|
المرأة بين حكم الواقع وحكم القيمة |
|
|
|
أمل سعيد
|
|
2006-04-03 |
خاص: "نساء سورية"يقول ماركس "إن المرأة هي المرآة التي تعكس درجة تطور المجتمع، ووضعها داخل هذا المجتمع هو الذي يحدد المدى الذي وصله في تطوره وتقدمه". قبل أن نعالج موضوع المرأة يجب أن نعترف بحقيقة وهي أن المجتمع السوري، والمجتمعات العربية بما فيها من رجال ونساء، تعيش حالة من الاستلاب الفكري والاجتماعي، تتحدد أسسه في سيطرة الإيديولوجية التقليدية على مختلف مناص الحياة. وإذا كان من مبرر للمواطن العادي أن يمارس ما يفكر أو يقتنع به، إلا أنه على صعيد المثقفين فإن بونا شاسعا يفصل بين وعيهم المعلن، وممارساتهم الاجتماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمرأة، تلك الممارسات التي تنحو أحيانا إلى درجة أدنى من الممارسة الشعبية، من هنا يمكننا القول أن هؤلاء يملأوون رؤوسهم بالأفكار، و يخفون في جيوبهم السوط والكرباج. ولا تشكل المرأة في مجتمعاتنا نصف السكان فقط بل هي البدوة الأساسية لتربية هذه المجتمعات من خلال إشرافها على تربية الأولاد في مراحل وعيهم الأولى، وتعاني في هذه المجتمعات من الاستلاب الاجتماعي والسياسي والجسدي كما تستلب في مشاعرها، وعواطفها وشخصيتها. إذ لا زالت شرائح واسعة تنظر إليها على أنها سلعة، وجسد وقوام، مهمتها إسعاد الر جل وإمتاعه، وخدمته، كما أن شرائح واسعة أخرى تخرجها من دائرة العمل والإنتاج حتى لو حصلت على أعلى التخصصات العلمية والمهنية. في نفس الوقت الذي تجبر فيه المرأة الريفية على ممارسة أصعب الأعمال بكل ما له من علاقة بعمليات الزراعة، عدا الحراثة بالمحراث أو الجرار التي غالبا ما تقتصر على الرجال، فهي تقوم بعمليات البذار، والسقاية، والتعشيب، والقطاف، كما أنها خارج إطار الرعي، تقوم بجميع الأعمال الخدمية للأغنام، والأبقار من تعليف، وحلابة، وسقاية، وتصنيع الحليب، وأحيانا بيعه. وبالتالي فإن أغلب الأعمال الزراعية في الريف تقع على عاتق المرأة إضافة للأعمال المنزلية وخدمة الأسرة، دون أن يقوم الرجل بالضرورة بأعمال أخرى تمنعه من العمل معها أو مساعدتها على الأقل. والمشكلة الأساسية في قضية المرأة أنها لا تعاني من اضطهاد المجتمع لها إذ أن اضطهادها لنفسها يفوق هذا الاضطهاد عندما تقبل أن تبقى (حرمة أي من المحرمات) قابعة في البيت بلا وظيفة اجتماعية حقيقية. رغم حصولها على درجات من التخصص العالي. والمؤسف أن عددا من هؤلاء النساء يصبحن ضحايا للشعوذة والخرافات، يرهنون مستقبلهم لها بدءا من فنجان القهوة، وقراءة الكف والودع، حتى الأحجية، وشعوذات النصابين. والتي رفضتها الأديان وأدانتها، وأعطت حقوقا للمرأة تهرب الرجل من تحقيقها بحكم سيطرته على السلطة السياسية والدينية. إن الرجال يرتاحون لاضطهاد نسائهم لأنهم يجدون فيه تعويضا عن الاضطهاد الذي يمارس عليهم، أما النساء فيستمدون منه ضعفهم الإيديولوجي الذي سببته لهن التربية الاجتماعية المعتمدة في أساسها على الخنوع والعبودية، والقبول بسلطة الرجل، وأكبر تعبير عن هذا القبول هو في المثل الشعبي الذي يجد أن المرأة (الفاضلة) هي "التي لها فم يأكل، وليس لها فم يحكي". بينما تعبر أحلام مستغانمي عن هذه العبودية بالقول "لم أفهم لماذا يبكي الأسرى المحررون ابتهاجا بالحرية، وأنا أبكي كلما هددتني بإطلاق سراحي، ولماذا كلما تظاهرت بنسيان مفتاح زنزانتي داخل قفل الباب عدت لتجدني قابعة في ركن من قلبك". لا شك أن تطورات هامة حدثت على وضع المرأة، وصدرت القوانين التي تساويها بالرجل من حيث الراتب والتقاعد، ولكن هذه ليست بنفس المستوى في القطاع الخاص، من جهة وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية بينها، وبين الرجل من جهة أخرى. فهي تخضع لولي الأمر في كثير من أمورها الخاصة، وتقتل بما يسمى (جرائم الشرف) دون أن يتعرض القاتل للعقاب الرادع، بينما تخضع هي لأقسى أنواع العقوبة عندما يحصل العكس. ولا زالت على الصعيد الاجتماعي تعتبر أقل كفاءة من الرجل مهما تفوقت عليه علميا ومهنيا، هذه الظاهرة تبدو واضحة في إحجام العامة عن الذهاب لعيادات الطبيبات، أو تكليف المحاميات أو المهندسات بما يحتاجونه من خدمات بحجة أنهن (ناقصات عقل)، ويساهم الرجال في هذا الادعاء كي لا تصبح النساء منافسات له في هذه الأعمال إلا ما يخص بعض الاختصاصات كطبيبات الأمراض النسائية، والذهاب إليهن ليست برغبة نسائية بل إن الرجال هم الذين يشجعون على الذهاب لهن حتى لا تنكشف نساءهم على الأطباء الرجال ومثله أيضا الذهاب إلى مصففات الشعر أو الخياطات من النساء. وهناك ظاهرة أخرى تتعلق بالزواج الذي أخذ ينحسر في المجتمعات ويسبب مشاكل اجتماعية، ونفسية وجسدية، هذه الظاهرة تتمثل في أن أغلب الشباب العاملين في عمل معين لا يحبذون الزواج من فتيات يعملن في نفس العمل بحجة أنهن يخالطن الرجال ومعروفات لهم في نفس الوقت الذي يلجأ إلى مكان عمل آخر يبحث عن زوجة له ضاربا بعرض الحائط المثل القائل، "من تعرفه خير ممن تتعرف عليه". وفي كل الأحوال فقد ارتفع سن الزواج و تراجع الإقبال عليه بين الشباب لدرجة واضحة وتفشت العنوسة بينهم بعد أن ارتفعت تكاليفه لدرجة يعجزون عن تأمينها، وأصبح الزواج صفقة، تخضع لشروط مادية قاسية بينها المهر المرتفع، وتأمين السكن، ومصاريف الزواج، وكلها تقع على عاتق الرجل الذي يشترط عليه إن يقوم بتأمين هذه المستلزمات واستمرت هذه الظاهرة حتى بعد أن تراجعت الفتيات أمام ضغط الحياة عن هذه الشروط ولكن بعد فوات الأوان. وليس هذا وحسب بل أن حالات التواصل واللقاء نفسها بين الجنسين تراجعت بعد أن أصبحوا عاجزين عن تأمين أماكن ملائمة ماديا على الأقل لهذا التواصل. وتشير المعلومات أن نسبة العنوسة في بلد كالسعودية يعتبر فيه الزواج الوسيلة الوحيدة للتواصل نظريا على ألأقل وصلت إلى 33 %، من هن في سن الزواج، وتبدو هذه النسبة أكثر مأساوية في البلدان التي لا تعلن عنها، وفرضت هذه الحالة أشكالا أخرى للزواج وشرعته خارج إطار ما يمكن تسميته بالأسرة المتواصلة أو المتعايشة، كزواج المتعة مهما كانت شروطه وظروفه، وزواج المسيار الذي أخذ ينتشر في عدد من المجتمعات، والذي يستند أساسا إلى حل المشكلة الجنسية للمرأة بشكل شرعي وإمتاع الرجل المسافر، تحت هذه التسمية. أما في مجال الإيديولوجية فإن المرأة المتزوجة تسعى للحفاظ على هذا الزواج بكل السبل، وترى أن زيادة عدد الأولاد الذين تنجبهم هو أهم الضمانات التي تجعلها مرتبطة بهذا الزواج نظرا لفقدان الضمانات الاجتماعية أو المعيشية لها إذا ما طلقت، ولا يبقى أمامها إلا العودة إلى الأهل والأقارب، والخضوع لتقويل المجتمع والمساس بكرامتها. وتفرض هذه الإيديولوجية على المرأة دونية تتمثل في حالتين: الأولى أن قوة الرجل هي في (رجولته) لا في وعيه وثقافته وإنتاجه، بينما تكمن قوة المرأة في جمال شكلها، وتناسق جسدها. والثانية هي: في أن إهانة كبيرة تتوجه إلى الرجل إذا ما شبه بالمرأة أو وصف (بالحرمة وتصغَر إلى حريمة). وإحدى أطرف الحوادث التي شاهدناها هي التي حصلت بعد مشاجرة في حي، كان أحد الشهود فيها حلاق للسيدات رفض الطرف الآخر قبول شهادته بحجة أنه حلاق للنساء لا تجوز شهادته شعبيا وليس قانونيا. وفي المقابل فإن وصف المرأة بأنها تشبه الرجل في قوتها أو صبرها واحتمالها يعتبر إهانة تنتقص من أنوثتها. كل ذلك يمكن أن تجسده عبارة واحدة تتردد في كل المجتمعات العربية وهي التي تقول "العرض قبل الأرض". هذه الإيديولوجية أثرت بشكل مباشر على تعليم المرأة وجعلت هذا التعليم يتراجع عما كان عليه في بعض البلدان العربية كمصر والمغرب التي بلغت نسبة الأمية فيها 50 – 60 % من النساء بينما لم تقل نسبة النساء الأميات في سورية عن 36 % من مجموع السكان رغم القوانين التي تعاقب على التسرب من التعليم في المرحلة الابتدائية. وهنا يمكن القول إذا كانت الأمية في الوطن العربي تصل إلى 75 مليون نسمة فإن 60 مليون منهم من النساء، وهذا يشكل حوالي 40 % من مجموع النساء فيه، ولكن هذه الأمية لم تمنع حصول عدد كبير من النساء على مؤهلات علمية ومهنية عالية، ومتخصصة في مجالات عدة، ولكن قسما منها معطل تماما ولا يدخل في مجال خدمة المجتمع بعد أن منعت من ممارسة هذه المؤهلات عن طريق الأهل أو الأزواج الذين يرغبون إن يكون البيت هو حاضنة نساءهم مهما حملوا من اختصاصات، وحصر العمل بالمنزل رغم أنه أكثر صعوبة من الأعمال الأخرى أحيانا، وبعضهن لا يمارسن حتى هذه الأعمال التي تقوم بها الخادمات في الأسر الميسورة ماديا. . وتشير الإحصائيات إلى أن 50 % من النساء في الوطن العربي من الفئة العمرية من 1 – 14 عاما و25 % بين 14 – 30 سنة بينما لا تتجاوز نسبة من هن في سن ال60 عاما 6 %. نسوق ذلك لنؤكد أن الحياة العمرية الشابة تتمتع بحيوية وغرائز جنسية تشكل خطرا على المرأة والمجتمع إذا لم تتاح لها الفرص المناسبة للتعبير عنها بشكل صحيح وسليم. كما أن إهمال هذه الفئة ومنعها من العمل سنعكس على أداء المجتمع برمته. إنها إشكالية المجتمعات العربية المتأخرة التي تسعى لتعطيل نصفها، وفرض قيود صارمة على تحركها، وحرمانها من التعبير عن شخصيتها تعبيرا صحيحا. أمل سعيد، ممرضة في مشفى المواساة 9/4/2005 |