحملن بدون زواج ويجهضن، أو ينجبن أطفالاً مصيرهم الملاجئ ومصير أمهاتهم الذبح تحت سكين الشرف... وفي أحلى الحالات يتزوجها مغتصبها وتبقى ذليلة له هي وابنها طوال حياتها... نبني لأنفسنا واقعاً من أحلام... ونعجز عن بناء أحلام من الواقع... لا نستمتع بالطريق إلى القمة... ولا يهمنا الطريق الذي نسلكه للوصول إلى القمة... بل نكتفي بالتفاخر بوصولنا وجلوسنا على العرش، الذي قد يكون وهمياً... لا نحاول... ولا نقتنع أصلاً بأهمية المحاولة... ولا نؤمن بشرفها... ودائماً همنا الوحيد هي الخطوة الأخيرة... لحظة الوقوف... ساعة الوصول... حزن مألوف في عيون البشر وكأنهم يختصرون به أوجاعهم القديمة التي عتّقها الزمن المقتول... أو ربما يخترعونه... أو ربما يجدونه عذراً... أو ربما يدفنون فشلهم فيه... وفي المواقع الألكترونية... في الزوايا الشخصية... أكثر زاوية واضحة وغنية بالأفكار، تكون أكثر الزوايا التي تصل لكاتبها إيميلات من الناس عن غموضه وغموض مواده وزاويته... وأهم مادة في الزاوية يرغب الكاتب أن يقرأها الناس... هي التي لا يقرأها أحد... وأكثر زاوية قابلة للفهم، هي التي لا تُفهم أو يُساء فهمها... وأهم عنوان في تلك الزاوية، هو أكثر عنوان يحتج الناس عليه... ثم... ماذا قصدت من عرضي لتلك التفاصيل الغريبة التي بلا معنى... وما الذي كنت أنوي أن أقوله؟... لا شيء... فأكثر المواد التي يهمني أن يقرأها الناس لا يستسيغونها... لذلك سأكتفي بهذا القدر من الكلام المشتت، علّ ذلك الشتات يقول أو يفعل شيئاً!!!...
رنا محمد، عضوة فريق عمل نساء سورية، زاوية "شغفي"، (غرابة)،
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
خاص: نساء سورية |