|
رنا محمد
|
|
2008-03-22 |
المواطن هو كائن يشبه الإنسان بشكل كبير... والمواطن نوعان: مواطن غير صالح، لا نراه عادة في الطريق، فله أماكن خاصة لإعادة تأهيله... ومواطن صالح، وهو يشبه واحدنا... أي موجود بكثرة... والدارج أن يكون المواطنين صالحين،
وهذا لا يتطلب من الكائن جهداً كبيراً، وهذا ليس بالأمر الصعب، بل هو أمر في غاية الإنسانية... أي أن تبدي دائماً تعاطفك وتعاونك ومحبتك لأخيك الإنسان... يا أخي الإنسان!... أهم صفة هي أن تدير خدك الآخر لأي يكن في حال غضب وعصّب و(طلعت خلاقو) وضربك على الخد الأول... وأن تستقبل في بيتك كل أصناف البشر، حتى الذين تمقتهم أو الذين يسيئون إليك، أو الأغبياء الذين لا يتوقفون عن الثرثرة... وتحسن ضيافتهم وإلا (نشحوك بالحارة)، وتنم معهم على الآخرين... ولا تنسَ مثلنا الشهير: من داس على العتبة داس على الرقبة، ولا تنس معه أن الذين يدوسون على الرقبة قد يمعسوها في أية لحظة... تستقبلهم في الوقت الذي يناسبهم، لا في الوقت الذي يناسبك وتظل دائم الابتسام في وجههم...أن أنت في هذه الحالة تقدر وتستوعب أطباع أخيك بالإنسانية... أن تطل من (بلكونك) وتشكر جارك الذي يغازل بنت الجيران ويصرع لبّ مخّك بصوت (شي واحد من بيت "الديك" أو ما شابه) أو بمسلسل (باب الحارة) من طلوع الشمس، تشكره على ذوقه اللطيف وأغانيه العظيمة العائدة للتراث، وعلى انتقائه الجيد للمسلسلات الصباحية التي لا تتحدث عن الجهل والتخلف والنساء الأميات الغبيات التافهات الثرثارات والأزواج المتسلطين المتخلفين التافهين... تشكره لأنه من دون أن يدري أعلن بداية صباح جميل لك... ولا تنسَ أن تأخذ زبالة الجيران بطريقك لأنه وبشكل طبيعي حين تفتح باب بيتك صباحاً، بعد ما أبهجك جارك الأول، ستجد كيس زبالة أسود مربوط بانتظار أن تصطحبه معك... الفسحة أمام البيوت ملك للجميع... يا أخي المواطن... حتى بالـ (سيرفيس) حين يوبخك السائق لأنه مشى قبل أن تجلس فانصفق باب سيرفيسه، ووقعت أنت على امرأة ما، فبدأت بالصراخ عليك لأنك لامست طرف ظفرها... طنّش يا مواطن ودع الموضوع يمر بسلام وقدّر أن السائق مستعجل ومتعب وتصليح الباب يكلفه دم قلبه في حال خرب، حتى ولو بنفس اللحظة صعدت (سنفورة!) وبقي واقفاً ربع ساعة لتتمكن من إدخال رأسها بالسرفيس حتى لا تخّرب تسريحتها، وربع ساعة أخرى حتى تجلس فلا تقع من الكعب العالي... وبالنسبة لتلك التي جمعت عليك الناس لأنك لامست ظفرها معذورة، فنحن ببلد شرقي والناس لا ترحم، خافت أن يعتقد أحد أن بينكما معرفة لا سمح الله، ولا هم إن كانت في طريقها إلى بيت صديقها!... فالناس لها الظاهر فقط يا مواطن... ودم العربي حامي وعنده التار ولا العار... حتى مديرك في العمل همومه ومشاكله تكفي لتهد أعظم جبل، فهمّ المديرية كلها فوق أكتافه... سكرتيرات.. موظفين... رشاوي... ولن نستطيع أن نقول لك: لو كنت مكانه... وإخوانك المواطنين المعطلة مصالحهم بسبب تسيّب زملاءك الموظفين، ردة فعلهم طبيعية... هم يجهلون الكائن المتسبب بالتعطيل ولا وقت لديهم للسؤال والاستفسار، ولا بد للجرة أن تنكسر برأس أحد... تحمل يا أخي المواطن... وأنت بطريق العودة، أو الذهاب لعملك الآخر سيراً على قدميك، ما ذنب الشمس إذا كانت تكوي صيفاً، والبرد يجمد الدم في العروق شتاءً، والناس دائماً تتدافع كالنمل... فأمر طبيعي أن يدهسك أحد وهو في سيارته (المفيمة) أثناء تجاوزه إشارة المرور... فالنملة يا عزيزي كائن سخيف وتافه وبلا معنى، وصغير بحيث لا يمكن مشاهدته من بعيد... وأيضاً لن نقول لو كانت عندك سيارة... وفي آخر الليل حين تقرر كسر الميزانية والركوب بتاكسي والسائق يأخذ منك ضعف، بل أضعاف ما يستحق... مسكين ومظلوم... كل النهار يعمل سخرة للآخرين... ثم فكر بالموضوع إيجابياً، أفضل من السير على قدميك، دقائق وتكون في بيتك... وأثناء صعودك الدرجات، لتصل إلى الغرفة التي تسكنها على السطح، يكون كل تفكيرك بزوجتك، وتظن أنها تتشخلع وترش العطور بانتظار طلتك البهية لتريحك من تعب النهار، وأنت بالتالي ستنسى تعب اليوم... لا تنزعج أو تندهش حين تفتح الباب ولا ترى زوجتك، فربما ملت الوحدة طوال النهار، وربما هي الآن تشكي همها لإحدى صديقاتها... مسكينة هي الأخرى... هل نسيت أنها طلبت الطلاق منذ سنوات، وأنت لا تطلقها لعجزك عن دفع مهرها وهي الآن (حردانة) في بيت أهلها والدعاوي بينكما شغّالة... لا بأس... انسَ أمرها الآن واذهب لتقبيل أولادك الغافين فوق أسرتهم فأنت لا تراهم إلا وهم نائمون... حتى أنك نسيت أعمارهم وفي أي صفوف أصبحوا... دعهم نائمين وانسَ كل شيء... انسَ فواتير الكهرباء والهاتف التي تتراكم عليك وتعجز عن تأمين وقت ومال لدفعها، رغم أن الكهرباء بالكاد تزور بيتك... انسَ أنك لا تملك وقتاً لتصالح زوجتك وتعيدها لأولادها... انسَ أن صاحب البيت سيخرجك من بيته الذي تسكنه أنت ولم تدفع له الأجار لأشهر متتالية... حاول أن تنسى كل شيء واذهب للنوم فوق فرشتك المبقعة... فهناك نهار حافلٌ آخر بانتظارك... أنسيت أن جارك سيطربك منذ الصباح بأغانيه الجميلة وذوقه الرفيع!!!.... وبذلك ينتهي يوم عادي في حياة مواطن عادي... وإلى اللقاء مع الحلقة المقبلة من مسلسل كائنات، مع كائن جديد وهو كائن البنت.
|