|
استغلال الأطفال اقتصاديا في أسوأ أشكال العمل |
|
|
|
رهادة عبدوش
|
|
2008-03-16 |
من الطبيعي ان نألف مشاهدا من مثل أطفال يجوبون الطرقات ليبحثوا بين أكوام الزبالة عن أشياء يجمعوها ويفرزوها ويوزعوها ومشاهدا من أطفال يمتطون الشاحنات ليتجهوا نحو المزارع في أيام المواسم وأحيانا خلال العام كله ليعملوا في العتالة ومختلف الأعمال المرافقة للزراعة ومشاهدا كثيرة من مثل اطفال يعملون بالمقالع والحجر والدباغة والمناشر وصيد الأسماك وحتى في المرابع الليلية،
وهذه الالفة في المشاهد جاءت من كثرة الأطفال العاملين في هذه الأعمال لكن الغير طبيعي في الموضوع أن نعتبر ان هذا العمل عاديا فنكرس الصورة الخطيرة ليصبح اعتيادا. من هنا جاء الاهتمام بموضوع عمل الأطفال واعتباره عنفا يقع على الطفل ليدرج تحت الاستغلال الاقتصادي كما حددت المادة (32) من اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها سورية في 14-8-1993م والتي تقول :"1-تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح ان يكون خطيرا أو أن يمثل اعاقة لتعليم الطفل أو ان يكون ضارا بصحته أو نموه البدني أو العقلي او الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي2-تتخذ الدول الأطراف التدابير التشريعية والادارية والاجتماعية والتربوية التي تتكفل بتنفيذ هذه المادة" ما يعني أولا وجوب اعتراف الدول بوجود هذا النوع من العنف وحماية هذا الطفل من الاستغلال الاقتصادي كونه يؤخر نموه وعلمه ويعتدي على طفولته على أن يترافق هذا الاعتراف بالتدابير القانونية والتطبيقية التي تحد من هذا الاستغلال وفي بلادنا يتعدى استغلال الأطفال اقتصاديا العمل العادي ليصل الى أسوأ أشكال العمل وهذا كما ذكر سابقا وحددته اتفاقية حقوق الطفل ضمن البروتكول الاضافي والذي وقعت عليه سورية بالتوصية رقم (190) وتتضمن"الدعارة-السياحة الجنسية-العمل المنزلي-ترويج وصناعة المخدرات- الزراعة-الدباغة-جمع القمامة –مقالع الحجر والنشر- المناجم- صيد السمك- سباق الهجن". وقد اعتمدت من طرف المؤتمر العام لمنظمة العمل الدوليةفي 17-6-1999م وفرضت على الدول الأعضاء تصميم وتنفيذ برامج عمل من أجل القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال كو ن الانتهاك لأي حق من حقوق الطفل هو انتهاك للاتفاقية بأكملها وهذه الأعمال بمعظمها موجودة في سورية تحت علم ونظر الجميع. أما بالنسبة للاحصائيات حول عدد الأطفال العاملين في سورية فهي لا تفرق بين عمل الأطفال العادي وأسوأ أشكال العمل وأيضا ليست موحدة فتختلف من مصدر لآخر فبحسب الدراسات التي أعدها المكتب المركزي للاحصاء وجامعة دمشق ومعهد فافو النرويجي ومكتب اليونيسيف 2003م "ان عدد الأطفال العاملين في سورية من عمر(10-17) يشكلون (621) ألف طفل وهذا العدد مرشح للتضاعف بسبب الفقر وغياب معاهد الاصلاح للاحداث الجانحين التي لا يتجاوز (5) معاهد وزيادة العنف ضد الأطفال حيث أن (79%) منهم معرضون للضرب عدا الاعتداءات الجنسية التي لا يوجد احصائية عنها". واذا أردنا بحث أسباب عمل الأطفال يجب التأكيد أولا على أن البحث في الأسباب لا يعني التبرير فالانتهاك لا يبرر فهنالك مجموعة من العوامل أو الظروف ساهمت في تفاقم عمل الأطفال فبحسب بحث للدكتور (نبيل مرزوق) حول عمل الأطفال في سورية جاء "ان عمل الأطفال في سورية يرتبط بمستوى الدخل وعمل أو بطالة البالغين في الأسرة وعمل الأم ومستوى دخلها ويشكل التعليم والآفاق المرتبطة به عاملا مؤثرا بين هذه العوامل حيث تفتقد الأسرة والأحداث للدوافع للتضحية والاستثمار بالتعليم عند تدني مستوى التعليم وخاصة في المرحلتين الابتدائية والاعدادية وانعدام فرص العمل بالنسبة للخريجين وهذه أيضا تفسر زيادة التسرب المدرسي" فالفقر في سورية من أول العوامل المساهمة حيث أن ثلث سكان سورية فقراء وأكثر من مليون منهم تحت خط الفقر حسب ما جاء في تقرير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة عن الفقر في سورية، بالاضافة الى ذلك يعتبر القانون السوري رغم أنه يحمي الأسرة والطفولة ويحدد سن عمال الأطفال ويمنع التسرب من المدارس أنه ما زال قاصرا ويحتاج الى تفعيل ومراقبة. وتولي الدراسات العالمية اهتمامات بالغة للحد من عمل الأطفال ففي دراسة للأمين العام للأمم المتحدة عام (2006) حول العنف ضد الأطفال أكدت أن على الحكومات أن تحظر أسوأ أشكال العمل التي يعمل فيها الأطفال ووجوب أن تولي الحكومات انتباهها الى الأطفال الذين يعملون بشكل غير رسمي والتأكد من سماع رأي الأطفال العاملين في كيفية حل المشكلة ووجود وسائل ضمن خطط التنمية تضمن عدم احتياج الأطفال الى العمل بشكل غير قانوني في المستقبل مع التأكد من وجود قوانين لحماية الأطفال من العنف أثناء العمل ان كانوا يعملون بشكل قانوني أم لا والتأكد من أن كل شخص يوظف أطفالا بشكل قانوني قادرا على التعامل مع الطفل دون اللجوء الى البيت عن طريق اجراء برامج تدريبية لأرباب العمل وانظمة واضحة للجميع لتقديم الشكاوى والتبليغ عن أي عنف يتعرض له الطفل في أماكن العمل بالاضافة الى ذلك يجب التأكد من توفر المساعدة للأطفال الذين يعملون بشكل غير قانوني حتى يتخلصوا من هذا الوضع ويتلقوا التعليم والتدريب ويجدوا وسيلة أفضل للعيش وكذلك من الضروري العمل مع أصحاب العمال ونقابات العمال والمنظمات المجتمعية على توفر الحماية للأطفال العاملين بالارشادات والقواعد. ولكي تطبق هذه الدراسة على أرض الواقع لا بد من اشراك الجميع في الدولة من أصحاب القرار والشركاء من الجمعيات الأهلية والمنظات الدولية بالاضافة الى ايجاد تشريعات قانونية مناسبة للواقع وتطبيقها وتكريس ثقافة حقوق الطفل ضمن المناهج التعليمية والتربيوية وفي مختلف وسائل الاعلام كي لا يتم تجاوز هذه الحقوق ليصبح التجاوز اعتياد وعرف وكي يعرف كل فرد حقوقه فيستطيع المطالبة بها أو على الأقل يعرف أن حقه قد انتهك. رهادة عبدوش، عضوة فريق عمل نساء سورية، (استغلال الأطفال اقتصاديا في أسوأ أشكال العمل)
تنشر بالتعاون مع مجلة البوصلة، نشرة غير دورية تصدر عن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، العدد 16، (آب 2007) |