عندما دخلت الى بهو المكتبة المركزية في جامعة تشرين لم أكن أتوقع أن أجد في تلك الساعة المتأخرة من النهار كل هؤلاء الطلاب, طالبة تقرأ واقفة هنا مطولا في دفتي كتاب سميك, طالب يقلّب العناوين هناك, صديقتان تتناقشان مشيرتين الى أحد الرفوف الكثيرة, وشاب يشتري كتبا للصغار من قسم كتب الأطفال, وآخرون كثر..
تحدثت قليلا الى فاتن, طالبة سنة ثالثة في كلية التربية, التي قالت بأنها المرة الثانية التي تأتي فيها الى معرض الكتاب السنوي, وكانت قد أتت السنة الماضية برفقة زميلاتها في الكلية, عندما سألتها عن الكتب التي تفضلها أشارت الى الكتب العلمية التخصصية التي تهمها في دراستها للتربية, كاختبارات الذكاء, مع مطالعتها أحيانا لبعض الروايات والكتب المنوعة, وقد أشارت أنها تعير الكتب التي تقرؤها الى رفاقها وأفراد أسرتها وغالبا ما يجري نقاش حول ما يعجبهم وما لا يعجبهم في الكتاب المختار, وبثقة كبيرة أكدت أن الشبّان يطالعون أكثر من الشابات, معللة ذلك بأن الشابات لديهن اهتمامات أخرى مضيفة "لقد خصصت ثمانمائة ليرة لشراء كتب من هذا المعرض, قالت لي زميلتي, اشتري بهذه النقود قميصا, أليس ذلك أجدى نفعا لك؟"!
محمد, طالب دبلوم تأهيل في قسم اللغة العربية, يزور المعرض سنويا, وينتقي غالبا الكتب التي تهم اختصاصه, فيحرص على اقتناء الكتب التي تهتم بالإعراب والنحو والقواعد, ولأن هذه الكتب تخصصية فنادرا ما يجد أحدا قد قرأها او على استعداد لقراءتها ليتناقش معه بخصوصها, ومحمد يتفق جدا مع وجهة نظر فاتن فهو يرى أيضا أن الشبان أكثر مطالعة بالإجمال من الفتيات"وقد يكون السبب الانشغال بأمور المنزل أو إيلاء أولوية ما للتواصل بين الفتيات سواء في النزهات أو سواها من سبل الترفيه, مؤكدا أنه "لا نستطيع أن نلوم الفتاة على تقصيرها في ذلك فالمطلوب منها مجتمعيا أن تعتني بأفراد أسرتها في منزل أبيها ثم في منزل زوجها, ويعتبر ذلك واجبها الأساسي, مما قد يترتب عليه بعض الحاجة الى الترفيه عن نفسها في أوقات الفراغ"! لكن نورا, وهي طالبة ماجستير في كلية التجارة, كان لديها بعض الملاحظات على هذا المعرض, كما على سواه من معارض الكتاب السنوية, فأسعار الكتب مرتفعة, ولا تتناسب مع ميزانية الطالب المحدودة, إضافة الى أن غالبية الكتب قديمة ومعظمها ذات أوراق صفراء "لا يوجد عناوين جديدة لجذب الطالب, ولا يوجد كتب مواكبة للتطور العلمي في العالم, ورغم ذلك فالكتب القديمة غالية أيضا!".توقفت عند القسم الخاص بدار ربيع للنشر والخاص بالأطفال, المشرفة على القسم فاتن أخبرتني أن المبيعات جيدة رغم أن المعرض يقام في الجامعة فـ"كثير من الطالبات والطلاب يشترون كتبا لإخوتهم أو أبناء إخوتهم, وهنالك أيضا من يصطحب الأطفال لينتقوا كتبهم بأنفسهم", وقد أكدت أن هنالك حسومات تصل الى عشرين في المائة في بعض أنواع الكتب, وهنالك أيضا كتب قد ارتفعت أسعارها كما ارتفع سعر كثير من السلع في الأسواق, وذلك خاضع لنوعية الورق والحبر والأغلفة وكثير من العوامل الأخرى, وبالنسبة لها فإن "الشابات يشترين الكتب تماما كما الشبان", فهي لا تستطيع التحديد فيمن يقرأ أكثر.دور نشر كثيرة شاركت في المعرض, ورفوف كثيرة حجزت وتوزعت بين الأدب, والتاريخ والجغرافيا وتربية النباتات, الى كتب التشريح والطب والكمبيوتر, طلاب كثر يقرؤون, لكن قليلون فقط هم من يشترون, حتى أنك تصادف هنا من قرأ بشكل متقطع خلال المعرض كتابا كاملا ليس بإمكانه شراؤه!بانتظار معارض كتب تراعي فعلا ظروف الطلاب وميزانياتهم, وتقدم لهم الأفضل والأكثر فائدة, فإنه ربما ليس أمامهم إلا زيارة المعارض الآن والتنقيب عما يريدونه طويلا, وقراءته وقوفا! هنادي زحلوط, عضوة فريق عمل "نساء سورية" ("عرض" دون طلب في "معرض" الكتاب السنوي..)
خاص: نساء سورية |