|
نادي الرسم المجاني للأطفال في اللاذقية يطفئ شمعته الثالثة |
|
|
|
رنا محمد
|
|
2008-03-16 |
مئات الأطفال جاء بهم الخبر من جميع أنحاء المحافظة، من قلب المدينة ومن الضواحي والقرى القريبة... وصلوا بعيونهم الضاحكة وأيديهم التي تشتاق فرشاة الرسم... يركضون من رصيف إلى رصيف... يلعبون... يتعاونون... يصطفون بانتظام... يصخبون... يحكون أصابعهم بانتظار الريشة والألوان... يغنون ويحكون الحكايا... ينتظرون...
المكان: ضاحية بسنادا الجديدة ـ اللاذقية الزمان: 8 آذار 2008 المناسبة: الذكرى الثالثة لتأسيس نادي الرسم المجاني للأطفال في الساحة اصطف ما يقارب 400 طفل من مختلف الأعمار ينتظرون قبل الموعد بأكثر من ساعة ظهور المشرفين ليبدأ الاحتفال ويتكرر سؤالهم بين الحين والآخر للمشرفين المسئولين في الساحة: "متى سيبدأ النادي؟"... وفي الساحة أيضاً اصطف فريق العمل المتطوع والمنظم لتوزيع الألوان وريش التلوين، وكانت مفاجأة الأطفال أنهم لن يرسموا ويلونوا على ورق مقوّى، فاليوم استثنائي، عيد ميلاد النادي الثالث، ووزع فريق العمل فخارات صغيرة ليقوم الأطفال بالرسم عليها... وبدأ النظام والعمل... وقام الأطفال بمزج خليط رائع من الألوان فوق الفخارات الخاصة بهم، وتبادلوا الآراء بإبداعات غيرهم من الأطفال... ثم وبعد أن فرغ كل طفل من إبداع ألوانه، أتى دور (الحوّار ـ الطباشير) وبدأوا بالرسم على الرصيف وفي عرض الشارع... راسمين خيالاً طفولياً خصباً... وحين انتهى الوقت المخصص للإبداع، قاموا بتنظيف الشارع من أدق الأوساخ التي فيه، وأعادوا ريش التلوين إلى فريق العمل... ثم جلسوا في المدرج المخصص بانتظار تتمة الاحتفالية... قدم فريق كورال أطفال النادي أغنية أهدوها لأطفال فلسطين الذين يذبحون يومياً أمام الملأ الصامت والفاقد القدرة على الاحتجاج... ثم قامت مندوبة من مكتبة الأطفال العمومية أتت خصيصاً للمشاركة في عيد ميلاد النادي الثالث بقراءة قصتين للأطفال، شارك الأطفال فيها بكل حواسهم وكانوا منفعلين لأبعد حد، وصفقوا في النهاية للقصة، وصفقوا لسعادتهم... ثم قدمت طفلتان بعمر خمس سنوات رقصة تليق بعمرهما البنفسجي الجميل... وغنى فريق كورال النادي من المشرفين "البنت الشلبية عيونا لوزية بحبك من قلبي يا قلبي وإنتي عينيّ" مع ترتيل الأطفال معهم وتصفيقهم وعيونهم التي امتلأت بالحياة... وقام طفل وطفلة بأداء مشهدية مسرحية كتبتها سيدة من مشرفات النادي... ثم أعلن المشرف العام انتهاء وقت النادي الذي يستغرق عادة ثلاث ساعات كحد وسطي بين رسم وتلوين وحكاية قصة أو موسيقى إضافة لجلسة النقاش... وذهب الأطفال لبيوتهم بنفس الفرح الذي أتوا به، واعدين أنفسهم بعد أسبوعين بيوم حافل ومثير كهذا اليوم، ومتمنين للنادي الاستمرار. كانت ولادة نادي الرسم المجاني للأطفال في اللاذقية سنة 2005 بالتعاون بين رسام الكاريكاتير الفنان عصام حسن والدكتور الفنان ياسر غانم، وهو أول نادي رسم للأطفال من هذا النوع في سوريا. بدأت فكرة النادي باقتناع الفنانَين المؤسسَين للنادي (عصام حسن ـ ياسر غانم) بوجوب الذهاب إلى الأطفال بدل دعوتهم إلينا. وعن طريق جهودهم المنظمة، وبالتعاون مع فريق عمل متطوع ومجتهد بدأت أيام العمل في النادي. وفي يوم اللقاء توزع للأطفال مستلزمات الرسم من ورق وألوان مائية وريش تلوين، يصطف الأطفال لاستلام أدواتهم مع أغنيات فيروز المخصصة للأطفال، أو مقطوعات موسيقية منتقاة، وللأطفال كل الحق في اختيار ما يرغبون في رسمه، ولهم كامل الحرية في التعبير عما يجول في مخيلتهم وأحلامهم، مع ابتعاد المشرفين عن حسّ الوصاية الذي يعاني منه الأطفال عادة في البيت والمدرسة وكل الأماكن الأخرى من قبل الأهل والمدرسين والأقارب... وفي نهاية كل يوم للنادي تؤخذ للأطفال صور تذكارية مع لوحاتهم، وتقدم لهم فقرة موسيقية أو غنائية أو مسرحية تكون مدتها ربع ساعة كحد متوسط... وقبل الانصراف يقوم الأطفال بتنظيف الشارع من مخلفاتهم، إن كان الشارع بحاجة إلى تنظيف. من خلال عمل النادي الدوري كل 15 يوماً، طبعاً مع مراعاة ظروف الجو السيئة والأيام الماطرة والباردة جداً وكذلك أيام الامتحانات، وضمان سلامة الأطفال وحمايتهم من السيارات العابرة، يسعى النادي لتحقيق مجموعة من الأهداف، وكانت جل أهدافه على المستوى الاجتماعي من خلال خلق وعي أكبر لدى الأطفال وتكريس القيم النبيلة في حياتهم كاحترام الدور والاهتمام بالمرافق العامة وعدم الاعتداء عليها، وباعتبار أن الرصيف هو أول مكان يحتك فيه الطفل مع الوطن يسعى النادي لخلق علاقة جميلة ودائمة التألق بين الطفل والشارع، وكل ذلك يخلق لدى الطفل ذاكرة مشرقة وجميلة تربطه بالأمكنة. أما على المستوى الفني فيهدف النادي وبشكل أهم إلى خلق نوع من الألفة بين الأطفال أنفسهم وبين الأطفال وأدوات الرسم، واختراق القانون الدارج عند أغلب الأهالي وهو عدم السماح للطفل باللعب بالألوان لمائية، وتطوير حسهم الفني بأكبر قدر ممكن من خلال المعارض التي يقيمها النادي في الشارع والحكايات والفقرة الموسيقية أو الغنائية وأحياناً استضافة فنان، أو مساهمات الأطفال الذين يقترحونها، وبالتالي تنمية ذوقهم وحسهم الموسيقي خاصة أنهم وأثناء اصطفافهم بانتظام يتعلمون احترام بعضهم والوقوف بنظام بانتظار دورهم، ومرافقة صوت فيروز لهم يهذب أذنهم ويحسّن انتقائهم فيما بعد للموسيقى التي يتوجب عليهم اختيارها وسماعها. المستفيد الوحيد من كل ذلك هو الطفل... الطفل وحده... الطفل من عمر ثلاث سنوات حتى عمر 15 سنة كحد وسطي... الطفل الذي سيكبر وسيبني مع زملاءه الوطن... أما عن نشاطات النادي في سنواته الثلاث فكانت ـ على سبيل الذكر لا الحصر ـ إصدار فيلم قصير يصور النادي بمختلف مراحله، وإصدار روزنامة لعام 2006 وكذلك لعام 2007 أيضاً لعام 2008 وتحوي كل رزنامة مجموعة من رسومات الأطفال، والفيلم مع الروزنامات توزع مجاناً على الأطفال ومشرفي النادي وأصدقاء النادي والداعمين له... كما يصدر النادي جريدة شهرية بأربع صفحات عنوانها «شمس قمر نجوم» توزع مجاناً للأطفال... إضافة للنشاطات الجوالة الخارجية إلى أحياء المدينة والرحلات الاستشكافية كالرحلة التي قام بها النادي إلى متحف الديناصورات بالهواء الطلق في قرية قسمين، والرحل كلها مجانية... كما أنشئ حديثاً مكتبة صغيرة يمكن للأطفال استعارة الكتب والقصص منها عن طريق بطاقة اشتراك... كما قامت السيدة هيام غانم حديثاً بتأسيس فرقة كورال من مشرفي ومشرفات النادي مهمتها تقديم الأغاني والمعزوفات للأطفال عند انتهاء كل نشاط. وبالنسبة للميزانية، فيحتاج النادي إلى ألف ليرة سورية لكل خمسين طفل في كل يوم عمل، يتم تأمين كل المستلزمات من أعضاء فريق العمل المتطوعين أنفسهم أو من جهات رسمية كالبلدية أو جمعيات ترعى الطفولة وسمعتها الحسنة وأعمالها الجيدة تؤكد احترامها للطفولة. فيما مضى، وخاصة في يوم المرأة العالمي... كنت أحلم أن أتحرر من تشييئي، وتشييئنا جميعاً، تحجيمنا نحن البشر في تفاصيل حياتنا اليومية لحد الشيء العادي أو السخيف، كنت أحلم أن أعيش كإنسانة... كامرأة... امرأة ولو في يوم واحد وليوم واحد... امرأة في عامل ذكور متعفن... اليوم، وبعد أن انتهى الاحتفال بالعيد الثالث لنادي الرسم المجاني للأطفال في اللاذقية حلمت أن أعود طفلة... يبدو أن فيروز كانت على حق حين قالت: "سنة عن سنة عم تغلى ع قلبي عهد الولدنة".... ويبدو أني سأنسحب من كل ما قلته حول أهمية وجمال كل مرحلة من مراحل العمر وأنه ينبغي علينا أن نعيشها بكل تفاصيلها وحلوها ومرّها، وسأعترف أن الطفولة أجمل وأصدق مراحل العمر وأني أحنّ كثيراً لطفولتي، لذلك سأحاول استعادتها قدر ما أستطيع... مع نادي الرسم المجاني للأطفال في اللاذقية نكون كلنا أطفال متحررين من كل ما يثقل على البشر... راسمين الغد بريشة من نور... شكراً عصام لكل ما تقدمه لإحياء الطفولة فينا... شكراً ياسر... شكراً لكل عضوات وأعضاء فريق عمل نادي الرسم المجاني للأطفال في اللاذقية. |