|
عن المثليين جنسيا والحرية |
|
|
|
مازن كم الماز
|
|
2008-04-27 |
أنا شخصيا نشأت في أسرة أبوية، ولا أستطيع أن أفهم صراحة مشاعر المثليين جنسيا بشكل ميئوس منه.. كان الوسط الذي عشت فيه يقدس الاستبداد الأبوي المبني على النسخة الأخلاقية السائدة، هذا جعل من المستحيل بالنسبة لي أن أفهم المثليين جنسيا حتى اليوم.. يوما ما كانت المثلية الجنسية بالنسبة لي كابن مطيع لهذه الأنساق المتتالية الهرمية من القهر والاستبداد مجرد شذوذ جنسي.. لكن قصص الحب بين المثليين جنسيا خلقت عندي، أنا ابن الأسرة الأبوية التي تحول كل ما هو خارج السائد الأخلاقي إلى تابو محرم محظور، الكثير من التشوش غير المفهوم.. أنا أعترف أنني غير قادر ربما حتى نهاية حياتي أن أتصور هذا الحب الذي يخالف النموذج الوحيد السائد "للحب المشروع"، لكن ما أنا متأكد منه هو أن هذه القصص، وبالتالي هذا الحب، يحمل شيئا ما إنساني بعمق، شيئا ما أكثر صدقا من هذا الهراء الأخلاقي المنافق الذي ينصب نفسه قاضيا وحكما على المثليين جنسيا وسواهم لمجرد أنهم يمارسون الحب خلافا لتابوهاته الشاذة في حقيقة الأمر.. هذه الأخلاق التي تقوم على النفاق المحض الذي يجمع بين القهر والاستباحة، قهر الغرائز والمشاعر الإنسانية الطبيعية بل والعميقة، وعلى استباحة الجسد والروح الإنسانيتين من قبل الطغم التي تملك السلطة والمال بأشنع الطرق فحشا وقذارة، هذه الاستباحة التي تقرها بل وتعمدها الوصفات الأخلاقية السائدة بزيتها المقدس المزيف (لا تجرم الوصفات الأخلاقية السائدة استباحة الجسد والروح الإنسانيين بشكل فظ وغير إنساني من قبل أصحاب المال والسلطة، إن ما تجرمه هو خروج المقهورين المضطهدين على هذا النمط الأخلاقي السائد بغض النظر عن رغبتهم الحرة بممارسة نمط مختلف للعلاقات بين الأفراد ومقاومتهم لاستباحة أصحاب المال والسلطة باسم إنسانيتهم وحريتهم)، هذه الاستباحة تستمد مشروعيتها سواء الدينية أو الأرضية الوضعية من قانون الحاجة الذي يمثل القانون الوحيد الفعلي على الأرض التي ينقسم فيها الناس بين جياع وشبعانين، بين سادة وأتباع، بين عسس أو جلادين وبين مقهورين.. هذه الاستباحة وهذا الزيف وكل هذا النفاق المثير للاشمئزاز هو الشذوذ الفعلي على هذه الأرض، وخلافا لكل الهذيان الأبوي الاستبدادي عن الحرية الذي يريد فقط إفراغها من مضمونها وتعليبها كسلعة في مجال الترويج السياسي والفكري، فإن الحرية الحقيقية تكتسب شرعيتها من الإنسان فقط وليس من أية قوة خارجة عنه.. طبعا الإنسان ليس بإله، على العكس إنه ضعيف فيزيولوجيا وربما عقليا بحيث أنه حتى اليوم ما يزال يتعلق بهذا الكائن الخرافي المقدس "السماوي" الذي يمثل نقيضه وامتداده في نفس الوقت، الذي يمثل حلمه الأزلي بالحرية وفي نفس الوقت أكبر القيود المفروضة على عقله وعلى روحه، أنه ما يزال غير قادر على أن يتحدى تابوهات المحرم التي تسيطر على حياته وتجعل من أي حديث عن حريته مجرد كلام فارغ لا قيمة له ولينسب إلى قوى القهر وقيم القهر كل هذا "المغزى" الأخلاقي الفارغ، أي أنه باختصار ما يزال عاجزا عن أن يعيش حريته أو أن يمارسها.. في العالم الواقعي نجد أن الحاجة إلى الطعام والنور والدفء، والخوف من الحاجة هي قيده الفعلي.. لذلك مثلا ستجد النمط السائد من الأسرة، الأسرة الأبوية البطريركية، يقوم على تحديد شكل اقتصادي ضروري للعلاقة بين الجنسين، يكون فيه الجنس المسيطر الفعال، الذكر – الأب، هو مركز الأسرة، السيد، رمز السلطة، فيما الجنس المقهور، المرأة – الأنثى، هو التابع، الخاضع، الذي يحتاج إلى تقديم الطعام وبقية الضرورات اليومية الإنسانية في مقابل الإذعان والتسليم بحالة التبعية للجنس المسيطر والالتزام بعلاقة "أخلاقية" تكرس سيطرة الذكر السيد وخضوع التابع الأنثى.. هذا يحول الحب، أو يمسخه إلى الأبد أو إلى ما شاء الله، إلى علاقة عابرة "غبية" لا تملك أية قدرة على التعبير الجدي أو الاستمرار.. لا يوجد شيء يرتبط بشكل صميمي وحتمي بالحرية الحقيقية وبالمساواة الحقيقية بين البشر ولا يوجد شيء يقتله، بل ويسحقه، القهر والاستبداد ووجود امتيازات اجتماعية أو جنسية أو عرقية أو طبقية "مقدسة" مثل الحب بين الجنسين (و في حالتنا هنا بين المثليين جنسيا أيضا).. و بالمثل لا يوجد إحساس إنساني أو قيمة إنسانية أو شكل للعلاقات بين البشر كان يمثل عبر العصور مثل هذا الدافع القوي والمؤثر للثورة على الظلم والقهر واستباحة إنسانية الإنسان مثل الحب.. هنا نشاهد تداخل الإنساني الفردي بالكلي، الفردي بما يخص الجنس البشري ككل، هنا ما هو واضح وضوح الشمس أنه لا يمكن تحرير الإنسان دون إلغاء انقسام البشر إلى أناس تجوع وأخرى تشبع حتى الثمالة، إلى جلادين ومقهورين (أن لا يكون تحت تصرف أية فئة مهما ادعت ونسبت إلى نفسها امتياز ووظيفة قهر الآخرين وإكراههم، لا باسم الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر ولا باسم "إرشاد" الناس "التي لا تعرف" إلى جادة الصواب أو قيادة "ديكتاتورية" البروليتاريا أو أية صفة أخرى نخبوية قهرية).. ما أعتقده أنا ابن المجتمع الأبوي القائم على الاستبداد وقمع حرية الإنسان الذي ينظر إلى الحرية كهدف عزيز، بل ووحيد، للحياة الإنسانية، أن المثليين جنسيا أصبحوا مثليين بمجرد إطلاق العنان لمشاعرهم الصادقة غير المنافقة بكل حرية متجردة، أي بغرض ممارسة ما يشعرون به أو يعتقدون به، دون أن يكون هذا لصالح من يملك المال أو السلطة ككل هذا العري والعهر المخصص للترويح عن أصحاب الملايين وكبار رجال السلطة في العالم وفي كل دولة عربية وإسلامية بالضرورة، ما أعتقده هو أنه بقدر ما لا يمكن تجزئة القهر وتصنيفه، تماما كما لا يمكن تجزئة الحرية وتقسيمها، فإن المثليين هم ببساطة بشر يمارسون حريتهم، هذه جريمة لا تغتفر بالنسبة لمجتمع يقوم على القهر ولكن ليس بالنسبة لبشر يمجدون الحرية كقيمة أساسية، إن لم تكن الوحيدة للحياة البشرية، ويبحثون عن حريتهم هم وسط هذا العالم المليء بالسجون والقيود.. مازن كم الماز، (عن المثليين جنسيا والحرية)
عن الجمل، (8/4/2008) |