|
دون النساء لا مواطنة صحيحة |
|
|
|
تهاني سنديان
|
|
2008-05-08 |
المواطنة شعور صحيح، وحق لكل إنسان ينتمي إلى وطن، وهوية ثقافية خاصة، مهما كان هذا الوطن صغيرا في مساحته، ومهما كانت ثقافته محدودة الانتشار والتأثير.والمواطنة هي الإنسان أولا وأخيرا، ثم هي الأرض التي يعيش عليها، والثقافة التي تحدد هويته، بما هي خصيصة تعود إليه تعريفا وتعيينا. والهوية ليست مسألة ضيقة البتة، بل هي جزء من كلية إنسانية تتكامل وتتفاعل مع غيرها من الهويات الأخرى في العالم، ولا قيمة لهوية، أو لمواطنة، إذا لم تكن منفتحة على هويات الآخرين، وثقافاتهم.. والاتجاه للاتحاد معا لإعمار الأرض، وتعزيز الإنسان كطاقة إبداعية، وكقدرة على ابتكار المعجزات العلمية والحضارية على اختلافها. والمواطنة ايضا وايضا، هي الإنسان بوجهيه: الرجل والمرأة، وتظل هذه المواطنة منقوصة وشاحبة، ولا فعالية لها، إذا ما أقصى الواحد منهما الآخر. وهذه المعادلة مع الأسف ظلت مختلفة طوال دهور ودهور، ولم تتأكد إلا منذ نحو قرن من الزمن فقط، حيث اعترف بالمرأة ككائن له حق الوجود الندّي مع الرجل، ولايزال هذا الاعتراف يعتريه الكثير من الإشكاليات حتى في الدول الليبرالية المتقدمة، فكيف بالدول الأخرى التي تعاني أصلا من مفهوم تشكّل هيكلية الدولة نفسه، وبالتالي معناها ومفهومها الدستوري والقانوني.يقول( ديريك هتير) في كتابه "تاريخ موجز للمواطنة" إنه لم يكن للنساء أية حقوق في الأزمنة الكلاسيكية، فمكانهن هو المنزل، حيث انحصرت وظيفتهن بتربية الأولاد. أما الانخراط في المنافسات العامة، والخوض في التقييم العام، فهذه أمور على أهميتها بالنسبة الى المدينة (الدولة)، والنمط الجمهوري للمواطنة، لكنها كانت تعتبر منافية لمثالية الأنوثة في اللياقة والاحتشام. وقد وجّه (بيركليس) في نهاية خطابه التأبيني هذا الكلام الى النساء اللواتي كن بين جموع المفجوعين: "إن أعظم مجد للمرأة يتجلى في قلة ما يتناولها الرجال بالكلام، سواء أكان ذلك في المديح أم الانتقاد". كما عبر( سوفوكليس) عن الفكرة من الزاوية المقابلة حين كتب "السكوت المتواضع هو تاج المرأة".لكن الاعتراض القديم على أن تكون النساء مواطنات على قدم المساواة مع الرجال، ذهب أعمق من ذلك بكثير، فلم تكن المواطنة مصممة على صورة الرجل فحسب، بل كان المواطن الذكر البالغ هو الكائن الإنساني المثالي. وهو تفسير مرسخ في تعريف أرسطو للمواطنة، فقد كان يسود اعتقاد أن النساء لم يكنّ ينعمن بالمواصفات الجسدية، ولا العقلية للمشاركة بهذا الدور، لذلك لم يكن اعتبارهن غير قادرات على اكتساب لقب المواطنات، مقتصرا على أن طبيعتهن تحول دون ذلك فحسب، بل لأنهن كن ايضا، للسبب عينه، من الصنف الأدنى مرتبة في الجنس البشري، وبشكل عام، مثلا لم يكن للنساء الإغريقيات القوة العضلية للخدمة مثل( هبليت)، وهو واجب من المتوقع أن يؤديه كل مواطن، لكن ماذا عن النقص في الصفات العقلية؟ لقد أكد( أرسطو) هذا الادعاء بكره النساء بصورة قاطعة حين صرح: "ليس للعبيد ملكة التفكير العميق المتأني، والأنثى تحوزه فعلا، لكن في شكل يبقى من دون حسم، واذا امتلكه الأطفال، فإنه يكون في شكل غير ناضج ".من جهة أخرى، وكما يؤكد( ديريك هنير) كان ( لأفلاطون) وجهة نظر مضادة من هذا النمط الفكري في زمانه ففي "الجمهورية" وفي أثناء مناقشته طبقة النخبة الحاكمة، ذهب أفلاطون بعيدا في السماح لمشاركة النساء، حتى على ذلك المستوى، وكان التبادل كما يلي: "هذه صورة جيدة لحكامنا يا سقراط. نعم يجب ألا تنسى أنت وجلوكون، أن بعضهم سيكونون من النساء. كل ما قلته ينطبق بالقدر نفسه على أية امرأة عندها المواهب اللازمة. أنت على صواب، إذ كنّ سيشاركن في كل شيء مع الرجال بالتساوي ".وظلت حقوق النساء في الحياة العامة والسياسة مقصاة على مدى القرون الوسطى، وأوائل الفترات الحديثة في الغرب، حيث شكل حق التصويت في الانتخابات الوطنية مثلا، قضية أساسية في إنكلترا فقط. وظل هذا الحق، خصوصا في المدن الصغيرة، مشوبا بالغموض والارتباك. وبحسب المعلومات التي أوردها (هيتر) في كتابه "تاريخ موجز للمواطنة". فإن قضية حقوق التصويت للنساء أصبحت مسألة جدية في الستينيات من القرن التاسع عشر، عندما طرح "الليبراليون" وثيقة إصلاحية لتوسعة حق التصويت في العام 1866، فتقدمت لجنة مدعومة بشكل قوي إلى مجلس العموم لشمول النساء في هذا الحق. وقال( جون ستيوارت ميل) الذي كان نائبا في ذلك الوقت بدعم التعديل في الجدال الذي دار في السنة التالية، لكن المشروع فشل، وترافق ذلك مع بعض التعليقات الحادة ويمضي( هيتر) موردا المعلومات المهمة في هذا الصدد قائلا إنه حتى في أوروبا (الحديثة جدا) كانت بعض الدول متخلفة بشكل غير عادي في إقرار حقوق التصويت للنساء، كما تدل عليه التواريخ التالية في منح هذه الحقوق: فرنسا 1948 سويسرا 1971وفي التسعينيات من القرن العشرين.. حين خلفت الأنظمة الديمقراطية الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، والديكتاتوريات في بعض دول أميركا اللاتينية وإفريقيا، برز التساؤل: ماذا عن موقع النساء؟.. وقد رفعت حركة النساء الروسيات شعار: "الديمقراطية من دون نساء ليست ديمقراطية". وانطلق هذا القول المحق جدا ليروج خارج روسياوعندما نتكلم عن حق التصويت والمشاركة السياسية للمرأة، فإنما نؤكد هنا على عناوين جذرية في معنى المواطنة وثقافتها بالنسبة الى مجتمعات الأرض قاطبة على المستوى العربي: لا نود أن نشير الى مواطن الخلل في معادلة المواطنة بالنسبة إلى المرأة، فهي أفدح مما ينبغي، وهي شاهدة على ذاتها بأسطع مما يمكن.لكن الواجب يدعونا ايضا الى عدم جلد الذات، والى النظر بكثير من التفاؤل الى الإنجازات (حتى ولو كانت شكلية وديكورية) التي نشهدها في أكثر من بلد عربي، حيث تعين نساء في مواقع متقدمة في السلطة: وزيرات، نائبات، وكيلات وزارات، قاضيات، سفيرات... الخ. ولا شك أننا نسر جدا ايضا حين تتقدم نساء إلى الترشيح للانتخابات النيابية العامة في أكثر من بلد عربي، وذلك على غرار ما يجري حاليا في الكويت، حيث تقدم عدد لا بأس به من النساء لخوض معركة انتخابات مجلس الأمة، ونتمنى الفوز لهن جميعا. تهاني سنديان، (دون النساء لا مواطنة صحيحة)
موقع الأوان، (4/5/2008) |