|
رنا محمد
|
|
2008-04-26 |
أنا لست من الأشخاص كثيري الكلام الذين يتفاخرون بأمجاد ماضيهم ـ المزيفة أصلاً ـ ويتداولون دائماً مفردات (طنانة ورنانة) ومصطلحات كبيرة بمناسبة أو بغير مناسبة، وكل همهم من وراء ذلك أن يقولوا لغيرهم: «شوفوني ما أفهمني»...
كما أني لست من الأشخاص الذين يعظّمون ما هم عليه، ويسخّفون ما لا يصلون إليه... أولئك الذين ينظرون إلى إنجازاتهم ـ التافهة أصلاً ـ بكل الرضا، ويتجاهلون الأشياء التي تمنوها ولم يحققوها، وكل همهم أن يقولوا لغيرهم: «ليكوني ما أعظمني»... ولست من الذين يتنكرون بزيّ الرصانة والوعي وقلة الكلام... ويحيطون أنفسهم بجو ـ غير محسوس أصلاً لا لهم لا لغيرهم ـ من الصمت والكبرياء والحزن، وكل همهم أن يقولوا لغيرهم: «انتبهوا ما أوعاني»... ولست من الذين يتكلمون بفجور ووقاحة... الذين يتبادلون الشتائم في الأماكن العامة... ويهينون معتقدات غيرهم... ويهزئون من الآخرين ـ وهم مهزلة أصلاً ـ ولا يعجبهم شيء في هذه الحياة ولا يرضيهم شي، وكل همهم أن يقولوا لغيرهم: «شفتوا قديش أنا فري وأوبن مايند!» وغيرها الكثير من النماذج السخيفة الموجودة بين الناس... والتي يسبب لي وجع رأس فظيع والتهاب في المعدة وزيغان في النظر التورط بحديث مع أي منها... أحياناً، وربما دائماً، أشعر بأن أشيائي تتحدث عني... مثلاً: غرفتي أحبها أن تكون مرآتي... بدءاً من الكتب التي أنتقي عناوينها وأسماء مؤلفيها بعناية لأقرأها وأعيد ترتيبها في مكتبتي... والأغاني وألبومات الموسيقى التي أسمعها... وآلات الموسيقى الوترية الشرقية التي أجيد العزف عليها وعرضها... كأن كل شيء في غرفتي يتحدث عني... وأحياناً طريقتي في الكتابة... طريقتي في اللباس وتسريحة شعري... ووصل الأمر لأغرض المطبخ... ورغم ذلك جميع من حولي يقولون إني غامضة وقليلة الكلام... وهذا ما يثير حيرتي وانزعاجي... يخطر لي مثلاً أن مجرد وجود عبارة فيروز على حائط غرفتي "راضية بفية عيونو" كفيلة أن تُفهم أي شخص أن الحب لمجرد التورط في الحب يكفيني، ولا أريد شيئاً سوى شخص أحبه... أو مثلاً كوني أغيّر مواضع الصور وديكور البيت والغرفة باستمرار، فهذا واضح أنه يدل عل مزاجيتي ومللي السريع... فيما بعد أشيائي تقمّصت شخصيتي، وأصبحت أنا تماماً... صرت أحرص أن أُظهِر أشيائي فتريحني من الحديث وتتكلم عني... أفرطت وبالغت بتعليق صور لكبار الموسيقيين والمسرحيين... صور غيفارا والشيخ إمام وكارل ماركس ولينين ومارسيل وفيروز... صور لمشاهد مأخوذة من مسرحيات زياد غير المصورة... لوحات لأشهر الرسامين، ومنحوتات لأهم النحاتين، السوريين وغير السوريين... لوحات كاريكاتير... تعليقات للسياسيين والمفكرين الذين يعجبني فكرهم، أكتبها على الجدران، أو أقصها من الجرائد التي أحتفظ بها مهما كانت قديمة... ورود يابسة معلقة على الجدران مع تواريخ المناسبات التي أوصلتها لغرفتي، أيضاً أوراق رزنامة وعلى كل ورقة كتبت مناسبة تخصني... وغيرها الكثير من الأشياء أو التفاصيل الصغيرة التي سحرتني وحرصت على تواجدها وإظهارها في مكاني... كما أفرطت بديكور الغرفة الصغيرة المتواضعة، ديكور مسرحي مع إنارة خفيفة، أغراض نادرة وبسيطة ومنتقاة بعناية، ألوان غريبة، أقمار أصنعها من أحجار البحر الملونة، زاوية خاصة لسماع الموسيقى مع كميات هائلة من الألبومات الموسيقية التي يصعب تواجدها، إلا في بيتي... وما من زائر دخل البيت إلا سحره بأغراضه وألوانه، ومكتبته، وموسيقاه وآلاته الموسيقية، وحتى الصور واللوحات التي لا توجد إلا في بيتي... وهذا ما كان يريحني لدرجة كبيرة... وظل الأمر كذلك إلى يوم كنا نسهر فيه كعادتنا ـ أصدقائي وأنا ـ في المكان الذي يراه الجميع الأكثر جمالاً... أتى مع أصدقائي شخص كنت أراه حينها لأول مرة... جذاب وملفت جداً للانتباه، وخاصة أسلوبه الآسر بالحديث... وكما يحدث مع أي شخص يدخل البيت لأول مرة، أدهشه كل ما رآه... لكنه في نهاية السهرة قال جملة وقفت عندها كثيراً... وعند الشخص نفسه... كي أعيد التفكير بكل شيء... في نفسي... في أشيائي... قال لي: «إنتي مو حاسة إنو كلشي ببيتك عم يلعب ضدك؟؟!!!»
|